عن الحب
بسم الله الرحمن الرحيم
عن الحب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكاتب: تشيكوف ترجمة: د. عبد الرحمن دركزللي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في اليوم التالي كان هنالك على الغداء فطائر لديدة وجراد البحر وضلع مشوي، وبينما كنا نأكل حضر الطباخ
نيكانور وسألنا: مادا يريد الزوار على العشاء. كان رجلا متوسط الطول بوجه منتفخ وعينين صغيرتين، كان حليق الوجه حتى إن شاربيه ــ وإن بدوا غير محلوقين ــ كانا منتوفين نتفا. أخبرنا آلهين بأن الحسناء بيلاجيا
كانت واقعة ي غرام الطباخ. وبما أنه كان إدا شرب يعربد ويصبح عنيفا فإنها لم تتزوجه ورغبت في العيش معه دون زواج رسمي. كان ورعا جدا تمنعه قناعاته الدينية من العيش " في الحرام" لدلك أصر على ان تتزوجه ولم يقبل بشيء آخر. كان إدا شرب يضطهدها وربما عمد إلى ضربها، وكانت إدا شرب تهرب منه وتختبىء في الطابق العلوي وتبكي، وفي بعض المناسبات كان آلهين والخدم يبقون في البيت استعدادا للدفاع عنها وقت الضرورة.
بدأنا بالحديث عن الحب.
" كيف ينشأ الحب" قال آلهين. " " لمادا وقعت بيلاجيا ــ وهي التي لم تحب أكثر من صفاتها النفسية والجسديةــ في حب نيكانور دلك الأفطس القبيح ــ كنا نسميه الأفطس ــ إلى أي مدى تؤثر مسألة السعادة الشخصية في الحب. كان دلك كله معروفا؛ فالمرء يستطيع أن يختار ما يشاء من الآراء. حتى تلك اللحظة كانت هنالك حقيقة وحيدة مؤكدة عن الحب " وهي الغموض الكبير " كل ما كتب أو قيل عن الحب لم يكن
مؤكدا بشكل مطلق وإنما مجرد أقوال وموضوعات لا أجوبة عنها. التفسير الدي ينطبق في الظاهر على
حالة قد لا ينطبق على عشرات الحالات الأخرى. والأفضل في رأيي أن تعالج كل حالة على حدة بدون تعميم . يجب ــ كما يقول الأطباء ــ أن تعالج كل حالة على أنها شيء فريد من نوعه.
وافق بوركين قائلا: " صحيح تماما"
نحن معشر الروس من أبناء الطبقة المثقفة لدينا ولوع كبير بهده المسائل التي لا أجوبة عنها. والحب عندنا يصور عادة بطريقة شاعرية ويزين بالزهور والعنادل، نحن نزين الحب بتلك المسائل الخطيرة ثم نختار أكثرها تفاهة أيضا. عندما كنت طالبا في موسكو كانت لدي صديقة تشاركني حياتي ، سيدة فاتنة ، وكانت كلما أخدتها بين >راعي تفكر بما سأسمح به لها أن تفعله خلال الشهر عندما تتولى إدارة المنزل وكم كان سعر رطل لحم البقر. نحن عندما نقع في الحب نقوم وبنفس الطريقة بسؤال أنفسنا أسئلة مثل : هل الحب شيء شريف أم خسيس وهل هو نوع من العقلانية أم ضرب من الجنون وما النهاية التي يؤدي إليها وهلم جرا. أما إدا كان الحب شيئا جيدا أم لا فأمر لا أعرف له جوابا ولكن من المؤكد كما يلوح لي أنه غير سار بل مزعج.
كان ــ على ما يبدو ــ يريد أن يسرد علينا قصة ما. فالناس الدين عاشوا في عزلة لديهم دائما رغبة كامنة في قلوبهم في التحدث عنها. في البلدة يؤم الشبان العزاب الحمامات والمطاعم عن قصد ليتحدثوا ويبوحوا بأشياء مهمة إلى رواد الحمام وإلى الخدم.، أما في الريف فإنهم بشكل عام يفضون بأسرارهم إلى الضيوف. الآن نستطيع من خلال النافدة أن نرى بأن السماء رمادية وبأن الأشجار مبللة بالمطر، وفي مثل هدا الجو لا يمكننا أن ندهب إلى أي مكان ، وليس لنا إلا أن نسرد القصص ونصغي إليها.
" كنت قد عشت في سوفينو واشتغلت بالزراعة أمدا طويلا من الزمن" هكدا بدأ آلهين " مند أن غادرت الجامعة . إنني جنتلمان بحكم تربيتي وثقافتي لكنني شخص كادح بتكويني الفطري. كان على الأرض التي نمتلكها دين كبير عندما قدمت إلى هنا، ولما كان أبي قد وقع في الدين إلى حد ما بسبب ما أنفقه علي تعليمي
فقد قررت أن أرحل ولكن كي أشتغل كي أتمكن من تسديد الدين. قررت دلك وابتدأت العمل ، ويجب أن أعترف بهدا دون خجل. الأرض هنا كانت لا تدر كثيرا وإدا لم يكن المرء مزارعا فإنه يحتار: هل يستخدم العبيد أم يستأجر العمال والحق أن الأمرين سواء أم يسلم ألأرض لمتعهد مع أسرته. ليس هنالك حل آخر ،ولكن في تلك الأيام لم أعمد إلى تلك الأساليب، بل قررت إلى الاعتماد على نفسي فلم أترك حبة تراب إلا قلبتها
وقمت بجمع الفلاحين رجالا ونساء من القرى المجاورة، وسار العمل بسرعة فائقة. أنا بنفسي قمت بحرث الأرض وب>رها وحصادها، وقد مللت من القيام به>ه الأمور حتى شعرت بالقرف كقطة ساقها الجوع إلى أكل الخيار في مطبخ الحديقة. كان جسدي يتوجع وكنت أنام واقفا، تخيلت ــ في بداية الأمر ــ انه من السهل الجمع بين حياة الكدح وبين حياة العلم والثقافة، وبغية تحقيق دلك رأيت أن أبقي على شيء من الأمور كي أحافظ على نوع من النظام الخارجي فسكنت في الطابق العلوي هنا في أحسن الغرف وكلفتهم بإحضار قهوتي ومشروبي عقب الغداء والعشاء، وعندما كنت آوي إلى الفراش كنت أطالع في كل ليلة Yyesnik Evropi
ولكن حضر في أحد الأيام القس إيفان فجرع كل ما لدي من الشراب بجلسة واحدة كما أخد الـ Yyesnik Evropi وأعطاها لبناته. في الصيف وخصوصا عند موسم التبن لم أكن قادرا على النوم في سريري على الإطلاق، لدلك كنت أنام في الحظيرة على المحفة أو في ركن من أركان غرفة مراقب الحراج، لدلك فأين هي
الفرصة للقراءة؟ وشيئا فشيئا انتقلت إلى الطابق السفلي وبدأت آكل في مطبخ الخدم ولم يبق من مظاهر ترفي السابقة سوى الخدم الدين كان من الصعب علي أن أصرفهم .
" انتخبت في السنوات الأولى قاضيا فخريا للصلح وتعودت على الدهاب إلى البلدة للمشاركة في الجلسات
التي تعقدها المحكمة الجوالة، وكان دلك تغيرا سارا في نمط حياتي. عندما تعيش هنا لمدة شهرين أو ثلاثة تبدأ بالتطلع إلى الحصول على معطف أسود، خصوصا في الشتاء لأن جميع المحامين في المحكمة الجوالة لديهم معاطف رسمية ، كانوا قد حصلوا على التعليم العام، وصار لدي أصدقاء اتكلم معهم، كما تمكنت ــ بعد اعتيادي النوم في المحفة أو في مطبخ الطعام ــ من الجلوس على كرسي بدراعين نظيف الكتان مرتديا البوط النحيل، مع سلسلة على الخصر، أليس هدا ترفا؟؟
" بدأت أتلقى دعوات في البلدة، ونسجت بشوق صداقات متعددة، ولكن وبصراحة كان من أشد الدين عرفتهم قربا مني ومن أحبهم إلي لوغانوفيتش مساعد رئيس المحكمة الجوالة ، أنتما كلاكما تعرفانه، شخصية رائعة ، حصل دلك مباشرة بعد حادثة إضرام النار المتعمد مباشرة، فالتحقيقات الأولية استغرقت يومين، وكنا قد تعبنا كثيرا. نظر إلي لوغانوفيتش وقال: " تفضل عندنا لنتناول العشاء"
" كانت تلك الدعوة أمرا غير متوقع، فمعرفتي بـ لوغانوفيتش كانت لا تزال بسيطة، كانت معرفة رسمية، ولم يسبق لي أن ذهبت إلى بيته. ذهبت مباشرة إلى غرفتي في الفندق لأغير ملابسي، ثم انطلقت إلى العشاء، وكانت تلك فرصتي للالتقاء بـ آنا ألكسييفا: زوجة لوغانوفيتش. كانت في ذلك الوقت ما تزال في ميعة الصبا وعنفوان الشباب، لم تتجاوز الثانية والعشرين، ووكان قد مضى على ولادتها ستة أشهر فقط، هذه أشياء قد مضت، ولم أعد قادرا بسهولة على تذكر ما هوالشيء الاستثنائي فيها الآن، ما الشيء الذي اجتذبني إليها كثيرا. في ذلك الوقت ، وعلى العشاء، اتضح لي تماما كل شيء، رأيت امرأة ساحرة جميلة طيبة وذكية من
النوع الذي لم يسبق لي قط أن رأيت مثله من قبل، وشعرت فورا بالألفة والحميمية، شعرت كأن ذلك الوجه وتلك العينان الودودتان الذكيتان أشياء رأيتها في طفولتي ، في الألبوم الموضوع على كومودينة أمي.
"أربعة من اليهود متهمون بارتكاب الحرق المتعمد اعتبروا عصابة من اللصوص، ولكن حسب تفكيري الأمر لا أساس له من الصحة. عند العشاء كنت متأثرا جدا، وكنت غير مرتاح، وما كنت أدري ما أقول، ولكن آنا ألكيسيفينا ظلت تهز رأسها وتقول لزوجها: " ديمتري.. كيف حصل ذلك؟ "
" لوغانوفيتش رجل سليم الطوية، واحد من بسطاء الناس الطيبين الذين يعتقدون جازمين أنه بمجرد أن توجه التهمة إلى إنسان أمام المحكمة فهي دليل على أنه مجرم، وأنه للطعن في صحة الحكم لا يكفي أن تكون هنالك مناقشة خاصة على العشاء، بل لا بد من من كتابة قانونية.
" أنا وأنت لم نضرم النار في المكان؛ قال ذلك بصوت ناعم " وها نحن أولاء لم يتهمنا أحدا ولم ندخل إلى السجن"
" الزوج والزوجة كلاهما جهدا في جعلي أتناول الطعام وأشرب بقدر ما أستطيع. من التفصيلات البسيطة ، من الطريقة التي حضرا فيها القهوة معا، على سبيل المثال، ومن الطريقة التي كانا بها يتفاهمان أي من الكلمة قبل أن يكتمل بها النطق، استطعت أن أستنبط بأنهما كانا يعيشان في وفاق و وئام، وأنهما كانا يسعدان بالضيف الزائر. بعد تناول العشاء قاما بعزف مقطوعة ثنائية على البيانو، ثم إن الليل هبط ، ومضيت على المنزل، كانت تلك الزيارة في مطلع الربيع.
بعد ذلك قضيت الصيف كله في سوفينو بلا إجازة، ولم يكن لدي وقت للتفكير في البلدة أيضا، على أن ذكرى تلك المرأة ذات الشعر المصفف بطريقة بديعة ظلت جاثمة في عقلي طوال تلك الأيام ، لم أفكر فيها، ولكن
تأثيرها كان يخيم على قلبي.
" في نهاية الخريف كان هنالك عرض مسرحي مخصص ريعه لغرض خيري في البلدة. ذهبت إلى مقصورة الحاكم( كنت قد دعيت للذهاب إليها خلال الاستراحة) ، نظرت فإذا آنا ألكسيفنا جالسة بجوار زوجة الحاكم، وإذا
بذلك الانطباع اللذيذ الجميل الحلو الذي لا يقاوم ينتابني ثانية. العينان المعبرتان، والشعور بالقرب والحميمية.
جلسنا جنبا إلى جنب، ثم مضينا إلى الردهة.
" قالت لي : " أنت تنحف" " هل كنت مريضا ؟"
" نعم أصابني الروماتيزم في كتفي، وفي الطقس الماطر لا أقوى على النوم "
" تبدو مكتئبا! عندما زرتنا في الربيع على العشاء كنت تبدو أكثر شبابا وأكثر ثقة ، كنت مفعما بالشوق، وكنت
تتكلم كثيرا، وكنت أكثر إمتاعا، حتى إنني أعترف بأنني انجذبت إليك. لسبب ما تذكرتك خلال الصيف، وعندما كنت أستعد للمسرح اليوم خطر لي أن أراك"
ثم ضحكت. وأعادت :" ولكنك تبدو اليوم حزينا" " هذا يجعلك تبدو أكبر سنا"
" في اليوم التالي تناولت الغداء مع عائلة لوغانوفيتش. وبعد الغداء ذهبوا بالسيارة إلى فيلتهم الصيفية، ليقوموا بإجراء الترتيبات اللازمة للشتاء، وذهبت أنا معهم، ثم رجعت معهم أيضا إلى البلدة،وعند منتصف الليل شربت الشاي معهم في جو عائلي حميم، وبينما كانت النار تتوهج ظلت الأم الشابة تتردد على طفلتها
لتتأكد من أنها نائمة. بعد ذلك كنت كلما ذهبت إلى البلدة أقوم بزيارة عائلة لوغانوفيتش، حتى إنهم تعلقوا بي
وتعلقت بهم. وبشكل عام كنت أذهب إليهم دون إعلام مسبق وكأنني واحد من أفراد العائلة.
" من هناك ؟" كنت أسمع هذه العبارة من الغرفة الداخلية البعيدة. بصوت ناعم ممدود بدا لي في غاية الحلاوة
كانت الخادم أو المربية تجيب " إنه باول كونساتينوفيتش"
" وكانت آنا ألكسيفينا تظهر لي بوجه معبر عن الشوق وتسألني: " لماذا لم نرك منذ مدة طويلة ؟ هل حصل لك شيء؟"
كانت عيناها، ويدها الرقيقة التي تمدها إلي، وملابسها البيتية والطريقة التي تصفف بها شعرها كانت تشعرني
دائما بأنني أمام شيء جديد وغير مألوف في حياتي، شيء في غاية الأهمية. كنا نتكلم مع بعض ساعات طويلة وربم كنا نلوذ بالصمت للتأمل وفحص أفكارنا الخاصة، وربما عزفت لمدة ساعات لي على البيانو، وإذا لم يكن هنالك أحد في البيت كنت أبقى وأنتظر وأتكلم مع المربية، أو ألعب مع الطفلة، أو أضطجع على الديوانة في المكتب للمطالعة، وعندما ترجع آنا ألكسيفنا أقابلها في الصالة، وآخذ منها الرزم التي جاءت بها. ولسبب ما كنت كل مرة أحمل عنها الرزم بكثير من الحب والوقار كم لو كنت طفلا.
" هنالك مثل يقول " إذا لم يكن لدى زوجة الفلاح مشكلات فإنها تشتري خنزيرا" لم يكن لدى عائلة لوغانوفيتش مشاكل ، لذلك أقاموا بإنشاء صداقة معي، وإذا لم آت إلى البلدة فلا بد أنني كنت مريضا أو حدث
لي شيء شبيه بذلك " وكان كلاهما يقلق إلى أقصى حد. كانا يستغربان من أنه كيف لي ــ وأنا الرجل المثقف العليم باللغات كيف أعيش في الريف بدلا من أن أنصرف للعلوم أو للنشاط الأدبي وكيف أدور كالسنجاب في
مهب الريح وأعمل بكدح دون أن أحصل قرشا من وراء ذلك. كانا يتصوران أنني غير سعيد وأنني كنت أتكلم وأضحك وآكل لكي أواري آلامي ومعاناتي . كنت ألاحظ ذلك ، حتى في أسعد اللحظات عندما كنت أشعر بالسعادة، كنت مدركا من خلال عيونهما المثبتة علي. كانا يبدوان مؤثرين ولا سيما عندما أكتئبأو عندما يعتريني القلق بسبب قدوم دائن وليس معي مال كاف لأسدد الدين في الموعد المناسب. كلاهما الزوج والزوجة كانا يتهامسان عند النافذة ، ثم إن الزوج كان يأتي ليقول بوجه عابس: " إذا كنت محتاجا حقا إلى المال في الوقت الحالي يا باول كونستانتينوفيتش فإن زوجتي وأنا لا نتردد في إقراضك المال".
" وكان هو يخجل من الحرج، وربما كان يطل علي بعد الهمس بنفس الطريقة، من النافذة بأذنين حمراوين قائلا:
" زوجتي وأنا نرجو منك أن تقبل هذه الهدية"
ثم إنه يقدم لي علبة أو صندوق سجائر أو مصباحا، وكنت أنا أرسل إليهم حيوانا أو زبدة أو أزهارا من القرية
كان لديهم ــ بالمناسبة ــ طرائق خاصة . في الأيام الأولى كنت غالبا ما أقترض المال ولم أكن أخصص ذلك
بشخص معين لأنني كنت أقترض من أي إنسان دون أن ألجأ إلى عائلة لوغانوفيتش وما كان هنالك شيء في الدنيا يدفعني إلى الاقتراض من عائلة لوغانوفيتش. ولكن لماذا الحديث عنه ؟
كنت تاعسا. في البيت ، في الحقول، في الحظيرة، كنت أفكر فيها، حاولت أن أكتشف سر امرأة شابة جميلة ذكية تزوجت من شخص غير ممتع وهو تقريبا عجوز ( كان زوجها قد تجاوز الأربعين )وعندها أولاد منه
كنت أرغب في معرفة سر رجل ممل فارغ القلب يتحدث بطريقة لا بأس بها ولكن مملة في الحفلات وفي الأمسيات جالسا بجوار قوم أقوياء، باديا بينهم وكأنه تكملة عدد أو شيء زائد على اللزوم. مستخدما تعبيرات تدل على الخضوع والتبعية كمن أحضر إلى هناك كي يعرض للبيع، وبالرغم من ذلك فهو يعتقد أن من حقه أن يكون سعيدا وأن يكون له أولاد منها، ظللت أفكر لماذا كان عليها أن تلتقيه هو أولا وليس أنا و لماذا كان لمثل
هذا الخطأ أن يقع.
وعندما كنت أذهب إلى البلدة كنت في كل مرة من عينيها أنها تنتظلرني وأنها ترغب في الاعتراف لي بأنها
تحمل لي في نفسها شعورا خاصا طوال ذلك اليوم وأنها كانت تحدس بأنني سوف آتي. كنا نسير طويلا صامتين، ومع ذلك لم نعترف لبعضنا بحبنا كلا من الآخر، ولكن أخفيناه بجبن وبغيرة. كنا نخاف كل شي ء يمكن أن يكشف أسرارنا لبعضنا. أنا أحببتها بلطف، بعمق، ولكنني كنت أفكر وأظل أسأل نفسي عما يمكن لحبنا أن ينتهي إليه إذا لم نستطع أن نقاومه. كان من غير المعقول أن حبي المهذب الحزين أن ينفجر يوما بكل عنف ويفسد الحياة المستقرة لزوجها وأطفالها وكل أفراد الأسرة الذين ؟ لقد كان الأمر سيختلف لو كانت حياتي جميلة ممتعة وعلى سبيل المثال لو كنت قد تحررت من ارتباطي ببلدي، أو لو كنت رجل مشهورا في مجال العلوم أو رساما، ولكن الأمر كان كما تعلمون وكان سينقلها من حياة مملة إلى حياة مملة آخرى وربما
أكثر من ذي قبل. وبعد ذلك كم ستدوم سعادتنا؟ وكيف ستتصرف إذا ألم بي المرض، أو إذا حانت منيتي أو إذا
بكل بساطة فتر حبنا للآخر.
والظاهر أنها بررت لنفسها الأمور بالطريقة نفسها. لا بد أنها فكرت بزوجها وأولادها وبأمها التي احبت زوجها كما كانت تحب واحدا من أولادها، ولو أنها أطلقت العنان لمشاعرها لوقعت في الكذب أو بالأحرى لقالت الحقيقة ، وفي مثل تلك الحالة ستكون إما مزعجة أو غير مناسبة . كانت أيضا تتعذب من مسألة هل سيجلب حبها لي السعادة أم أنه سوف يزيد حياتي تعقيدا وهي حياة بائسة وشقية ومملوءة بالمتاعب؟ لقد تخيلت
أنها ليست شابة بالنسبة إلي وأنها ليست قوية ومكافحة لتبدأ حياة جديدة، وربما حاورت زوجها في أهمية مسألة البحث من فتاة ذكية وصالحة وقادرة على فتح بيت لتزويجي منها كي تساعدني ولعلها زادت الطين بلة فذهبت إلى أن إيجاد فتاة بهذه المواصفات أمر صعب في البلدة كلها.
بينما كانت السنوات تمر أنجبت أنا الكسيفنا ولدين، وعندما كنت أصل إلى منزل لوغانوفيتش كان الخدم يفرحون من قلوبهم، و الأولاد يصرخون قائلين : إن باول كوستانتينوفيتش قد وصل ، ثم يتعلقون بي من رقبتي، وكل واحد منهم يشعر بسعادة غامرة، لم يفهموا ماذا كان يعتمل في نفسي، كانوا يظنون أنني سعيد
أيضا كان كل واحد منهم ينظر إلي على أنني سيد نبيل، كما كان الكبار والصغار على حد سواء يشعرون بأن رجلا نبيلا يتجول بين غرفهم، وهذا ما أضفى سحرا على طريقتهم في التعامل معي، وكأن في وجودي معهم
حياة لهم بحيث تصبح أصفى وأحلى. آنا ألكسيفينا وأنا تعودنا أن نذهب معا إلى المسرح، كنا دائما نتمسى، كنا دائما نجلس بجوار بعضنا في المقاصير، كتفانا متلامسان. كنت آخذ المنظار من بين يديها بدون أن أتفوه بكلمة
وكنت أشعر أنها ــ في تلك اللحظة ــ قريبة مني، أو بالأحرى أنها لي بحيث لا يمكن أن نعيش منفصلين عن بعضنا، ولكن بنوع من عدم التفاهم الغريب كنا نخرج من المسرح ونقول دائما: وداعان ثم نفترق وكأننا غرباء. الله وحده يعلم ماذا كان الناس يقولون عنا في البلدة، ولكن لم تكن هنالك كلمة فيها حقيقة على الإطلاق.
في السنوات التالية اعتادت أنا ألكسيفنا على الذهاب بعيدا في زيارات إلى أمها أو إلى أختها، وبدأت تشعر بانحطاط في قواها النفسية، أخذت تنتبه إلى أن حياتها قد فسدت ولم تصلح، وفي بعض الأوقات لم تكن تكترث
بزوجها ولا بأولادها كما تمت معالجتها من الوهن العصبي.
كنا نلتزم الصمت والسكون، وفي حضرة الغرباء كانت تتصرف بانفعالية غريبة معي: كانت تختلف معي في كل ما أقوله ، وإذا تقدمت بحجة كانت تقف مع خصمي، وإذا عبرت عن فكرة كانت تقول بكل برودة: " أهنئك "
وإذا صادف أن نسيت أخذ المنظار عند ذهابنا إلى المسرح كانت تقول لي بعدئذ: كنت أعرف أنك سوف تنساه
لحسن الحظ أو لسوئه لم يكن هنالك ما ليس قابلا للانتهاء عاجلا أم آجلا، لقد حان موعد الفراق ذلك بأن لوغانوفيتش قد عين رئيسا لإحدى المحافظات الغربية . كان عليهم أن يبيعوا أثاثهم وخيولهم وفيلتهم الصيفية ، وعندما مضوا إلى الفيلا نظروا إليها على أنهم سيرحلون دون رجعة أو عودة كما ألقوا نظرة وداع على الحديقة وعلى السقف الأخضر وكان كل واحد منهم حزينا ، وانتبهت إلى أنه يتوجب علي أن أودعهم ولا
أودع الفيلا فقط كان قد تم الاتفاق على أن أرى أنا الكسيفنا وهي مسافرة إلى كريميا حيث كان الأطباء يرسلونها، وأنه بعد مدة قصيرة سيسافر لوغانوفيتش والأولاد إلى المحافظة الغربية.
كنا جمعا غفيرا من الذين سيودعون أنا ألكسيفنا، وعندما قالت وداعا لزوجها وأولادها ولم يعد لقرع الجرس مرة ثالثة سوى دقيقة واحدة هرعت إلى مقصورتها في القطار لأضع السلة التي كانت قد نسيتها على الرفوكان علي أن أقول وداعا، وعندما تقابلت عيوننا في المقصورة زايلنا التجلد الروحي معا، أخذتها بين ذراعي وألقت بوجهها على صدري، وانحدرت الدموع من عينيها. واعترفت لها وأنا أقبل وجهها وكتفيها ويديها المبللتين بالدموع : آه كم كنا أشقياء ! اعترفت لها بحبي إياها. كم هو مؤسف وخادع ذلك الظرف الذي حال بيننا وبين
الحب، لقد فهمت أنه عليك إذا كنت تحب إما أن تبدأ من أعلى مقام :مما هو أعظم من مسألة السعادة أو التعاسة ، الخطيئة أو الفضيلة في معانيها المقبولة أو أنه عليك ألا تفكر في الحب إطلاقا.
قبلتها للمرة الأخيرة وضغطت على يدها وتركتها مودعا للأبد. كان القطار قد بدأ بالتحرك فانتقلت إلى المقصورة التالية ــ كانت مملوءة ــ ولما بلغت المحطة الثانية جلست هناك أبكي، ثم مشيت غلأى البيت في سوفينو"
بينما كان ألهين بسرد قصته كان المطر قد توقف والشمس قد بزغت، وخرج كل من بوركين وإيفان إيفانوفيتش إلى الشرفة حيث كان منظر الحديقة يبدو جميلا والطاحونة تتلألأ تحت ضوء الشمس كالمرآة لقد أعجبا بها وفي نفس الوقت كانا حزينين لأنه كان على ذلك الرجل ذا العينين الذكيتين الحلوتين الذي سرد عليهما تلك القصة بمثل تلك العاطفة الصادقة ، أن يظل يكدح في تلك ألرض الضخمة مثل السنجاب الجالس على ناعورة عوضا من أن يكرس نفسه للعلوم أو لشيء آخر كان يمك أن يضفي على حياته سعادة كبيرة، وتخيلا وجه أن الكسيفنا الحزين كيف بدا عندما قال لها وداعل في القطار وقبل وجهها وكتفيها. كلاهم كان قد رآها من قبل في البلدة، كم أن بوركين قد عرفها ووتفكر في حسن وجهها.
عن الحب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكاتب: تشيكوف ترجمة: د. عبد الرحمن دركزللي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في اليوم التالي كان هنالك على الغداء فطائر لديدة وجراد البحر وضلع مشوي، وبينما كنا نأكل حضر الطباخ
نيكانور وسألنا: مادا يريد الزوار على العشاء. كان رجلا متوسط الطول بوجه منتفخ وعينين صغيرتين، كان حليق الوجه حتى إن شاربيه ــ وإن بدوا غير محلوقين ــ كانا منتوفين نتفا. أخبرنا آلهين بأن الحسناء بيلاجيا
كانت واقعة ي غرام الطباخ. وبما أنه كان إدا شرب يعربد ويصبح عنيفا فإنها لم تتزوجه ورغبت في العيش معه دون زواج رسمي. كان ورعا جدا تمنعه قناعاته الدينية من العيش " في الحرام" لدلك أصر على ان تتزوجه ولم يقبل بشيء آخر. كان إدا شرب يضطهدها وربما عمد إلى ضربها، وكانت إدا شرب تهرب منه وتختبىء في الطابق العلوي وتبكي، وفي بعض المناسبات كان آلهين والخدم يبقون في البيت استعدادا للدفاع عنها وقت الضرورة.
بدأنا بالحديث عن الحب.
" كيف ينشأ الحب" قال آلهين. " " لمادا وقعت بيلاجيا ــ وهي التي لم تحب أكثر من صفاتها النفسية والجسديةــ في حب نيكانور دلك الأفطس القبيح ــ كنا نسميه الأفطس ــ إلى أي مدى تؤثر مسألة السعادة الشخصية في الحب. كان دلك كله معروفا؛ فالمرء يستطيع أن يختار ما يشاء من الآراء. حتى تلك اللحظة كانت هنالك حقيقة وحيدة مؤكدة عن الحب " وهي الغموض الكبير " كل ما كتب أو قيل عن الحب لم يكن
مؤكدا بشكل مطلق وإنما مجرد أقوال وموضوعات لا أجوبة عنها. التفسير الدي ينطبق في الظاهر على
حالة قد لا ينطبق على عشرات الحالات الأخرى. والأفضل في رأيي أن تعالج كل حالة على حدة بدون تعميم . يجب ــ كما يقول الأطباء ــ أن تعالج كل حالة على أنها شيء فريد من نوعه.
وافق بوركين قائلا: " صحيح تماما"
نحن معشر الروس من أبناء الطبقة المثقفة لدينا ولوع كبير بهده المسائل التي لا أجوبة عنها. والحب عندنا يصور عادة بطريقة شاعرية ويزين بالزهور والعنادل، نحن نزين الحب بتلك المسائل الخطيرة ثم نختار أكثرها تفاهة أيضا. عندما كنت طالبا في موسكو كانت لدي صديقة تشاركني حياتي ، سيدة فاتنة ، وكانت كلما أخدتها بين >راعي تفكر بما سأسمح به لها أن تفعله خلال الشهر عندما تتولى إدارة المنزل وكم كان سعر رطل لحم البقر. نحن عندما نقع في الحب نقوم وبنفس الطريقة بسؤال أنفسنا أسئلة مثل : هل الحب شيء شريف أم خسيس وهل هو نوع من العقلانية أم ضرب من الجنون وما النهاية التي يؤدي إليها وهلم جرا. أما إدا كان الحب شيئا جيدا أم لا فأمر لا أعرف له جوابا ولكن من المؤكد كما يلوح لي أنه غير سار بل مزعج.
كان ــ على ما يبدو ــ يريد أن يسرد علينا قصة ما. فالناس الدين عاشوا في عزلة لديهم دائما رغبة كامنة في قلوبهم في التحدث عنها. في البلدة يؤم الشبان العزاب الحمامات والمطاعم عن قصد ليتحدثوا ويبوحوا بأشياء مهمة إلى رواد الحمام وإلى الخدم.، أما في الريف فإنهم بشكل عام يفضون بأسرارهم إلى الضيوف. الآن نستطيع من خلال النافدة أن نرى بأن السماء رمادية وبأن الأشجار مبللة بالمطر، وفي مثل هدا الجو لا يمكننا أن ندهب إلى أي مكان ، وليس لنا إلا أن نسرد القصص ونصغي إليها.
" كنت قد عشت في سوفينو واشتغلت بالزراعة أمدا طويلا من الزمن" هكدا بدأ آلهين " مند أن غادرت الجامعة . إنني جنتلمان بحكم تربيتي وثقافتي لكنني شخص كادح بتكويني الفطري. كان على الأرض التي نمتلكها دين كبير عندما قدمت إلى هنا، ولما كان أبي قد وقع في الدين إلى حد ما بسبب ما أنفقه علي تعليمي
فقد قررت أن أرحل ولكن كي أشتغل كي أتمكن من تسديد الدين. قررت دلك وابتدأت العمل ، ويجب أن أعترف بهدا دون خجل. الأرض هنا كانت لا تدر كثيرا وإدا لم يكن المرء مزارعا فإنه يحتار: هل يستخدم العبيد أم يستأجر العمال والحق أن الأمرين سواء أم يسلم ألأرض لمتعهد مع أسرته. ليس هنالك حل آخر ،ولكن في تلك الأيام لم أعمد إلى تلك الأساليب، بل قررت إلى الاعتماد على نفسي فلم أترك حبة تراب إلا قلبتها
وقمت بجمع الفلاحين رجالا ونساء من القرى المجاورة، وسار العمل بسرعة فائقة. أنا بنفسي قمت بحرث الأرض وب>رها وحصادها، وقد مللت من القيام به>ه الأمور حتى شعرت بالقرف كقطة ساقها الجوع إلى أكل الخيار في مطبخ الحديقة. كان جسدي يتوجع وكنت أنام واقفا، تخيلت ــ في بداية الأمر ــ انه من السهل الجمع بين حياة الكدح وبين حياة العلم والثقافة، وبغية تحقيق دلك رأيت أن أبقي على شيء من الأمور كي أحافظ على نوع من النظام الخارجي فسكنت في الطابق العلوي هنا في أحسن الغرف وكلفتهم بإحضار قهوتي ومشروبي عقب الغداء والعشاء، وعندما كنت آوي إلى الفراش كنت أطالع في كل ليلة Yyesnik Evropi
ولكن حضر في أحد الأيام القس إيفان فجرع كل ما لدي من الشراب بجلسة واحدة كما أخد الـ Yyesnik Evropi وأعطاها لبناته. في الصيف وخصوصا عند موسم التبن لم أكن قادرا على النوم في سريري على الإطلاق، لدلك كنت أنام في الحظيرة على المحفة أو في ركن من أركان غرفة مراقب الحراج، لدلك فأين هي
الفرصة للقراءة؟ وشيئا فشيئا انتقلت إلى الطابق السفلي وبدأت آكل في مطبخ الخدم ولم يبق من مظاهر ترفي السابقة سوى الخدم الدين كان من الصعب علي أن أصرفهم .
" انتخبت في السنوات الأولى قاضيا فخريا للصلح وتعودت على الدهاب إلى البلدة للمشاركة في الجلسات
التي تعقدها المحكمة الجوالة، وكان دلك تغيرا سارا في نمط حياتي. عندما تعيش هنا لمدة شهرين أو ثلاثة تبدأ بالتطلع إلى الحصول على معطف أسود، خصوصا في الشتاء لأن جميع المحامين في المحكمة الجوالة لديهم معاطف رسمية ، كانوا قد حصلوا على التعليم العام، وصار لدي أصدقاء اتكلم معهم، كما تمكنت ــ بعد اعتيادي النوم في المحفة أو في مطبخ الطعام ــ من الجلوس على كرسي بدراعين نظيف الكتان مرتديا البوط النحيل، مع سلسلة على الخصر، أليس هدا ترفا؟؟
" بدأت أتلقى دعوات في البلدة، ونسجت بشوق صداقات متعددة، ولكن وبصراحة كان من أشد الدين عرفتهم قربا مني ومن أحبهم إلي لوغانوفيتش مساعد رئيس المحكمة الجوالة ، أنتما كلاكما تعرفانه، شخصية رائعة ، حصل دلك مباشرة بعد حادثة إضرام النار المتعمد مباشرة، فالتحقيقات الأولية استغرقت يومين، وكنا قد تعبنا كثيرا. نظر إلي لوغانوفيتش وقال: " تفضل عندنا لنتناول العشاء"
" كانت تلك الدعوة أمرا غير متوقع، فمعرفتي بـ لوغانوفيتش كانت لا تزال بسيطة، كانت معرفة رسمية، ولم يسبق لي أن ذهبت إلى بيته. ذهبت مباشرة إلى غرفتي في الفندق لأغير ملابسي، ثم انطلقت إلى العشاء، وكانت تلك فرصتي للالتقاء بـ آنا ألكسييفا: زوجة لوغانوفيتش. كانت في ذلك الوقت ما تزال في ميعة الصبا وعنفوان الشباب، لم تتجاوز الثانية والعشرين، ووكان قد مضى على ولادتها ستة أشهر فقط، هذه أشياء قد مضت، ولم أعد قادرا بسهولة على تذكر ما هوالشيء الاستثنائي فيها الآن، ما الشيء الذي اجتذبني إليها كثيرا. في ذلك الوقت ، وعلى العشاء، اتضح لي تماما كل شيء، رأيت امرأة ساحرة جميلة طيبة وذكية من
النوع الذي لم يسبق لي قط أن رأيت مثله من قبل، وشعرت فورا بالألفة والحميمية، شعرت كأن ذلك الوجه وتلك العينان الودودتان الذكيتان أشياء رأيتها في طفولتي ، في الألبوم الموضوع على كومودينة أمي.
"أربعة من اليهود متهمون بارتكاب الحرق المتعمد اعتبروا عصابة من اللصوص، ولكن حسب تفكيري الأمر لا أساس له من الصحة. عند العشاء كنت متأثرا جدا، وكنت غير مرتاح، وما كنت أدري ما أقول، ولكن آنا ألكيسيفينا ظلت تهز رأسها وتقول لزوجها: " ديمتري.. كيف حصل ذلك؟ "
" لوغانوفيتش رجل سليم الطوية، واحد من بسطاء الناس الطيبين الذين يعتقدون جازمين أنه بمجرد أن توجه التهمة إلى إنسان أمام المحكمة فهي دليل على أنه مجرم، وأنه للطعن في صحة الحكم لا يكفي أن تكون هنالك مناقشة خاصة على العشاء، بل لا بد من من كتابة قانونية.
" أنا وأنت لم نضرم النار في المكان؛ قال ذلك بصوت ناعم " وها نحن أولاء لم يتهمنا أحدا ولم ندخل إلى السجن"
" الزوج والزوجة كلاهما جهدا في جعلي أتناول الطعام وأشرب بقدر ما أستطيع. من التفصيلات البسيطة ، من الطريقة التي حضرا فيها القهوة معا، على سبيل المثال، ومن الطريقة التي كانا بها يتفاهمان أي من الكلمة قبل أن يكتمل بها النطق، استطعت أن أستنبط بأنهما كانا يعيشان في وفاق و وئام، وأنهما كانا يسعدان بالضيف الزائر. بعد تناول العشاء قاما بعزف مقطوعة ثنائية على البيانو، ثم إن الليل هبط ، ومضيت على المنزل، كانت تلك الزيارة في مطلع الربيع.
بعد ذلك قضيت الصيف كله في سوفينو بلا إجازة، ولم يكن لدي وقت للتفكير في البلدة أيضا، على أن ذكرى تلك المرأة ذات الشعر المصفف بطريقة بديعة ظلت جاثمة في عقلي طوال تلك الأيام ، لم أفكر فيها، ولكن
تأثيرها كان يخيم على قلبي.
" في نهاية الخريف كان هنالك عرض مسرحي مخصص ريعه لغرض خيري في البلدة. ذهبت إلى مقصورة الحاكم( كنت قد دعيت للذهاب إليها خلال الاستراحة) ، نظرت فإذا آنا ألكسيفنا جالسة بجوار زوجة الحاكم، وإذا
بذلك الانطباع اللذيذ الجميل الحلو الذي لا يقاوم ينتابني ثانية. العينان المعبرتان، والشعور بالقرب والحميمية.
جلسنا جنبا إلى جنب، ثم مضينا إلى الردهة.
" قالت لي : " أنت تنحف" " هل كنت مريضا ؟"
" نعم أصابني الروماتيزم في كتفي، وفي الطقس الماطر لا أقوى على النوم "
" تبدو مكتئبا! عندما زرتنا في الربيع على العشاء كنت تبدو أكثر شبابا وأكثر ثقة ، كنت مفعما بالشوق، وكنت
تتكلم كثيرا، وكنت أكثر إمتاعا، حتى إنني أعترف بأنني انجذبت إليك. لسبب ما تذكرتك خلال الصيف، وعندما كنت أستعد للمسرح اليوم خطر لي أن أراك"
ثم ضحكت. وأعادت :" ولكنك تبدو اليوم حزينا" " هذا يجعلك تبدو أكبر سنا"
" في اليوم التالي تناولت الغداء مع عائلة لوغانوفيتش. وبعد الغداء ذهبوا بالسيارة إلى فيلتهم الصيفية، ليقوموا بإجراء الترتيبات اللازمة للشتاء، وذهبت أنا معهم، ثم رجعت معهم أيضا إلى البلدة،وعند منتصف الليل شربت الشاي معهم في جو عائلي حميم، وبينما كانت النار تتوهج ظلت الأم الشابة تتردد على طفلتها
لتتأكد من أنها نائمة. بعد ذلك كنت كلما ذهبت إلى البلدة أقوم بزيارة عائلة لوغانوفيتش، حتى إنهم تعلقوا بي
وتعلقت بهم. وبشكل عام كنت أذهب إليهم دون إعلام مسبق وكأنني واحد من أفراد العائلة.
" من هناك ؟" كنت أسمع هذه العبارة من الغرفة الداخلية البعيدة. بصوت ناعم ممدود بدا لي في غاية الحلاوة
كانت الخادم أو المربية تجيب " إنه باول كونساتينوفيتش"
" وكانت آنا ألكسيفينا تظهر لي بوجه معبر عن الشوق وتسألني: " لماذا لم نرك منذ مدة طويلة ؟ هل حصل لك شيء؟"
كانت عيناها، ويدها الرقيقة التي تمدها إلي، وملابسها البيتية والطريقة التي تصفف بها شعرها كانت تشعرني
دائما بأنني أمام شيء جديد وغير مألوف في حياتي، شيء في غاية الأهمية. كنا نتكلم مع بعض ساعات طويلة وربم كنا نلوذ بالصمت للتأمل وفحص أفكارنا الخاصة، وربما عزفت لمدة ساعات لي على البيانو، وإذا لم يكن هنالك أحد في البيت كنت أبقى وأنتظر وأتكلم مع المربية، أو ألعب مع الطفلة، أو أضطجع على الديوانة في المكتب للمطالعة، وعندما ترجع آنا ألكسيفنا أقابلها في الصالة، وآخذ منها الرزم التي جاءت بها. ولسبب ما كنت كل مرة أحمل عنها الرزم بكثير من الحب والوقار كم لو كنت طفلا.
" هنالك مثل يقول " إذا لم يكن لدى زوجة الفلاح مشكلات فإنها تشتري خنزيرا" لم يكن لدى عائلة لوغانوفيتش مشاكل ، لذلك أقاموا بإنشاء صداقة معي، وإذا لم آت إلى البلدة فلا بد أنني كنت مريضا أو حدث
لي شيء شبيه بذلك " وكان كلاهما يقلق إلى أقصى حد. كانا يستغربان من أنه كيف لي ــ وأنا الرجل المثقف العليم باللغات كيف أعيش في الريف بدلا من أن أنصرف للعلوم أو للنشاط الأدبي وكيف أدور كالسنجاب في
مهب الريح وأعمل بكدح دون أن أحصل قرشا من وراء ذلك. كانا يتصوران أنني غير سعيد وأنني كنت أتكلم وأضحك وآكل لكي أواري آلامي ومعاناتي . كنت ألاحظ ذلك ، حتى في أسعد اللحظات عندما كنت أشعر بالسعادة، كنت مدركا من خلال عيونهما المثبتة علي. كانا يبدوان مؤثرين ولا سيما عندما أكتئبأو عندما يعتريني القلق بسبب قدوم دائن وليس معي مال كاف لأسدد الدين في الموعد المناسب. كلاهما الزوج والزوجة كانا يتهامسان عند النافذة ، ثم إن الزوج كان يأتي ليقول بوجه عابس: " إذا كنت محتاجا حقا إلى المال في الوقت الحالي يا باول كونستانتينوفيتش فإن زوجتي وأنا لا نتردد في إقراضك المال".
" وكان هو يخجل من الحرج، وربما كان يطل علي بعد الهمس بنفس الطريقة، من النافذة بأذنين حمراوين قائلا:
" زوجتي وأنا نرجو منك أن تقبل هذه الهدية"
ثم إنه يقدم لي علبة أو صندوق سجائر أو مصباحا، وكنت أنا أرسل إليهم حيوانا أو زبدة أو أزهارا من القرية
كان لديهم ــ بالمناسبة ــ طرائق خاصة . في الأيام الأولى كنت غالبا ما أقترض المال ولم أكن أخصص ذلك
بشخص معين لأنني كنت أقترض من أي إنسان دون أن ألجأ إلى عائلة لوغانوفيتش وما كان هنالك شيء في الدنيا يدفعني إلى الاقتراض من عائلة لوغانوفيتش. ولكن لماذا الحديث عنه ؟
كنت تاعسا. في البيت ، في الحقول، في الحظيرة، كنت أفكر فيها، حاولت أن أكتشف سر امرأة شابة جميلة ذكية تزوجت من شخص غير ممتع وهو تقريبا عجوز ( كان زوجها قد تجاوز الأربعين )وعندها أولاد منه
كنت أرغب في معرفة سر رجل ممل فارغ القلب يتحدث بطريقة لا بأس بها ولكن مملة في الحفلات وفي الأمسيات جالسا بجوار قوم أقوياء، باديا بينهم وكأنه تكملة عدد أو شيء زائد على اللزوم. مستخدما تعبيرات تدل على الخضوع والتبعية كمن أحضر إلى هناك كي يعرض للبيع، وبالرغم من ذلك فهو يعتقد أن من حقه أن يكون سعيدا وأن يكون له أولاد منها، ظللت أفكر لماذا كان عليها أن تلتقيه هو أولا وليس أنا و لماذا كان لمثل
هذا الخطأ أن يقع.
وعندما كنت أذهب إلى البلدة كنت في كل مرة من عينيها أنها تنتظلرني وأنها ترغب في الاعتراف لي بأنها
تحمل لي في نفسها شعورا خاصا طوال ذلك اليوم وأنها كانت تحدس بأنني سوف آتي. كنا نسير طويلا صامتين، ومع ذلك لم نعترف لبعضنا بحبنا كلا من الآخر، ولكن أخفيناه بجبن وبغيرة. كنا نخاف كل شي ء يمكن أن يكشف أسرارنا لبعضنا. أنا أحببتها بلطف، بعمق، ولكنني كنت أفكر وأظل أسأل نفسي عما يمكن لحبنا أن ينتهي إليه إذا لم نستطع أن نقاومه. كان من غير المعقول أن حبي المهذب الحزين أن ينفجر يوما بكل عنف ويفسد الحياة المستقرة لزوجها وأطفالها وكل أفراد الأسرة الذين ؟ لقد كان الأمر سيختلف لو كانت حياتي جميلة ممتعة وعلى سبيل المثال لو كنت قد تحررت من ارتباطي ببلدي، أو لو كنت رجل مشهورا في مجال العلوم أو رساما، ولكن الأمر كان كما تعلمون وكان سينقلها من حياة مملة إلى حياة مملة آخرى وربما
أكثر من ذي قبل. وبعد ذلك كم ستدوم سعادتنا؟ وكيف ستتصرف إذا ألم بي المرض، أو إذا حانت منيتي أو إذا
بكل بساطة فتر حبنا للآخر.
والظاهر أنها بررت لنفسها الأمور بالطريقة نفسها. لا بد أنها فكرت بزوجها وأولادها وبأمها التي احبت زوجها كما كانت تحب واحدا من أولادها، ولو أنها أطلقت العنان لمشاعرها لوقعت في الكذب أو بالأحرى لقالت الحقيقة ، وفي مثل تلك الحالة ستكون إما مزعجة أو غير مناسبة . كانت أيضا تتعذب من مسألة هل سيجلب حبها لي السعادة أم أنه سوف يزيد حياتي تعقيدا وهي حياة بائسة وشقية ومملوءة بالمتاعب؟ لقد تخيلت
أنها ليست شابة بالنسبة إلي وأنها ليست قوية ومكافحة لتبدأ حياة جديدة، وربما حاورت زوجها في أهمية مسألة البحث من فتاة ذكية وصالحة وقادرة على فتح بيت لتزويجي منها كي تساعدني ولعلها زادت الطين بلة فذهبت إلى أن إيجاد فتاة بهذه المواصفات أمر صعب في البلدة كلها.
بينما كانت السنوات تمر أنجبت أنا الكسيفنا ولدين، وعندما كنت أصل إلى منزل لوغانوفيتش كان الخدم يفرحون من قلوبهم، و الأولاد يصرخون قائلين : إن باول كوستانتينوفيتش قد وصل ، ثم يتعلقون بي من رقبتي، وكل واحد منهم يشعر بسعادة غامرة، لم يفهموا ماذا كان يعتمل في نفسي، كانوا يظنون أنني سعيد
أيضا كان كل واحد منهم ينظر إلي على أنني سيد نبيل، كما كان الكبار والصغار على حد سواء يشعرون بأن رجلا نبيلا يتجول بين غرفهم، وهذا ما أضفى سحرا على طريقتهم في التعامل معي، وكأن في وجودي معهم
حياة لهم بحيث تصبح أصفى وأحلى. آنا ألكسيفينا وأنا تعودنا أن نذهب معا إلى المسرح، كنا دائما نتمسى، كنا دائما نجلس بجوار بعضنا في المقاصير، كتفانا متلامسان. كنت آخذ المنظار من بين يديها بدون أن أتفوه بكلمة
وكنت أشعر أنها ــ في تلك اللحظة ــ قريبة مني، أو بالأحرى أنها لي بحيث لا يمكن أن نعيش منفصلين عن بعضنا، ولكن بنوع من عدم التفاهم الغريب كنا نخرج من المسرح ونقول دائما: وداعان ثم نفترق وكأننا غرباء. الله وحده يعلم ماذا كان الناس يقولون عنا في البلدة، ولكن لم تكن هنالك كلمة فيها حقيقة على الإطلاق.
في السنوات التالية اعتادت أنا ألكسيفنا على الذهاب بعيدا في زيارات إلى أمها أو إلى أختها، وبدأت تشعر بانحطاط في قواها النفسية، أخذت تنتبه إلى أن حياتها قد فسدت ولم تصلح، وفي بعض الأوقات لم تكن تكترث
بزوجها ولا بأولادها كما تمت معالجتها من الوهن العصبي.
كنا نلتزم الصمت والسكون، وفي حضرة الغرباء كانت تتصرف بانفعالية غريبة معي: كانت تختلف معي في كل ما أقوله ، وإذا تقدمت بحجة كانت تقف مع خصمي، وإذا عبرت عن فكرة كانت تقول بكل برودة: " أهنئك "
وإذا صادف أن نسيت أخذ المنظار عند ذهابنا إلى المسرح كانت تقول لي بعدئذ: كنت أعرف أنك سوف تنساه
لحسن الحظ أو لسوئه لم يكن هنالك ما ليس قابلا للانتهاء عاجلا أم آجلا، لقد حان موعد الفراق ذلك بأن لوغانوفيتش قد عين رئيسا لإحدى المحافظات الغربية . كان عليهم أن يبيعوا أثاثهم وخيولهم وفيلتهم الصيفية ، وعندما مضوا إلى الفيلا نظروا إليها على أنهم سيرحلون دون رجعة أو عودة كما ألقوا نظرة وداع على الحديقة وعلى السقف الأخضر وكان كل واحد منهم حزينا ، وانتبهت إلى أنه يتوجب علي أن أودعهم ولا
أودع الفيلا فقط كان قد تم الاتفاق على أن أرى أنا الكسيفنا وهي مسافرة إلى كريميا حيث كان الأطباء يرسلونها، وأنه بعد مدة قصيرة سيسافر لوغانوفيتش والأولاد إلى المحافظة الغربية.
كنا جمعا غفيرا من الذين سيودعون أنا ألكسيفنا، وعندما قالت وداعا لزوجها وأولادها ولم يعد لقرع الجرس مرة ثالثة سوى دقيقة واحدة هرعت إلى مقصورتها في القطار لأضع السلة التي كانت قد نسيتها على الرفوكان علي أن أقول وداعا، وعندما تقابلت عيوننا في المقصورة زايلنا التجلد الروحي معا، أخذتها بين ذراعي وألقت بوجهها على صدري، وانحدرت الدموع من عينيها. واعترفت لها وأنا أقبل وجهها وكتفيها ويديها المبللتين بالدموع : آه كم كنا أشقياء ! اعترفت لها بحبي إياها. كم هو مؤسف وخادع ذلك الظرف الذي حال بيننا وبين
الحب، لقد فهمت أنه عليك إذا كنت تحب إما أن تبدأ من أعلى مقام :مما هو أعظم من مسألة السعادة أو التعاسة ، الخطيئة أو الفضيلة في معانيها المقبولة أو أنه عليك ألا تفكر في الحب إطلاقا.
قبلتها للمرة الأخيرة وضغطت على يدها وتركتها مودعا للأبد. كان القطار قد بدأ بالتحرك فانتقلت إلى المقصورة التالية ــ كانت مملوءة ــ ولما بلغت المحطة الثانية جلست هناك أبكي، ثم مشيت غلأى البيت في سوفينو"
بينما كان ألهين بسرد قصته كان المطر قد توقف والشمس قد بزغت، وخرج كل من بوركين وإيفان إيفانوفيتش إلى الشرفة حيث كان منظر الحديقة يبدو جميلا والطاحونة تتلألأ تحت ضوء الشمس كالمرآة لقد أعجبا بها وفي نفس الوقت كانا حزينين لأنه كان على ذلك الرجل ذا العينين الذكيتين الحلوتين الذي سرد عليهما تلك القصة بمثل تلك العاطفة الصادقة ، أن يظل يكدح في تلك ألرض الضخمة مثل السنجاب الجالس على ناعورة عوضا من أن يكرس نفسه للعلوم أو لشيء آخر كان يمك أن يضفي على حياته سعادة كبيرة، وتخيلا وجه أن الكسيفنا الحزين كيف بدا عندما قال لها وداعل في القطار وقبل وجهها وكتفيها. كلاهم كان قد رآها من قبل في البلدة، كم أن بوركين قد عرفها ووتفكر في حسن وجهها.


0 Comments:
Post a Comment
<< Home