My Photo
Name:
Location: Al Ain, Abu Dhabi, United Arab Emirates

Saturday, October 28, 2006

بعد المسرح


بعد المسرح
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكاتب: تشيكوف ترجمة: د. عبد الرحمن دركزللي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت ناديا زيلنين قد عادت مع أمها من المسرح حيث شهدت عرض " إيفجيني أونيجين". وبمجرد أن وصلت إلى غرفتها الخاصة خلعت ملابسها وأرسلت شعرها، وبادرت، في تنورتها وجاكيتها الأبيض، إلى المنضدة لتكتب رسالة كتلك التي كتبتها تاتيانا.

كتبت " أحبك" " ولكنك لا تحبني، لا تحبني!"
كتبتها ثم ضحكت.
لم تكن قد تجاوزت بعدُ السادسة عشرة ولم تكن قد أحبت أحدا. نعم كانت تعرف أن ضابطا يدعى " غورني" وطالبا يدعى " غروزدف" قد أحباها ، ولكنها الآن ــ بعد الأوبرا ــ تريد أن تثير الشكوك حول حبهما. ما أمتع/ أغرب أن تكون غير محبوب وغير سعيد ، فهنالك شيء جميل و مؤثر وشاعري في ذلك عندما يحب المرء شخصا، والآخر لا يبالي به. كان أونجين غريبا لأنه لم يدخل في علاقة غرامية على الإطلاق على حين كانت تاتيانا الفاتنة غارقة في الحب إلى حد بعيد، ولكن لوكانا متساويين في حب كل منهما للآخر وسعيدين في الحب لبدوا باهتين/ بليدين.

تابعت ناديا وهي تفكر بـ" غورني"، فكتبت: " كفّ عن ادعائك بأنك تحبني" " لا أستطيع أن أصدّق ذلك، أنت ذكي جدا، مهذب، جاد، ولديك موهبة عظيمة، وربما كان أمامك مستقبل مشرق ينتظرك، بينما أنا فتاة عادية لا قيمة لها، أنت تعلم كل العلم بأنني لن أكون سوى عقبة في حياتك. صحيح أنك انجذبت إليّ واعتقدت أنك وجدت الفتاة المثالية في شخصي لكن ذلك خطأ، ولا بد أنك تقول في نفسك نادما/ متأسفا: " لماذا تعرفت إلى تلك الفتاة ؟ " ولكن الشيء الأوحد الذي يمنعك من الاعتراف بذلك ( الخطأ)إنما هو طيبة قلبك..."

حزنت ناديا على نفسها وراحت تبكي ، ثم تابعت الكتابة: " من المستحيل أن أترك أمي وأبي، إلا إذا ارتديت خمار راهبة وتركت الحظ يقودني إلى حيث أراد" أو إذا وافتني المنية" وحينئذ ستظل وحدك أو تحب فتاة أخرى. " آه ليتني أموت".

لم تستطع، من جراء الدموع، أن تتبين ما كتبته: كانت هنالك أقواس قزح صغيرة تهتز على المنضدة، وعلى الأرض ، وعلى السقف ، كأنها كانت تنظر من خلال موشور. لم تستطع أن تكتب، غاصت في كرسيها المريح، ثم استسلمت للتفكير بـ " غورني"

يا إلهي ما أمتع وما أكثر جاذبية الرجال! وتذكرت ناديا تلك القسمات الجميلةالسارة الآثمة والناعمة التي كانت ترتسم على وجه الضابط عندما كان يدخل في جدال مع أحد الأشخاص حول الموسيقا، كما تذكرت ما كان يبذله من جهد كيلا ينم صوته على حقيقة مشاعره. في المجتمع الذي تعتبر فيه الكبرياء والعفة من علائم التربية الجيدة ومن مظاهر الرجولة ينبغي للمرء أن يخفي عواطفه ومشاعره الخاصة. لقد حاول فعلا إخفاءها لكنه لم ينجح، وانتبه الجميع تماما إلى أنه يحمل في قلبه حبا عظيما للموسيقا. إن النقاشات التي لا أول لها ولا آخر، وانتقاد الناس الذين لا يفقهون شيئا في الموسيقا له، جعلته متوترا وخائفا جبانا وصامتا. كان يجيد العزف على البيانو بطريقة رائعة وكأنه عازف بيانو محترف ، ولو أنه لم يكن في الجيش لكان بالتأكيد موسيقيا شهيرا.

جفت الدموع التي كانت تسيل من عينيها، تذكرت ناديا أن غورني كان قد اعترف/ صرح بحبه في الحفلة السمفونية، وعاود صنع ذلك بالقرب من المشجب حيث كانت هنالك ريح عاصفة تهب في كل الاتجاهات.

ثم إنها تابعت ، فكتبت : " أنا سعيدة جدا بأنك أخير تعرفت إلى غروزدف صديقنا الطالب" ،
" إنه رجل في منتهى الذكاء، وسوف تتحقق حتما من ذلك وسوف تحبه. جاء أمس لرؤيتنا
وظل ساهرا حتى الثانية. كنا جميعا مسرورين معه ومن المؤسف أنك لم تأت. لقد قال كثيرا من الأقوال المهمة/ الرائعة.

بسطت ناديا ذراعيها على المنضدة وأسندت رأسها عليهما حتى إن الرسالة غُطيت بشعرها . راحت تتذكر الطالب وبما أنه يحبها أيضا لذلك فله الحق في رسالة منها كتلك التي كتبتها لـ " غورني" أو ليس الأفضل لي أن ــ بعد كل هذا ــ أن أكتب لـ " غروزدف" ؟ كان هنالك زوبعة من الفرح ولكن بلا أي سبب . كان الفرح في بداية الأمر صغيرا لكنه ما لبث أن تدحرج في صدرها كما تتدحرج كرة هندية من المطاط، ثم إنه غدا فرحا غامرا كبيرا يندفع كما يندفع الموج. ونسيت ناديا غورني و غروزدف، تشوشت أفكارها وأخذ فرحها يكبر ويكبر، حتى إنه انتقل من صدرها إلى ذراعيها وساقيها وكأن تيارا من الهواء اللخفيف البارد راح يداعب شعرها. لقد اختلج كتفاها من الضحك المكتوم حتى إن المنضدة والمصباح اهتزا ايضا وأخذت الدموع تتناثر من عينيها على الرسالة، لم تستطع التوقف عن الضحك ، ولكي تثبت لنفسها أنها لا تضحك من دون سبب ، سارعت إلى التفكير بشيء مضحك.

قالت وهي تكاد تختنق من الضحك: " ياله من كلب ممتع!"

تذكرت كيف عمد غروزدف، بعد تناول الشاي في الليلة السابقة ، إلى الكلب الصغير " مكسيم"
وكيف حدثهم بعد ذلك عن كلب صغير ممتع طارد غرابا في الساحة ، فالتفت الكلب الصغير نحوه وقال: " أوه أيها النذل/ الوغد"
أما الكلب الصغير ، ولم يكن يعلم أنه يتعامل مع غراب مثقف ، فقد ارتبك خائفا، وتراجع في
ذهول، ثم ما لبث أن نبح..

قالت ناديا بعزم أكيد " لا.. الأفضل لي أن أحب غروزدف" ثم مزقت الرسالة التي كتبتها لـ غورني.

جلست تفكر بأمر الطالب ، في حبه لها وحبها له، ولكن الأفكار في رأسها ظلت تتدفق في كل الاتجاهات، وفكرت في كل شيء: في أمها وفي الشارع وفي قلم الرصاص وفي البيانو.. فكرت بسعادة وفرح في كل تلك الأشياء وأحست أن كل شيء جيد ورائع، لقد أخبرها فرحها بأن هذا ليس كل شيء، بل سيكون عما قريب استقرار أكثر، سيكون هنالك ربيع وصيف ، وانها سوف تذهب مع أمها إلى " غوربيكي" Gorbiki وأن غورني سوف يأتي لقضاء إجازته وسوف يتنزه في الحديقة معها وسوف يغازلها/ يمارس الحب معها. كما أن غروزديف سوف يأتي أيضا، وسوف يلعب الكروكيت والسكيتلز ( لعبة القناني) معها، وسوف يخبرها عن أشياء غريبة عجيبة. كان لديها شوق عاطفي إلى الحديقة، إلى الليل، إلى السماء الصافية والنجوم .
ويهتز كتفاها من الضحك ويخيل إليها أن في الغرفة رائحة خشب الشيح وأن غصنا ينقر زجاج النافذة.
وتمضي إلى فراشها فتجلس وهي حائرة كيف تصنع بهذا الفرح العظيم الذي ملأها شوقا، ثم نظرت إلى الصورة المقدسة المعلقة عند ظهر سريرها وقالت: " يإلهي وسيدي، يا إلهي العظيم".


0 Comments:

Post a Comment

<< Home