نمط من العيش
A Lifestyle
Fernando Sorrentino
نمط من العيش
فرناندو سـورنتينو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ترجمة د. عبد الرحمن دركزللي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في شبابي، وقبل أن أصبح مزارعا ومربي مواش، كنت موظفا في أحد المصارف، وإليكم لمحة عما حدث:
كنت يومها في الرابعة والعشرين من العمر، ولم يكن لي أقارب بالمعنى الدقيق. كنت أسكن في تلك الشقة الصغيرة نفسها بمنطقة ( سانتا في ) الواقعة بين ( كاننغ) و ( آراؤز).
من المعروف أن الحوادث تقع في كل مكان ، حتى في ذلك المكان الصغير، وأما بالنسبة إليّ فإن الحادثة كانت بسيطة، فبينما كنت أفتح الباب لأذهب إلى عملي، انكسر المفتاح في القفل.
بعد اللجوء عبثا إلى مفكات البراغي والكماشات، قررت أن أتصل بمحل لصنع الأقفال، وبينما كنت أنتظر حضور صانع الأقفال اتصلت بالمصرف لأعلمهم أني سأتأخرقليلا.
لحسن الحظ ، وصل صانع الأقفال بسرعة فائقة، وبالنسبة إلى هذا الرجل فأنا لا أتذكر منه الآن سوى أن شعره كان شائبا بالكامل مع أنه شابّ. ومن خلال ثقب الباب قلت له: " إن مفتاحي انكسر في القفل".
قام بحركة سريعة في الهواء تعبر عن الأسف والانزعاج ،ثم قال: " أعلق في داخل القفل ؟ إذا في هذه الحالة، سيكون إخراجه صعبا، وسوف يستغرق معي ثلاث ساعات على الأقل، وسوف أتقاضى منك أتعابي لقاء ذلك..."
طلب مني مبلغا كبيرا جدا، فقلت له: " ليس معي ذلك المبلغ حاليا، ولكن بمجرد أن أخرج، سأذهب إلى المصرف وأدفع لك."
نظر إلي شزرا، كأنني شتمته أو سببته، ثم قال لي بنوع من اللباقة والمجاملة التي يستخدمها المثقفون : " آسف جدا ياسيدي ، فأنا لست عضوا مؤسسا في نقابة " صاتعي الأقفال الإرجنتنيين" فحسب، بل واحد ممن قاموا بصياغة الوثيقة الأساسية ( الماغنا كارتا ) لنقابتنا،وإذا فلا مجال هنا للعب، ولو تفضلت واطلعت على هذه الوثيقة لكنتُ لك من الشاكرين. لأنك سوف تجد في القسم المخصص لـ " الشروط الأساسية" أن صاتع الأقفال النموذجي، لا يجوز له أن يأخذ مالا على شيء يقوم به بعد انتهاء ساعات العمل.
"ابتسمت، وقلت له أيها الرجل الموسوس : " لابد أنك تمزح!".
" عزيزي.. إن الوثيقة الأساسية لنقابة صانعي الأقفال الإرجنتيين" الماغنا كارتا" ليست موضوعا للضحك والسخرية، كما أنها لا تهمل شيئا من التفاصيل ، وقد بنيت موادها كلها على القواعد الأخلاقية، واستغرقت كتابتها سنوات طويلة من الدراسة الجادة. وبالطبع فليس كل الناس قادرين على فهمها؛ لأننا استخدمنا في جانب كبير منها لغة رمزية لايفهمها إلا الراسخون في العلم، على كل حال، أنا أعتقد أنك ستفهم الفقرة 7 منها، والتي تقول: " الذهب يفتح الأبواب، والأبواب تطيعه "؛ لدلك فأنا لا يمكن أن أقبل بمثل هده السخافات
. قلت له: " أرجوك، تعقّل ، وافتح لي الباب، ولسوف أدفع لك على الفور.
" آسف، ياسيدي. هنالك أخلاقيات في كل مهنة، وأخلاقيات مهنة صانعي الأقفال لا تتسامح ولا تتساهل على الإطلاق في هذا المجال. طاب يومك"، قال هذا وانصرف.
وقفت لحظات في مكاني حائرا، ثم اتصلت بالمصرف ثانية ، وأعلمتهم أني قد لا أتمكن من الدوام في ذلك اليوم. بعد ذلك فكرت بصانع الأقفال الشائب وقلت لنفسي، " ذلك رجل خرف . سأقوم بالاتصال بمحل آخر لصنع الأقفال، لكنني ــ هذه المرة ــ لن أقول لصاحبه ــ إلا بعد أن يفتح الباب لي ــ : إنني لا أملك نقودا .
فتشت في دليل الهاتف واتصلت .. سمعت صوتا نسويا من النوع الكتوم المتحفظ قالت لي : " ما العنوان؟ "
قلت: " 3653 سانتا في، الشقة رقم 10ــ آ "
ترددتْ لحظة، وطلبتْ مني أن أكرر العنوان، ثم قالت: " مستحيل ، ياسيدي ، إن الماغنا كارتا لنقابة صانعي الأقفال الإرجنتينيين تمنعنا من القيام بأي عمل في تلك المنطقة."
قلت لها، وأنا أحتدم غضبا: " اسمعي الآن ! لا تتساخفي ... "
أغلقت الهاتف في وجهي ولم تتركني أنهي كلامي.
لذلك رجعت إلى دليل الهاتف، واستخرجت منه حوالي عشرين رقما ،أي أنني استخرجت منه كل أرقام محلات صانعي الأقفال تقريبا. لكنهم بمجرد أن سمعوا بالعنوان، رفضوا وبكل صفاقة القيام بالعمل. قلت لنفسي: " حسنا، لابد أن أجد حلا لمشكلتي في مكان ما ."
استدعيت البواب/ حارس البناية، وحدثته عن المشكلة. فرد علي بقوله:" أولا أنا لا أعرف كيف تُفتح الأقفال، والشيء الثاني، هو أنني ــ حتى لوكنت أعرف كيف تفتح ــ لن أقوم بفتحه، لأن عملي هو تنظيف المكان، لا إطلاق سراح الطيور المحبوسة من أقفاصها. وعلاوة على ذلك فأنت لم تكن في يوم من الأيام كريما معي في البقشيش."
هنا كدت أتميز من الغيظ، فقمت بعدة تصرفات حمقاء عديمة الجدوى وبعصبية شديدة: أخذت فنجان قهوة، دخنت سيجارة، جلست، نهضت، سرت بضع خطوات، غسلت يديّ، وشربت كأسا من الماء.
ثم إنني تذكرت ( مونيكا دي تشافيه )، فأدرت قرص الهاتف على رقمها،و انتظرت، ثم سمعت صوتها، فقلت لها بلطف مصطنع وثقـــــة بالنفس: " مونيكا! كيف حالك ياحبيبتي؟ ، كيف تسير الأمور معك ؟ أرجو أن يكون كل شيء على ما يرام ! " . ولكن جوابها كان: " أخيرا تذكرت أن تتصل بي؟؟، إنني أشك أنك تحبني ، فأنا لم أرك، ولم أسمع صوتك، منذ أسبوعين تقريبا ! "
ليس الجدل مع النساء من شيمي وليس في مقدوري، لاسيما وأنا في تلك الحالة النفسية السيئة، حالة الشعور بالنقص التي انتهيت إليها. ومع ذلك ، فقد حاولت أن أوضح لها بسرعة ما الذي جرى لي، ولست أدري هل أخطأت في فهم كلامي، أم أنها رفضت الاستماع إليه ؟. لكن آخر ما قالته لي قبل أن تضع سماعة الهاتف هو " أنا لست لعبة في يد أحد !"
بعد ذلك، اضطررت أن أقوم بسلسلة من التصرفات الخرقاء التي لا تجدي نفعا: اتصلت بالمصرف على أمل أن يأتي واحد من زملائي الموظفين ويفتح الباب. ولكن لسوء الحظ، طلع لي ( إنزو باريدز) الساخر البليد الذي أكرهه، فقال لي بطريقة سخيفة: " إذا أنت لا تستطيع الآن أن تخرج من بيتك ! ... الظاهر أن حججك وأعذارك للتهرب من العمل كثيرة جدا لا أول لها ولا آخر ! "
عند هذا اعترتني نوبة كتلك النوبات التي تسبق الانتحار، لكنني تماسكت، أخذت الهاتف ورحت أتصل من جديد، بحثت عن ( مايكل آنجلو لا بورتا ) الذي كان حتما أذكى من الشخص الدي قبله بقليل ، بدا لي كأنه متحمس لحل مشكلتي.
ــ قل لي هل الذي انكسر هو القفل أم المفتاح ؟؟
ــ المفتاح.
ــ هل علق داخل القفل؟
ــ نصفه علق داخل القفل.
ضقت ذرعا بهذا النوع من الاستجواب، فقلت:
ــ و النصف الآخر خارج القفل؟
ــ طيب ! ألم تحاول إخراج القطعة الصغيرة التي علقت بمفك براغي؟
ــ طبعا حاولت، ولكن إخراجها من رابع المستحيلات.
ــ أوه ! عليك إذا أن تتصل بصانع أقفال.
ــ لقد فعلت ذلك من قبل.
هنا حاولت أن أكبح غضبي الذي كاد يخنقني، فقلت :
ــ يريد قبض المبلغ سلفا.
ــ إذا ادفع له وحُلّ المشكلة.
ــ ألا ترى أنني لا أملك أية نقود ؟
شعر بالملل والضجر، فقال لي:
ــ أيها الرجل الشحيح، مشاكلك ــ على ما يبدوــ لن تنتهي أبدا !
لم أوفق إلى جواب سريع أرد به عليه. كنت أنوي أن أقترض منه بعض المال ولكن عبارته التي قالها تركتني في حيرة من أمري، فلم أعد أقوى على التفكير في شيء. وهكذا انتهى ذلك اليوم.
في اليوم التالي، نهضت من فراشي مبكرا لأقوم بإجراء مكالمات هاتفية أخرى، ولكن حدث لي أمر عادي ، أمر يتكرر حدوثه مع الناس ، وهو أنني وجدت الهاتف معطلا، وهذه مشكلة ليس في وسعي حلها؛ إذ كيف لي أن أتصل بقسم تصليح الهواتف دون أن يكون لدي هاتف أجري به الاتصال ؟.
خرجت إلى الشرفة ( البلكون ) ورحت أصرخ بالناس الذين يسيرون في منطقة سانتا في، كانت ضجة الشارع تصم الآذان، فمنذا الذي سيسمع شخصا ينادي من الطابق العاشر؟ كان الناس لا يسمعون، نعم رفع بعضهم عن غير قصد رأسه بشكل عفوي، لكنهم ما لبثوا بعد ذلك أن واصلوا سيرهم.
بعد ذلك، وضعت خمس ورقات وأربع نسخ من الكربون في آلتي الكاتبة، كتبت الرسالة التالية : " سيدتي / سيدي ... إن مفتاحي انكسر وعاق في القفل، وقد أتى علي، وأنا محبوس في البيت، يومان، أرجوك افعل شيئا كي تخلصني وتحررني، عنواني هو 3653 سانتا في، شقة رقم 10 ـ آ .
ألقيت الورقات الخمس من الشرفة، ولما كانت الاحتمالات ــ احتمالات سقوط الأوراق بشكل عمودي قليلة ـــ فقد تناثرت وأخدت ترفرف مع بعضها بسبب الريح المتقلبة. بعد ذلك سقطت ثلاث منها في الشارع، ولكن ما لبثت أن داستها السيارات المتتابعة ولطختها بالسواد. كما أن واحدة حطت على مظلة أحد المخازن، أما الخامسة منها فقد وقعت على الرصيف.
وعلى الفور التقطها شاب محترم ، قرأها. ثم نظر إلى الأعلى مظللا عينيه بيده اليسرى. أعطيته وجها بشوشا، لكنه مزق الورقة إلى وريقات ، وبحركة غاضبة ألقاها.
باختصار، ظللت لعدة أسابيع أقوم بشتى المحاولات وأبذل كل الجهود، رميت مئات الرسائل من الشرفة، لكن إما أنه لم يقرأها أحد أو أنها قرئت و لم يحفل بها الناس ولم يحملوها على محمل الجد.
بعد عدة أيام وجدت ظرفا ملقى من تحت باب شقتي، كان مرسلا من شركة الهواتف، جاء فيه أن الشركة اضطرت إلى قطع الخط لعدم قيامي بدفع المبالغ المستحقة، ثم ــ على التوالي ــ قطعوا عني الغاز، والكهرباء، والماء.
في البداية، استهلكت كل المؤونة التي كانت في حوزتي بطريقة غير معقولة، لكنني انتبهت بعد ذلك إلى الخطأ الذي ارتكبته ، فأخذت أتدارك الأمور.مثلا وضعت أوعية وأواني على الشرفة لجمع ماء المطر. قلعت الورود والزهور من أصص الزرع، وزرعت محلها البندورة،والعدس، والخضراوات، ثم رحت أتعهدها بالرعاية والعناية والصبر الجميل، ولما كنت بحاجة إلى البروتين الحيواني تعلمت كيف أربي الحشرات والعناكب والقوارض وأستولدها، أي جعلتها تتكاثروهي محبوسة؛ كما أني ــ في بعض الأحيان ــ كنت اصطاد عصفورا أو حمامة لهداا الغرض.
في الأيام المشمسة، كنت أشعل النار بوساطة المكبرة والورق، كما كنت ــ عوضا عن البترول ــ أحرق الكتب والأثاث والسجاجيد الصغيرة . اكتشفت أن البيت يشتمل على أشياء كثيرة، لا لزوم لها ولا حاجة إليها.
وهكذا عشت مرتاحا تماما، مع أنه كانت تنقصني بعض الأمور، فعلى سبيل المثال، لم أكن أعلم بما يجري أو يحدث في العالم، إذ لم يكن بوسعي قراءة الصحف والجرائد، كما لم يكن بوسعي تشغيل التلفاز أو المذياع. وعندما كنت أرغب في التسلية كنت أطلق العنان لأفكاري فأشرد طويلا وأذهل . لم يعد عندي مخاوف كما لم يعد لدي طموحات. إنني ـــ باختصارــ أعيش في حالة من السعادة لا نظير لها.
كنت ــ من شرفتي ــ أراقب العالم الخارجي، وألاحظ ما يطرأ عليه من التغيرات. لا أدري كم أتى عليّ وأنا في هذه الحالة ، لقد فقدت إحساسي بالزمن، ولكن المرآة، والصلع الذي ألم يرأسي ، ولحيتي الطويلة البيضاء، والألم الذي حل في مفاصلي، كل تلك الأشياء كانت تخبرني وتقول لي : لقد هرمت وبلغت من الكبر عتيا.
Fernando Sorrentino
نمط من العيش
فرناندو سـورنتينو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ترجمة د. عبد الرحمن دركزللي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في شبابي، وقبل أن أصبح مزارعا ومربي مواش، كنت موظفا في أحد المصارف، وإليكم لمحة عما حدث:
كنت يومها في الرابعة والعشرين من العمر، ولم يكن لي أقارب بالمعنى الدقيق. كنت أسكن في تلك الشقة الصغيرة نفسها بمنطقة ( سانتا في ) الواقعة بين ( كاننغ) و ( آراؤز).
من المعروف أن الحوادث تقع في كل مكان ، حتى في ذلك المكان الصغير، وأما بالنسبة إليّ فإن الحادثة كانت بسيطة، فبينما كنت أفتح الباب لأذهب إلى عملي، انكسر المفتاح في القفل.
بعد اللجوء عبثا إلى مفكات البراغي والكماشات، قررت أن أتصل بمحل لصنع الأقفال، وبينما كنت أنتظر حضور صانع الأقفال اتصلت بالمصرف لأعلمهم أني سأتأخرقليلا.
لحسن الحظ ، وصل صانع الأقفال بسرعة فائقة، وبالنسبة إلى هذا الرجل فأنا لا أتذكر منه الآن سوى أن شعره كان شائبا بالكامل مع أنه شابّ. ومن خلال ثقب الباب قلت له: " إن مفتاحي انكسر في القفل".
قام بحركة سريعة في الهواء تعبر عن الأسف والانزعاج ،ثم قال: " أعلق في داخل القفل ؟ إذا في هذه الحالة، سيكون إخراجه صعبا، وسوف يستغرق معي ثلاث ساعات على الأقل، وسوف أتقاضى منك أتعابي لقاء ذلك..."
طلب مني مبلغا كبيرا جدا، فقلت له: " ليس معي ذلك المبلغ حاليا، ولكن بمجرد أن أخرج، سأذهب إلى المصرف وأدفع لك."
نظر إلي شزرا، كأنني شتمته أو سببته، ثم قال لي بنوع من اللباقة والمجاملة التي يستخدمها المثقفون : " آسف جدا ياسيدي ، فأنا لست عضوا مؤسسا في نقابة " صاتعي الأقفال الإرجنتنيين" فحسب، بل واحد ممن قاموا بصياغة الوثيقة الأساسية ( الماغنا كارتا ) لنقابتنا،وإذا فلا مجال هنا للعب، ولو تفضلت واطلعت على هذه الوثيقة لكنتُ لك من الشاكرين. لأنك سوف تجد في القسم المخصص لـ " الشروط الأساسية" أن صاتع الأقفال النموذجي، لا يجوز له أن يأخذ مالا على شيء يقوم به بعد انتهاء ساعات العمل.
"ابتسمت، وقلت له أيها الرجل الموسوس : " لابد أنك تمزح!".
" عزيزي.. إن الوثيقة الأساسية لنقابة صانعي الأقفال الإرجنتيين" الماغنا كارتا" ليست موضوعا للضحك والسخرية، كما أنها لا تهمل شيئا من التفاصيل ، وقد بنيت موادها كلها على القواعد الأخلاقية، واستغرقت كتابتها سنوات طويلة من الدراسة الجادة. وبالطبع فليس كل الناس قادرين على فهمها؛ لأننا استخدمنا في جانب كبير منها لغة رمزية لايفهمها إلا الراسخون في العلم، على كل حال، أنا أعتقد أنك ستفهم الفقرة 7 منها، والتي تقول: " الذهب يفتح الأبواب، والأبواب تطيعه "؛ لدلك فأنا لا يمكن أن أقبل بمثل هده السخافات
. قلت له: " أرجوك، تعقّل ، وافتح لي الباب، ولسوف أدفع لك على الفور.
" آسف، ياسيدي. هنالك أخلاقيات في كل مهنة، وأخلاقيات مهنة صانعي الأقفال لا تتسامح ولا تتساهل على الإطلاق في هذا المجال. طاب يومك"، قال هذا وانصرف.
وقفت لحظات في مكاني حائرا، ثم اتصلت بالمصرف ثانية ، وأعلمتهم أني قد لا أتمكن من الدوام في ذلك اليوم. بعد ذلك فكرت بصانع الأقفال الشائب وقلت لنفسي، " ذلك رجل خرف . سأقوم بالاتصال بمحل آخر لصنع الأقفال، لكنني ــ هذه المرة ــ لن أقول لصاحبه ــ إلا بعد أن يفتح الباب لي ــ : إنني لا أملك نقودا .
فتشت في دليل الهاتف واتصلت .. سمعت صوتا نسويا من النوع الكتوم المتحفظ قالت لي : " ما العنوان؟ "
قلت: " 3653 سانتا في، الشقة رقم 10ــ آ "
ترددتْ لحظة، وطلبتْ مني أن أكرر العنوان، ثم قالت: " مستحيل ، ياسيدي ، إن الماغنا كارتا لنقابة صانعي الأقفال الإرجنتينيين تمنعنا من القيام بأي عمل في تلك المنطقة."
قلت لها، وأنا أحتدم غضبا: " اسمعي الآن ! لا تتساخفي ... "
أغلقت الهاتف في وجهي ولم تتركني أنهي كلامي.
لذلك رجعت إلى دليل الهاتف، واستخرجت منه حوالي عشرين رقما ،أي أنني استخرجت منه كل أرقام محلات صانعي الأقفال تقريبا. لكنهم بمجرد أن سمعوا بالعنوان، رفضوا وبكل صفاقة القيام بالعمل. قلت لنفسي: " حسنا، لابد أن أجد حلا لمشكلتي في مكان ما ."
استدعيت البواب/ حارس البناية، وحدثته عن المشكلة. فرد علي بقوله:" أولا أنا لا أعرف كيف تُفتح الأقفال، والشيء الثاني، هو أنني ــ حتى لوكنت أعرف كيف تفتح ــ لن أقوم بفتحه، لأن عملي هو تنظيف المكان، لا إطلاق سراح الطيور المحبوسة من أقفاصها. وعلاوة على ذلك فأنت لم تكن في يوم من الأيام كريما معي في البقشيش."
هنا كدت أتميز من الغيظ، فقمت بعدة تصرفات حمقاء عديمة الجدوى وبعصبية شديدة: أخذت فنجان قهوة، دخنت سيجارة، جلست، نهضت، سرت بضع خطوات، غسلت يديّ، وشربت كأسا من الماء.
ثم إنني تذكرت ( مونيكا دي تشافيه )، فأدرت قرص الهاتف على رقمها،و انتظرت، ثم سمعت صوتها، فقلت لها بلطف مصطنع وثقـــــة بالنفس: " مونيكا! كيف حالك ياحبيبتي؟ ، كيف تسير الأمور معك ؟ أرجو أن يكون كل شيء على ما يرام ! " . ولكن جوابها كان: " أخيرا تذكرت أن تتصل بي؟؟، إنني أشك أنك تحبني ، فأنا لم أرك، ولم أسمع صوتك، منذ أسبوعين تقريبا ! "
ليس الجدل مع النساء من شيمي وليس في مقدوري، لاسيما وأنا في تلك الحالة النفسية السيئة، حالة الشعور بالنقص التي انتهيت إليها. ومع ذلك ، فقد حاولت أن أوضح لها بسرعة ما الذي جرى لي، ولست أدري هل أخطأت في فهم كلامي، أم أنها رفضت الاستماع إليه ؟. لكن آخر ما قالته لي قبل أن تضع سماعة الهاتف هو " أنا لست لعبة في يد أحد !"
بعد ذلك، اضطررت أن أقوم بسلسلة من التصرفات الخرقاء التي لا تجدي نفعا: اتصلت بالمصرف على أمل أن يأتي واحد من زملائي الموظفين ويفتح الباب. ولكن لسوء الحظ، طلع لي ( إنزو باريدز) الساخر البليد الذي أكرهه، فقال لي بطريقة سخيفة: " إذا أنت لا تستطيع الآن أن تخرج من بيتك ! ... الظاهر أن حججك وأعذارك للتهرب من العمل كثيرة جدا لا أول لها ولا آخر ! "
عند هذا اعترتني نوبة كتلك النوبات التي تسبق الانتحار، لكنني تماسكت، أخذت الهاتف ورحت أتصل من جديد، بحثت عن ( مايكل آنجلو لا بورتا ) الذي كان حتما أذكى من الشخص الدي قبله بقليل ، بدا لي كأنه متحمس لحل مشكلتي.
ــ قل لي هل الذي انكسر هو القفل أم المفتاح ؟؟
ــ المفتاح.
ــ هل علق داخل القفل؟
ــ نصفه علق داخل القفل.
ضقت ذرعا بهذا النوع من الاستجواب، فقلت:
ــ و النصف الآخر خارج القفل؟
ــ طيب ! ألم تحاول إخراج القطعة الصغيرة التي علقت بمفك براغي؟
ــ طبعا حاولت، ولكن إخراجها من رابع المستحيلات.
ــ أوه ! عليك إذا أن تتصل بصانع أقفال.
ــ لقد فعلت ذلك من قبل.
هنا حاولت أن أكبح غضبي الذي كاد يخنقني، فقلت :
ــ يريد قبض المبلغ سلفا.
ــ إذا ادفع له وحُلّ المشكلة.
ــ ألا ترى أنني لا أملك أية نقود ؟
شعر بالملل والضجر، فقال لي:
ــ أيها الرجل الشحيح، مشاكلك ــ على ما يبدوــ لن تنتهي أبدا !
لم أوفق إلى جواب سريع أرد به عليه. كنت أنوي أن أقترض منه بعض المال ولكن عبارته التي قالها تركتني في حيرة من أمري، فلم أعد أقوى على التفكير في شيء. وهكذا انتهى ذلك اليوم.
في اليوم التالي، نهضت من فراشي مبكرا لأقوم بإجراء مكالمات هاتفية أخرى، ولكن حدث لي أمر عادي ، أمر يتكرر حدوثه مع الناس ، وهو أنني وجدت الهاتف معطلا، وهذه مشكلة ليس في وسعي حلها؛ إذ كيف لي أن أتصل بقسم تصليح الهواتف دون أن يكون لدي هاتف أجري به الاتصال ؟.
خرجت إلى الشرفة ( البلكون ) ورحت أصرخ بالناس الذين يسيرون في منطقة سانتا في، كانت ضجة الشارع تصم الآذان، فمنذا الذي سيسمع شخصا ينادي من الطابق العاشر؟ كان الناس لا يسمعون، نعم رفع بعضهم عن غير قصد رأسه بشكل عفوي، لكنهم ما لبثوا بعد ذلك أن واصلوا سيرهم.
بعد ذلك، وضعت خمس ورقات وأربع نسخ من الكربون في آلتي الكاتبة، كتبت الرسالة التالية : " سيدتي / سيدي ... إن مفتاحي انكسر وعاق في القفل، وقد أتى علي، وأنا محبوس في البيت، يومان، أرجوك افعل شيئا كي تخلصني وتحررني، عنواني هو 3653 سانتا في، شقة رقم 10 ـ آ .
ألقيت الورقات الخمس من الشرفة، ولما كانت الاحتمالات ــ احتمالات سقوط الأوراق بشكل عمودي قليلة ـــ فقد تناثرت وأخدت ترفرف مع بعضها بسبب الريح المتقلبة. بعد ذلك سقطت ثلاث منها في الشارع، ولكن ما لبثت أن داستها السيارات المتتابعة ولطختها بالسواد. كما أن واحدة حطت على مظلة أحد المخازن، أما الخامسة منها فقد وقعت على الرصيف.
وعلى الفور التقطها شاب محترم ، قرأها. ثم نظر إلى الأعلى مظللا عينيه بيده اليسرى. أعطيته وجها بشوشا، لكنه مزق الورقة إلى وريقات ، وبحركة غاضبة ألقاها.
باختصار، ظللت لعدة أسابيع أقوم بشتى المحاولات وأبذل كل الجهود، رميت مئات الرسائل من الشرفة، لكن إما أنه لم يقرأها أحد أو أنها قرئت و لم يحفل بها الناس ولم يحملوها على محمل الجد.
بعد عدة أيام وجدت ظرفا ملقى من تحت باب شقتي، كان مرسلا من شركة الهواتف، جاء فيه أن الشركة اضطرت إلى قطع الخط لعدم قيامي بدفع المبالغ المستحقة، ثم ــ على التوالي ــ قطعوا عني الغاز، والكهرباء، والماء.
في البداية، استهلكت كل المؤونة التي كانت في حوزتي بطريقة غير معقولة، لكنني انتبهت بعد ذلك إلى الخطأ الذي ارتكبته ، فأخذت أتدارك الأمور.مثلا وضعت أوعية وأواني على الشرفة لجمع ماء المطر. قلعت الورود والزهور من أصص الزرع، وزرعت محلها البندورة،والعدس، والخضراوات، ثم رحت أتعهدها بالرعاية والعناية والصبر الجميل، ولما كنت بحاجة إلى البروتين الحيواني تعلمت كيف أربي الحشرات والعناكب والقوارض وأستولدها، أي جعلتها تتكاثروهي محبوسة؛ كما أني ــ في بعض الأحيان ــ كنت اصطاد عصفورا أو حمامة لهداا الغرض.
في الأيام المشمسة، كنت أشعل النار بوساطة المكبرة والورق، كما كنت ــ عوضا عن البترول ــ أحرق الكتب والأثاث والسجاجيد الصغيرة . اكتشفت أن البيت يشتمل على أشياء كثيرة، لا لزوم لها ولا حاجة إليها.
وهكذا عشت مرتاحا تماما، مع أنه كانت تنقصني بعض الأمور، فعلى سبيل المثال، لم أكن أعلم بما يجري أو يحدث في العالم، إذ لم يكن بوسعي قراءة الصحف والجرائد، كما لم يكن بوسعي تشغيل التلفاز أو المذياع. وعندما كنت أرغب في التسلية كنت أطلق العنان لأفكاري فأشرد طويلا وأذهل . لم يعد عندي مخاوف كما لم يعد لدي طموحات. إنني ـــ باختصارــ أعيش في حالة من السعادة لا نظير لها.
كنت ــ من شرفتي ــ أراقب العالم الخارجي، وألاحظ ما يطرأ عليه من التغيرات. لا أدري كم أتى عليّ وأنا في هذه الحالة ، لقد فقدت إحساسي بالزمن، ولكن المرآة، والصلع الذي ألم يرأسي ، ولحيتي الطويلة البيضاء، والألم الذي حل في مفاصلي، كل تلك الأشياء كانت تخبرني وتقول لي : لقد هرمت وبلغت من الكبر عتيا.


0 Comments:
Post a Comment
<< Home