ورقـــة اليانصيب
ورقـــة اليانصيب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكاتب: أنطـون تشيكوف ترجمة: د. عبد الرحمن دركزللي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان إيفان ديميتريش ابن الطبقة المتوسطة الذي يعيش مع أسرته على دخل اثنتي عشرة مئة سنويا والراضي كل الرضى عن حظه جالسا على الديوانة بعد العشاء يقرأ الجريدة.
قالت له زوجته وهي ترفع بقايا الطعام عن المنضدة: " ابحث وانظر هل قائمة السحب موجودة؟"
قال إيفان ديميتريش: " نعم إنها موجودة" ولكن" ألم تخسر بطاقتك بعد؟"
" لا فأنا سحبتها يوم الثلاثاء"
" ما الرقم ؟ "
"المسلسل 9499،والرقم 26 ".
" حسنا .. سوف نبحث عن 9499 وعن 26 "
لم يكن إيفان ديمتريتش يؤمن باليانصيب، ولم يكن ــ بشكل عام ــ يوافق على البحث في قوائم الأرقام الرابحة، ولكن الآن وبما أنه ليس لديه ما يعمله، وبما أن الصحيفة كانت أمام ناظريه ، فقد مرر إبهامه نازلا على طول عمود الأرقام. ونظرا إلى طبيعته الساخرة الناجمة عن نزعة الشك لديه، وقبل أن يتجاوز الســــــــطر الثاني من الأعلى، أرته عيناه مباشرة الرقم 9499 ! لم يصدق عينيه، لذلك ألقى بسرعة الجريدة على ركبتيه من غير أن ينظر إلى رقم البطــــاقة، وكما لو أن شخصا صب عليه ماء باردا، شعر بقشعريرة لذيذة تســـــــري في تجويف معدته، قشعريرة رنانة ورائعة وحلوة.
قال بصوت أجوف " ماشا الرقم 9499 موجود ".
نظرت زوجته إلى وجهه الدهش المذعور فأدركت أنه لم يكن يمزح.
اصفر وجهها ، فألقت بغطاء الطاولة المطوي ، وقالت : " أهو الرقم 9499 ؟ "
" أجل أجل إنه هو"
" طيب.. ورقم البطاقة؟ "
" أوه مازال علينا أن نبحث عن رقم البطاقة أيضا. ولكن اجلسي.. انتظري ! على كل حال رقم المسلسل موجود ، أنت تعلمين ..."
نظر إيفان ديمتريتش إلى زوجته وهو يبتسم ابتسامة عريضة فارغة كابتســـــــامة الرضيع إذا رأى شــــيئا يلتمع زوجته ابتسمت أيضا، كانت مسرورة كما كان هو أيضا مسرورا لأنه ذكر رقم المسلسل ولم يحاول أن يبحث عن رقم البطاقة ، شيء رائع أن يعلل المرء نفسه بالآمال ويحلم بثروة ، إنه شيء ممتع ومنعش جدا.
قال إيفان ديمتريتش بعد صمت طويل: " هوذا رقم مسلسلنا" " إذا هنالك احتمال أمامنا للربح. صحيح أنه مجرد احتمال ولكنه احتمال قائم ! "
" حسنا ابحث الآن ".
انتظري ، لدينا وقت طويل كي نُمنى بالخيبة، رقم المسلسل في السطر الثاني من الأعلى. الجائزة خمسة وسبعون ألفا إذا .. هذا ليس مالا . وإنما هو ثروة، إنه رأسمال ! بعد دقيقة سأنظر إلى القائمة : وأبحث لك عن الرقم 26 ، أليس كذلك ؟ طيب ماذا لو أننا حقا ربحنا؟ "
أنشأ الزوج والزوجة يضحكان ويحدق كل منهما في الآخر صامتا. احتمال الربح أذهلهما، لم يعودا قادرين على الكلام ولا حتى على الحلم، ماالذي سيفعلانه بمبلغ الخمسة وسبعين ألفا، ماذا سيشتريان وأين سيسافران. كانا لا يفكران إلا بالرقمين 9499 وبالخمسة وسبعين ألفا ولا يتخيلان شيئا آخر حتى السعادة المحتملة نفسها لم يفكرا فيها.
أما إيفان ديميتريتش فقد راح يمشي وهو ممسك بالصحيفة في الغرفة منتقلا من زاوية إلى زاوية ، لم يحلم بشيء إلا عندما استفاق من الصدمة الأولى.
قال لها: " طيب ماذا لو ربحنا ؟ " هل ستكون هنالك حياة جديدة،وهل ســـيحدث تغير ؟! " ولكن لماذا ( أقول ربحنا) إن الورقة ورقتك، لو كانت لي لقمت ــ قبل كل شيء ــ بصرف مبلغ خمسة وعشـــــرين ألفا على شراء ملكية حقيقية على شكل أرض: وعشرة آلاف على نفقات مباشرة: مفروشات جديدة، رحلات و سفر، تسديد ديون ، وهلم جرا.. أما الأربعون ألفا الأخرى فسوف أضعها في المصرف وآخذ الأرباح عليها"
قالت زوجته وهي تجلس واضعة يديها في حجرها " نعم ، قطعة أرض ، شيء رائع .
" نشتريها في مكان ما من إقليم " تولا" أو إقليم " أوريول" .. وهكذا نســــتغني أولا عن فيلا صيفية ، وفضلا عن ذلك سوف تدر علينا دخلا ".
راحت الصور تنثال على مخيلته، كانت كل صورة شاعرية ورائعة أكثر من الصورة التي ســــــبقتها. كان يرى في كل تلك الصور نفسه وهو شبعان تماما ومطمئن ودافىء و معافى، لم يشعر بالدفء فحسب بل شــــعر بالحر. تخيل نفسه بعد تناول الحساء الصيفي البارد المنجمد مستلقيا على قفاه فوق الرمل الساخن، على مقربة من إحدى السواقي ، في إحدى الحدائق تحت شجرة زيزفون. الجو حار .. ابنه الصغير وابنته يزحفان حوله، يحفران في الرمل أو يمســـكان الدعقوسات ( صناديق النبي ) الموجودة في الأعشاب. وهو يغفو غير مفكر في شيء، بل يشـــــــــعر أيضا بأنه غير مضطر إلى الذهاب للمكتب لا اليوم ولاغدا، ولا بعد غد. ثم إنه ــ مل من الاستلقاء والبقاء ساكنا بلا حركة ــ لذلك ذهب إلى حقل القش ، أو إلى الغابة من أجل الفطر، أو أنه راح يراقب المزارعين وهم يصطادون ســــمكا بالشبكة، وعندما غربت الشمس تناول منشفة وصابونا ودلف إلى غرفة الحمام فنزع ــ على مهـــل ــ ثيابه ، وراح يدلك بهدوء صدره العاري بيديه. ثم يذهب إلى الماء . وفي الماء بالقرب من الدوائر الرغوية كان الســــــــمك الصغير يلعبط غاديا رائحا والأعشاب المائية الخضراء ترفع رؤوسها. وبعد الاستحمام كان هنالك شاي و زبدة و عرائس اللبن .. أما في المساء فكانت هنالك جولة أو نزهة مع الجيران.
قالت زوجته وهي تحلم أيضا: " أجل سيكون من الجيد أن نقتني أرضا ". كانت هي أيضا تحلم، وكان واضحا من وجهها أنها كانت مفتونة ومأخوذة بأفكارها الخاصة.
تخيل إيفان ديمتريتش الخريف بأمطاره ولياليه الباردة، كما تخيل أيضا صيف سان مارتين . في ذلك الفصل سيكون عليه أن يقوم بجولات ونزهات أطول حول الحديقة وقرب النهر ، سيسير حتى يشعر بقشعريرة ، ليشرب بعدها قدحا من الفودكا، ويأكل الفطر المملح والخيار المخلل، ليتناول بعد ذلك قدحا آخر ... أما الأولاد فســـــوف يتراكضون من مطبخ الحديقة، وهم يحملون الجزر والفجل الذي تنبعث منه رائحة الأرض المنعشة. بعد ذلك ســـيتمدد بطوله الكامل على الديوانة، وسيقلّب صفحات بعض المجـــلات الملونة الزاهيــــة بطريقة تنم على الترف ،أو يقوم بتغطيـة وجهه بالمجلات و فتح أزرار مبذله ( الروب دو شامبر ) استعدادا للنوم.
أما صيف سن مارتين فيعقبه طقس غائم حزين، إذ تمطر السماء ليل نهار ، وتنتحب الأشجار العارية ، وتكون الريح باردة رطبة. الكلاب والخيول والدواجن كلها تتبلل وتكتئب، ولا يعود هنالك مجال للنزهة، كما لا يستطيع الإنسان أن يخرج من البيت عدة أيام متوالية ، بل يبقى فيه صاعدا هابطا إلى غرفته ، ناظرا بيأس إلى نافذته الرمادية.. ياله من طقس كئيب!.. .
توقف إيفان ديميتريتش ونظر إلى زوجته قائلا " ينبغي لي ــ كما تعلمين يا ماشا ــ أن أســـــــافر إلى الخارج "وبدأ يتخيل كم سيكون السفر في أواخر الخريف رائعا.... إلى جنوب فرنسا ... إيطاليا .... الهند..قالت زوجته أنا يجب أن أسافر أيضا إلى الخارج " ولكن أنظر الآن إلى رقم الورقة"
" انتظري .. انتظري "
أخذ يتجول في الغرفة ويتابع التفكير . خطر له الخاطر التالي .. ماذا سيحدث لو أن زوجته سافرت فعلا إلى الخارج ؟ من الممتع أن يسافر الإنسان وحيدا أو بصحبة مجموعة من النساء اللا مباليات التافهات اللواتي يعشن في الحاضر ولا يفكرن أو يتحدثن ــ طوال الرحلة ــ إلا عن أطفالهن، أو يتنهدن ويرتجفن خوفا عند إنفاق كل قرش.
تخيل إيفان ديميتريش زوجته في القطار مع عدد كبير من الصناديق والسلال والحقائب، لا بد أنها تتأوه على شيء ما وتتذمر لأن القطار سبب لها ُصداعا أو لأنها صرفت كثيرا من المال ... وعند المحطات سيكون هو مضطرا باستمرار إلى الركض أو البحث عن الماء المغلي والخبز والزبدة، أما هي فلن تتناول العشاء لأنه غال جدا.
قال في نفسه وهويختلس النظرإلى زوجته " ســـــــــوف تحرمني كل قرش " " إن ورقة اليانصيب ورقتها وليست ورقتي، وبالإضافة إلى ذلك ما فائدة سفرها إلى الخارج ؟ ماذا تريد أن تفعل هنالك ؟ ســــــتغلق على نفسها الباب في الفندق، ولن تسمح لي بالابتعاد عن نظرها ... أنا أعرف "
لأول مرة في حياته تسلطت على عقله حقيقة أن زوجته شاخت، واصبحت معتادة على الفقر والتقشف، وأنها تبخرت إلى حد بعيد بروائح الطبخ ، بينما هو لازال شابا غضا معافى بوسعه أن يتزوج ثانية .
ثم قال في نفسه " طبعا هذا كله مجرد سخف وهراء" ولكن ... لماذا ترغب في الســــــفر إلى الخارج ؟ وماذا ستفعل هناك ؟ لماذا تصر على السفر؟ ... أستطيع أن أتخيل ما الذي سيحدث ... في الواقع كل البلدان عندها متماثلة، وسواء أسافرت إلى نابولي أم إلى كلين فإنها ستقف لي بالمرصاد، وسوف أكون خاضعا لها، أســتطيع أن اتخيل كيف , إنها كأي إمرأة عادية سوف تقفل على النقود بمجرد أن تحصل عليها .... وســــــــوف تخبئها عني لتصرفها على أقاربها وتحرمني كل قرش "
راح إيفان ديميتريتش ــ بعد ذلك ــ يتخيل أقاربها: الإخوة والأخوات والعمات والأعمام، كل أولئك الأشقياء المتعسين جميعا أتوا زحفا بمجرد ان سمعوا بورقة اليانصيب الرابحة، راحوا ينتحبون مثل الشحاذين، و يتزلفون مســـتخدمين ابتساماتهم المنافقة . يالهم من مخلوقات مقيتة كريهة !... إذا أخذوا شيئا طلبوا المزيد , وإذا رفضـــنا طلبهم أنحوا علينا باللائمة واغتابونا، وتمنوا لنا كل أنواع الشرور.
ثم تذكر إيفان ديميتريش أقاربه أيضا، وتخيل وجوههم التي كان في الماضي ينظر إليها بنزاهة , كيف غدت تصدمه اليوم بمنظرها الكريه المقرف .
قال في نفسه " إنهم كالزواحف والسحالي"
أما وجه زوجته فقد صدمه أيضا، وبدا له له مقيتا كريها، ثار في قلبه غضب عليها، فقال في نفســــــــه بخبث ..
"إنها لم تر مالا في حياتها, ولذلك فهي بخيلة شحيحة. إذا ربحت فسوف تعطيني مئة روبل وتضع ما تبقى تحت القفل والمفتاح" . ثم نظر إلى زوجته، لكن بلا ابتسام هذه المرة وإنما بشيء من الحقد .
نظرت هي إليه أيضا بشيء من الحقـد والغضب . هي أيضا كانت لها أحــلام يقظة خاصة بها، وكان لديــــــها خطط شخصية، لقد قرأت جيدا أفكار زوجها، وعرفت أين تدور أحلامه، وأدركت أنه سيكون أول شخص يسعى إلى لطش أرباحها.
كانت عيناها تقولان : " شيء جيد أن نقوم بأحلام يقظة على حساب الأخرين " ولكن هيهات .. وأنى لك ذلك؟ و هل تجرؤ؟
فهم زوجها مغزى نظرتها، وراح الحقد يثور من جديد في صدره، لذلك وبغية إزعاج زوجته نظر إليها بسرعة كي يغيظها، ثم قرا بصوت عال وهو يشمت بها ما ورد في الصفحة الرابعة من الجريدة :
" المسلسل 9499, والرقم هو 46 ! وليس 26 ! .
هنا تلاشى الحقد والأمل كلاهما فورا، وبدا لإيفان ديميتريش على الفور، ولزوجته أيضا ،أن غرف بيتهما مظــــلمة وصغيرة ومتصدعة ،وأن العشاء الذي تناولاه لم يكن ناضجا فجثم على معدتيهما، وأن الليالي أصبحت طويلة ومملة ...
قال إيفان ديميتريش : لعنة الله على الشيطان، ماذا أراد بنا؟ ثم راح يصرخ بسخرية مرة. " حيثما ســــار المرء هنا وجد قطعا من الورق تحت الأقدام مع قشــــــور وفرافيط . الغرف لم تُمســـح أبدا ! هنا يحس الإنسان أنه مجبـر على الخروج . ليتني أموت، ليت روحي تخرج، ساذهب وأشنق نفسي عند اول شجرة حور".

0 Comments:
Post a Comment
<< Home