طبيب المنطقة
طبيب المنطقة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكاتب: تورجينيف ترجمة: د. عبد الرحمن دركزللي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في أحد أيام الخريف لدى عودتي من مكان ناء من البلاد، أصابني برد فوقعت مريضا، لحسن الحظ أن الحمى داهمتني في المنطقة وأنا في الفندق. أرسلت خلف الطبيب، وبعد نصف ساعة وصل طبيب المنطقة، نحيف، غامق الشعر، متوسط الطول، وصف لي الدواء المنوم المعتاد، كما وصف لي لزقة خردل، وبمهارة فائقة سحب ورقة الخمسة روبلات ودسها في كمه، سحبها وهو يسعل سعالا جافا،وأخذ ينظر بعيدا كما كان يفعل، ثم إنه نهض ليغادرني ويرجع إلى بيته، ولكن ــ بطريقة ما ــ دخل معي في حديث، وبقي في الغرفة.
كنت مرهقا من الحمى،لذلك شعرت بأنني سأقضي ليلتي أرقا، فرحت قليلا بالحديث مع الزميل الممتع / السار، قــدم لنا الشاي، وأنشأ طبيبي يتحدث بعفوية وراحة تامة، كان رجلا رصينا، قدم نفسه وعرفني بحاله بكثير من الحيوية والمرح.
هنالك أمور غريبة عجيبة تحصل في هذه الدنيا، منها أنك قد تعاشر شخصـا ردحا من الزمن، وتكون على وفاق معه،لكنك مع ذلك لا تستطيع أن تتكلم معه بصراحة من أعماقك، و قد تصادف شخصا وليس عندك حتى الوقت اللازم للتعرف إليه ، لكنك تبوح له مباشرة وعلى الفور بكل أسرارك ويبوح لك بكل أسراره كأنه في حالة اعتراف.
لا أدري كيف تمكنت من كسب ثقة الزميل الجديد علما بأنه لا يوجد هنالك ما يستدعي ذلك . لقدأفضى إلي بحادثة غريبة، ولمعلومات القارئ فأنا أعتزم أن أسردها مستخدما الكلمات نفسها التي تفوه بها الطبيب.
بدأ الطبيب يتحدث بصوت خافت متهدج( وهذا بسبب اســـــــتخدام ســــــعوط بيرزوف النقي )، فقال " حتما لا تعرف من القاضي هنا، إنه ميلوف بافل لوكيتش؟ طبعا أنت لا تعرفه ؟ ولكن لا بأس" ( تنحنح ونظف حنجرته وفرك عينيه ) " حسنا حدث ما حدث، وسوف أروي لك الحادثة كما حصلت بأمانة، في ( لنت ) وفي وقت ذوبان الجليد بالذات، كنت جالسا في بيت قاضينا، وكنت ألعب لعبة الاختيار ( برفرنس )
إن قاضينا شخص طيب، وهو مولع بلعب لعبة الاختيار، وفجأة ( الطبيب يستخدم كثيرا هذه الكلمة، أي : فجأة ) قال لي : " هنالك خادم يسأل عنك"، قلت: " ترى ماذا يريد؟" قال: يقولون إنه يحمل كتابا معه،ولا بد أنه من أحد المرضى. قلت له " ناولني الكتاب" وبالفعل فقد كان من أحد المرضى، حسنا لا بأس فهذا مدار / سبب لقمة العيش، وهذا ما حدث بعد ذلك: سيدة أرملة كتبت إلي، تقول: : " إن ابنتي تكاد تموت، تعال أرجوك من أجل الله! أما الخيول فقد أرسلناها إليك"
طيب لا بأس. ولكن المريضة كانت على مسافة عشرين ميلا من البلدة، و الليل قد انتصف في الخارج، كما أن الطرقات في حالة سيئة . أقول بصدق " بما أن السيدة نفسها فقيرة، فإن المرء لا يتوقع أن يأخذ أكثر من روبلين فضيين، وأحيانا، وهذا ما يحرج يمكن أن يكون الأجر قطعة من الكتان وكيسا من الشوفان.
على كل حال الواجب ــ كما تعلم ــ يأتي قبل كل شيء، لذلك أعطيت بطاقتي مباشرة لـ ( كاليوبين ) عضو اللجنة الريفية، ورجعت إلى بيتي. نظرت فرأيت عربة بائسة صغيرة تقف على مسافة خطوات،ولها خيول كتلك التي في القرى، وسرج من اللباد الخشن،وكان الحوذي يجلس في قمرته وقد نزع قبعته عن رأسه من باب الاحترام.
ثم قلت لنفسي، إنه من الواضح ، وهنا لا بد لي من الاعتراف، يا صديقي، أن هؤلاء المرضى ليسوا من الأغنياء، طبعا أنت تضحك، فرجل مسكين مثلي يجب أن يلاحظ كل شيء ، فإذا كان الحوذي يجلس كالأمير، ، ولا يلمس قبعته ، ويسخر منك من وراء لحيته،ويخفق بسوطه خفقا فذلك يعني أنك ستأخذ ستة روبلات، ولكنني ــ هذه المرة ــ لم أجد ما يشبه ذلك، ولكن لا مفر لي من أداء الواجب. فالواجب يأتي قبل كل الأشياء.
أخذت معي بسرعة العقاقير الضرورية جدا، وانطلقت. هل تصدق ؟ حاولت أن أصل إلى هناك بكل ما اوتيت من قوة ، كان الطريق جحيما : سيول، ثلج ، مجار، أما القناة فقد انفجرت فجأة وهذا أسوأ ما في الأمر. على كل حال، وصلت أخيرا. كان البيت كوخا مسقوفا بالقش، كانت هناك أنوار تنبعث من النوافذ مما يدل على أنهم كانوا يتوقعون قدومي. استقبلتني سيدة عجوز في غاية الوقار تضع على رأسها قبعة، وهي تقول : " أنقذها ! " " إنها تكاد تموت "، فقلت لها : " أرجوك لا تجزعي .. أين المريضة ؟ " قالت : " تفضل معي من هنا "
دخلت، فشاهدت غرفة نظيفة، ومصباحا موضوعا في ركن الغرفة، وعلى السرير تمددت فتاة في العشرين من العمر، وهي فاقدة الوعي، كانت تتقد نارا، و تتنفس بصعوبة، إنها الحمى.
كانت هنالك فتاتان خائفتان تبكيان، إنهما شقيقتاها، قالتا لي : " البارحة كانت على خير ما يرام،وكانت شاهيتها جيدة، ولكنها عند الصباح من هذا اليوم اشتكت من رأسها ، وفي المساء فجأة حدث ما تراه الآن"، قلت لهما من جديد: " أرجوكما، لا تقلقا، هذا شغل الطبيب كما تعلمان" ، ثم إنني صعدت إلى المريضة لأفصدها، وطلبت إليهما أن تضعا لها لزقة خردل، ووصفت لها خلطة. في تلك الأثناء نظرت إليها ،وقسما بالله لم أر في حياتي قط وجها بمثل هذا الحسن! كانت رائعة الجمال بالفعل. لذلك استشعرت تجاهها الشفقة والعطف.
يا لتلك القسمات ! ويا لتلك العينين ! على كل حال ــ والحمد لله ــ أخذت تتصبب عرقا، وبدا واضحا أنها أخذت تسترد وعيها ، راحت تنقّــل بصرها في أرجاء الغرفة، ابتسمت ثم وضعت يدها على وجهها ... انحنت أختاها فوقها. وسألتاها: " كيف حالك ؟ " فقالت : " أنا بخير " ثم أشاحت بوجهها . نظرتُ إليها ؛ فرأيت أنها أخذت تغط في النوم فقلت : " حسنا ، ينبغي لنا الآن أن ندع المريضة وحدها" وهكذا أخذنا كلنا نمشي على رؤوس أصابعنا،ولم يبق عندها سوى خادمة لكي تكون في خدمتها إذا احتاجت شيئا.
كان في الردهة ( الصالون ) سماور شاي موضوع على المنضدة، وزجاجة روم ؛ في مهنتنا لا يمكن الاستمرار في العمل من دونه. قدموا لي شايا، وناشدوني أن أبقى عندهم تلك الليلة.. فوافقت: وأين يمكنني أن أذهب بالفعل في ذلك الوقت المتأخر من الليل؟
ظلت السيدة العجوز تئن وتتأوه قلت لها: " ما لك ؟ سوف تعيش لا تخافي ولا تقلقي، الأفضل لك أن ترتاحي فالساعة تقترب من الثانية، لكن ينبغي لك أن ترسلي خلفي إذا ما حدث شيء" قالت: نعم، نعم . ثم إنها ذهبت، كما ذهبت الفتاتان أيضا إلى غرفة النوم.
أعدوا لي فراشا في الصالون.
ثم إنني ذهبت لأنام، لكنني لم أستطع النوم وهذا عجيب لأنني كنت متعبا جدا . لم أستطع أن أنسى مريضتي وأن أبعدها من عقلي. وأخيرا لم أعد قادرا على الصبر أكثر من ذلك. نهضت فجأة, وقلت لنفسي: " سوف أذهب لأرى كيف حال المريضة وهل تتحسن " ، كانت غرفة نومها تجاور الصالون، وعلى كل ، نهضت، وبلطف فتحت الباب، ولكن لا يمكنك أن تتخيل كيف كان قلبي يخفق، نظرت إلى داخل الغرفة: فرأيت الخادمة البائسة نائمة وفمها مفتوح حتى إنها كانت تشخر، أما المريضة ، الفتاةالمسكينة، فقد اضطجعت ووجهها متجه إليّ، بينما ذراعاها ارتمتا بعيدا. دنوت منها..
عندما فتحت عينيها فجأة وحدقت فيّ ، قالت " من أنت؟، من أنت ؟ " اعترفت لها ، وقلت: " لا تجزعي ياسيدتي فأنا الطبيب، وقد أتيت لأرى كيف حالك".
قالت: " أأنت الطبيب؟ " قلت: " أجل أنا الطبيب، أمك أرسلت خلفي من البلدة، قمنا بفصدك يا سيدتي،أرجوك أن تنامي الآن ,وإن شاء الله، بعد يوم واحد، سوف نجعلك تقفين على قدميك من جديد" . قالت : " ياليت ياليت.. أرجوك أيها الطبيب، أرجوك لاتدعني أموت" قلت: " ولم تتكلمين بهذ الطريقة؟ " قلت في نفسي: لقد عاودتها الحمى من جديد، جسستُ نبضها ، أجل كانت في حالة حمى، نظرتْ إليّ ثم جرتني من يدي، وقالت: " سأقول لك لماذا لا أريد أن أموت: سأقول لك .. إننا الآن وحدنا، وليس هنالك أحد، أرجوك ألا .. لأي مخلوق .. اسمع "انحنيت، فقربت شفتيها جدا من أذني، فلامست خدي بشعرها ــ لا بد لي ههنا من أن أعترف بأن رأسي أخذ يدور ــ وراحت تهمس.. لكنني لم أستطع أن أفهم شيئا مما تهمس به ، آه .. لقد كانت في حالة هذيان!
ظلت تهمس وتهمس، ولكن بشكل سريع، وكأنها لا تتكلم باللغة الروسية:وأخيرا توقفت، وألقت رأسها ، وهي ترتجف، على المخدة، ثم حذرتني بإصبعها : " إياك يا دكتور أن تخبر أحدا" هدأت من روعها، وأعطيتها شيئا تشربه، ثم أيقظت الخادمة، و ذهبتُ.
عند تلك اللحظة، أخذ الطبيب يستنشق السعوط بقوة، وبدا لي ــ لوهلة ــ أنه أصبح بتأثيره كالمخبول. ومع ذلك فقد استمر الطبيب في الحديث، فقال: " في اليوم التالي، وخلافا لتوقعاتي، لم تحرز المريضة تقدما. فكرت وفكرت، ثم قررت فجأة أن أبقى هناك، مع أن مرضاي الآخرين كانوا يرتقبونني وينتظرونني.. و ــ كما تعلم ــ فأنت لا تستطيع أن تتجاهلهم ــ لأنك سوف تتألم إذا كان مريضك يتألم، إن ما دفعني إلى البقاء هو أولا أن مريضتي كانت فعلا في حالة خطر، وثانيا: وللحقيقة ، شعرت بالانجذاب إليها بقوة، فضلا عن أنني أحببت الأسرة كلها ، لأن أفرادها ــ بالرغم من ظروفهم الصعبة جدا ــ مثقفون بشكل واضح .. كان أبوهم رجلا متعلما، كان مؤلفا، مات، طبعا ، في حالة فقر، لكنه ــ على كل حال ــ حاول ــ قبل أن يموت ــ أن يعلم أبناءه ويربيهم تربية صالحة، وقد خلف لهم الكثير من الكتب، أيضا.
لا أبالغ إذا قلت لك: إن جميع أفراد البيت أحبوني كما لوكنت واحدا منهم، وذلك إما لأنني اعتنيت بالمريضة اعتناء كبيرا، وإما لسبب آخر... في تلك الأثناء أصبحت الطرقات في حالة سيئة أكثر من قبل؛ كما أن الاتصالات كلها انقطعت تماما إذا صح القول. وحتى الدواء أصبح الحصول عليه من البلدة عسيرا. أما المريضة فلم تكن حالتها تتحسن.. ويوما بعد يوم .. لكن .. ...(هنا توقف الطبيب لحظة قصيرة ) وبصراحة ولا أدري كيف أشرح لك ( أخذ الطبيب نشقة وسعل، وشرب قليلا من الشاي ).
سأخبرك بما جرى بشكل مباشر من غير لف ولا دوران. إن مريضتي ..لا أعرف كيف أعبر لك ... قد وقعت في غرامي ( هنا أطرق الطبيب برأسه واحمر خجلا ، لكنه استأنف الحديث بسرعة ) في الواقع يجب على الإنسان ألا يبالغ في تقدير ذاته/ مدحه نفسه ، كانت الفتاة متعلمة مثقفة جدا وذكية ، أما أنا ــ بصراحة ــ فقد نسيت لاتينيتي تماما.
وبالنسبة للمظهر ( هنا نظر الطبيب إلى نفسه مبتسما ) فأنا ليس لدي من كل تلك الأمور شيء أفخر به.لكن الله العلي القدير لم يحرمني نعمة العقل ولم يخلقني أبله، ، فأنا أميز بين الأبيض والأسود، وأعرف بشكل يقيني كيف أميز بين أمرين، على سبيل المثال فــ ( ألكسندرا آندرييفينا، وهذا اسمها ) لم تحببني، بل كان لديها ــ لنقل بصراحة ــ نوع من الود أو ميل نحوي، أو احترام لي لسبب ما. ربما كانت مخطئة في مشاعرها، لكن هكذا كان موقفها مني، لعلك أخذت فكرة عني ، ولكن ــ أضاف الطبيب الذي تفوه بكل هذه الجمل المفككة بنفس متصل وبحرج ظاهر ــ لست أدري ما إذا كنت قادرا على تفهم الحالة ،وإلا فسأقوم بربط هذه الأمور المتقطعة كلها ببعضها كي تتضح لك الأمور.
يشرب الطبيب قدحا من الشاي، ويبدأ حديثه بصوت أخفت/ أوطأ مما كان:
على كل، فإن حالة مريضتي أخذت تسوء وتسوء. طبعا أنت لست طبيبا يا سيدي الفاضل، وبالتالي لا تستطيع أن تتصور ماذا يحدث عندما يشعر الشخص المسكين أن المرض قد تمكن منه، كما لا تستطيع أن تتخيل كيف تصبح ثقته بنفسه ؟ إنك كطبيب ستشعر بأنك أصبحت فجأة جبانا،إنها حالة لا يمكن وصفها، وبعد ذلك تحس بأنك نسيت كل شيء تعرفه، وأن المريض لم يعد يثق بك، كما أن الآخرين ينتبهون إليك، ويلاحظون أنك تكثر من الشرود فلا يخبرونك عن الأعراض إلا بعد تردد، وربما نظروا إليك بشك وارتياب، وتهامسوا: أوه هذا فظيع!
وقد تقول في نفسك: لا بد أن هنالك دواء لهذا المرض؛ ياليتني أعثر عليه! أليس كذلك ؟ ثم إنك تحاول أن تجده .... لكنك تكتشف أنه ليس هو الدواء المناسب، لأنك تكون متعجلا فلا تعطي الدواء الوقت اللازم كي يأخذ مفعوله.. ثم تتعلق بدواء آخر، ثم بدواء ثالث. وفي بعض الأحيان تعمد إلى مرجع طبي بحثا عن وصفة مناسبة .. تقول جازما : ها هي ذي الوصفة المناسبة .. وأحيانا ــ قسما بسيدنا أيوب ــ تعثر على دواء بالمصادفة، بعد أن تكون قد يئست و استسلمت للقدر.. وربما أشرف مريضك على الموت، ثم جاء طبيب آخر وأنقذه، وربما تقول لأهل المريض: " يجب علينا أن نقوم بعمل استشارة/ كونسلتو، فأنا لا أستطيع تحمل المسؤولية وحدي، وكم ستبدو غبيا في عيونهم في مثل تلك الحالات! وفي بعض الأحيان تصبر على ما حدث وتتحمل الحرج، وتقول في قرارة نفسك: إنه ليس خطئي؛ لقد اتبعت ونفذت كل التعليمات لكن دون جدوى.
لكن الذي يعذبك إلى أقصى حد هو أن ترى الناس يثقون بك ثقة عمياء بينما أنت تحس أنك غير قادر على عمل أي شيء نافع. وهكذا كان الأمر مع أسرة ألكسندرا أندريفينا فلقد وثقوا بي أشد الوثوق وعلقوا علي كل الأمل، لقد نسوا أن ابنتهم أصبحت في حالة خطرة، وأنا أيضا كنت أؤكد لهم أن الأمر بسيط وإن كنت ـــ في الوقت نفسه ـــ أحس بأن قلبي قد غار حتى وصل إلى جزمتي/ حذائي. ومما زاد الطين بلة أن الطرقات كانت في حالة سيئة جدا حتى إن الحوذي ــ إذا ذهب لإحضار الدواء ــ كان يحتاج إلى أيام كاملة. كما أني لم أستطع أن أغادر غرفة المريضة قط، كنت أحكي لها قصصا مسلية، وألعب الشدة معها، وأسهر ليلا بجانبها لأراقب حالتها.
كانت الأم العجوز تشكرني وعيناها مغرورقتان بالدموع، فأقول في نفسي : " أنا لا أستحق شكرك" ولا بد لي ههنا من أن أعترف لك بصراحة ، فلم يعد هنالك الآن ما يدعو إلى الكتمان ، بأنني أحببت مريضتي، كما أن ألكسندرا أندرييفينا ازددات تعلقا بي، حتى إنها كانت أحيانا لا تسمح لأحد غيري بالدخول إلى غرفتها، بدأت تتحدث معي، تسألني أسئلة : أين درست، كيف عشت، ومن هم أهلك، ومن الذين عاشرتهم ؟؟. كنت أعلم أنه يجب ألا تتكلم لكنني لم أستطع أن أثنيها عن عزمها ،ولم أفلح في منعها من الكلام.
وفي بعض الأحيان كنت أضع رأسي بين يدي، وأقول لنفسي: " ما الذي تفعله أيها السافل؟ " لكنها لا تلبث أن تمسك بيدي ، وتلقي علي نظرة طويلة، طويلة جدا، ثم تستدير فتتأوه وتقول: " كم أنت طيب ! " كانت تقول لي ويداها حارتان ساخنتان جدا من الحمى، وعيناها كبيرتان وذابلتان: " أجل، أنت إنسان طيب لطيف، أنت لست كجيراننا.. لا أنت لست مثلهم .. لم لم أتعرف عليك إلا الآن ؟. فأرد عليها قائلا : " هدئي من روعك يا ألكسندرا آندرييفينا !إأشعر ــ صدقيني ــ أنني أحرزت تقدما ولكن لا أعلم ما مقداره .. لكن اهدئي ؛ فكل شيء سيكون على ما يرام، ولسوف تستعيدين عافيتك وصحتك من جديد.
تابع الطبيب حديثه، فقال وهو ينحني إلى الأمام ويرفع حاجبيه : ينبغي لي ههنا أن أخبرك بأنهم كانوا يعاشرون الناس ولكن على نطاق ضيق جدا؛ لأنهم قوم بسطاء وليسوا من مستواهم، كما أن عفة أنفسهم كانت تمنعهم من معاشرة الأغنياء، كاتوا كما قلت لك أسرة مثقفة بشكل منقطع النظير، و هذا ــ كما تعلم ــ ما سرني وأعجبني منهم.
كانت لا تأخذ دواءها إلا من يدي .. وكانت ــ المسكينة ــ لا ترفع نفسها لتجلس إلا إذا ساعدتها أنا على الجلوس، كانت تقول لي : خذ بيدي وهي تحدق في ... أما أنا فكنت أحس بأن قلبي يوشك أن ينفطر.
بعد ذلك اشتدت حالتها الصحية سوءا، وتدهورت إلى حد بعيد ، فقلت في نفسي ستموت ، ستموت حتما، وصدق أنني وددت لو أموت وأدفن في المقبرة بدلا منها. كانت في تلك اللحظة أمها وأختاها ينظرن إلي ويراقبن عيوني ... أخذت ثقتهم في تتزعزع. و"الآن ، كيف حالتها؟" ، "إنها في حالة جيدة ، جيدة ، حالة جيدة بالفعل!" لقد خذلني تفكيري.
مرة كنت جالسا في الليل أسهر وحدي مع مريضتي، وكانت الخادمة جالسة هناك أيضا ولكنها كانت تشخر في المرجوحة: إنني لا أجد أي عيب في سلوك الفتاة المسكينة، لأنها كانت مرهقة ايضا، لم تذق ألكسندرا آندرييفنا طعم الراحة طوال الليل، ذلك أن الحمى أخذت مأخذها منها، وحتى منتصف الليل كانت تحرك رأسها، ولكنها أخيرا غطت في النوم، أو على الأقل اضطجعت بلا حراك، كان المصياح يتقد ويتوهج في ركن الغرفة قبالة صورة السيد المسيح.
جلست أنا أيضا، ورأسي منحن؛ فأنا أيضا غفوت قليلا، وفجأة شعرت كأن أحدا لامسني الداخل،التفت.. يا إلهي! كانت ألكسندرا آندرييفينا تحدق في بنظرة ذات مغزى.. انفرجت شفتاها، وخداها يلتهبان من الحرارة: " ما الأمر ؟ أيها الطبيب ، هل سأموت؟ أرجوك يا رب السموات الرحيم، لا، أيها الطبيب، لا، أرجوك، لا تقل لي إنني سأموت،لاتقل لي ذلك .. إذا كنت تعلم ... اسمع! أرجو من أجل الله ألا تكتم عني حقيقة الأمر" وهنا بدأ نفسها يتسارع، قلت لها: " لو كنت متأكدة من أنني سأموت فلسوف أخبرك بكل .. كل شيء".
" أرجوك يا ألكسندرا آندرييفينا! أن تصغي ، فأنا لم أنم مطلقا .. كنت بجوارك أراقب وضعك لمدة طويلة ... من أجل الله!"
" إنني أثق بك، أنت إنسان طيب، ورجل شريف، أتوسل إليك وأستحلفك بكل مقدس في العالم .. أن تخبرني بالحقيقة، ياليتك تعلم كم هذا مهم بالنسبة إليّ أيها الطبيب، أرجوك من أجل الله أن تخبرني، هل أنا في حالة خطر؟ " ، قلت لها : " إن كل ما أستطيع أن أخبرك به ، يا ألكسندرا أندرييفينا!، هو أنني لن أخفي عنك شيئا، أنت بالتأكيد في حالة خطر، لكن الله رحيم. " سأموت، سأموت" والظاهر أنها سرت، فتألق وجهها،أما أنا فقد شعرت بالخوف " لا تخف ، لا تخف فأنا لا أخشى الموت على الإطلاق" ثم إنها ــ فجأة ــ جلست واستندت إلى مرفقها.
" الآن ..أجل، الآن فقط أستطيع أن أقول لك إنني ممتنة لك من أعماق قلبي.. فأنت إنسان لطيف ونبيل، وأنا أحبك" حدقت فيها كمن أصابه خبل أو مس، كان الموقف محرجا وصعبا بالنسبة إلي. كما تعلم. " هل سمعت ؟ إنني أحبك ! " " ولكن يا ألكسندرا آندرييفينا إنني لا أستحق هذا" ... وفجأة مدت ذراعيها، وقبلتني، ثم أخذت رأسي بين يديها، وقبلته.. صدقني، كدت تقريبا أصرخ .. لكنني جثوت على ركبتيّ، ودفنت رأسي في المخدة،أما هي فلم تنبس ببنت شفة، تحركت أصابعها المرتجفة خلال شعري،ثم انتبهت :فإذا هي تبكي.
أخذت أهدئ من روعها، وأطمئنها ... في الواقع لا أعلم ماذا قلت لها؛ قلت لها: " سوف تشفين أيتها الفتاة " " أشكرك يا ألكسندرا آندريفينا... صدقيني .. اطمئني ..."
قالت بإصرار: " كفى كفى، لا شيء يهم ، دع الأمور تجري كما تشاء، فلست أبالي لأنني سأموت كما تعلم... ولكن مم أنت خائف؟ لم أنت خائف؟ هيا ارفع رأسك .. أم أنك لا تحبني؟؟، ربما كنت أنا مخطئة... لكنني أرجو في هذه الحالة أن تغفر لي و تصفح عني" " ماذا تقولين يا ألكسندرا آندريفينا.. إنني أحبك " عند ذلك نظرت مباشرة إلى عيني، وفتحت ذراعيها، وقالت:" إذا خذني بين ذراعيك" .
أقول لك بصراحة لم أدر كيف لم أجن تلك الليلة، شعرت أن مريضتي تقتل نفسها، إذ لم تكن على الإطلاق هي هي، إنني أعرف أيضا أنه لو لم تعتبر نفسها على حافة الموت، لما فكرت فيّ على الإطلاق. كان من الصعب عليها في الواقع أن تموت في العشرين دون أن تذوق طعم الحب؛ هذا ما كان يعذبها، وهذا هو السبب الذي دفعها ــ بيأس ــ إلى التشبث والتعلق بي،أ فهمت الآن لماذا ضمتني بين ذراعيها ولم تسمح لي بالذهاب.
قلت لها: " ارحميني با ألكسندرا آندريفينا، وارحمي نفسك"، قالت " لماذا؟ وهل هنالك شيء آخر نفكر فيه ؟ أنت تعلم أنني سأموت ... كررت هذا عدة مرات بشكل متواصل... " لوكنت واثقة أنني سأعود إلى الحياة، وأنني سأكون صبية معافاة لكنت خجلت .. بالطبع .. خجلت .. ولكن ما الداعي إلى الخجل الآن؟ "
ولكن من قال لك : إنك ستموتين؟" ..... أوه ، لا ، اخرج من هذا،فأنت لن تستطيع أن تخدعني، أنت لا تعرف كيف تكذب ؛ انظر إلى وجهك! .. "
سوف تعيشين يا ألكسندرا آندريفينا، أنا سأعالجك وأشفيك، ، وسوف نطلب من والدتك أن تباركنا.. سوف نتزوج ونكون سعداء"
" لا، لا ، لقد سمعت ما قلت ، سأموت .. لقد وعدتني... لقد أخبرتني".
كان ذلك قاسيا علي.. قاسيا لعدة أسباب. وتأمل كيف تسير الأمور أحيانا، في الظاهر ليس هنالك شيء، لكنه أمر مؤلم. خطر لها أن تسألني عن اسمي، لا عن كنيتي، بل عن اسمي الأول، ولو أنهم نادوني به لشعرت بالتعاسة:( تريفون )، نعم بالفعل: ( تريفون إيفانفيتش)، ولكن كل من في المنزل كان يناديني : يا دكتور. وبالرغم من أنه لا فائدة فيه، فقد قلت لها : "تريفون يا سيدتي، فعبست. ثم هزت رأسها، وتمتمت بالفرنسية، بشيء غير سار، بالطبع! ثم مالبثت أن ضحكت بشكل مزعج أيضا.
المهم، أنني قضيت الليلة كلها معها بهذه الطريقة / على هذا النحو. قبل الصباح ذهبت وأنا أشعر كأنني مجنون، عندما دخلت مرة ثانية إلى غرفتها كان الوقت ضحى، أي بعد وقت تناول شاي الصباح، ولكن ــ والعياذ بالله ــ بالكاد استطعت أن أتعرف عليها،فالناس ، وهم مضطجعون في قبورهم يمكن أن يكونوا أفضل منها حالة، أقسم لك بشرفي، فأنا الآن لا أفهم ، لا أفهم مطلقا ــ كيف خضت تلك التجربة. ثلاثة أيام وليال كانت مريضتي تترنح،ويالها من ليال! ويا لتلك الأمور التي حدثتني بها! تخيــل في الليلة الأخيرة ، جلست بجوارها وظللت أدعو الله من أجل شيء واحد : " خذها يا رب بسرعة وخذني معها !"
تدخل الأم العجوز بشكل غير متوقع إلى الغرفة، وكنت قد أخبرتها ( أخبرت الأم ) من قبل في الليلة الفائتة،أن هنالك أملا ضعيفا، ولذلك فمن المستحسن استدعاء أحد القسس. وعندما رأت الفتاة المريضة أمها قالت: " حسنا فعلت إذ أتيت، انظري إلينا، إننا نحب بعضنا بعضا، لقد تعاهدنا على الحب" قالت الأم : " ما الذي تقوله الفتاة أيها الطبيب؟ ما الذي تقوله ؟ التفت إليها قائلا: " إنها تهلوس" " إنها الحمى " ولكن الفتاة قالت : " صه صه لقد كنت الآن فقط تقول شيئا مختلفا تماما عما تقوله الآن، كما أنك أخذت خاتمي، فلم تغير كلامك؟ إن أمي امرأة طيبة ، سوف تصفح، وسوف تتفهم الأمر، ثم إنني سأموت.. فلا حاجة لي إلى الكذب؛ هيا هات يدك" هنا قفزت وخرجت من الغرفة. السيدة العجوز ، بالطبع ، أدركت كيف حصل ذلك.
أضاف الطبيب قائلا بسرعة وهو يتأوه : " لن أرهقك أكثر من هذا بحديثي ، ولن أرهق نفسي أيضا، لأن تذكر كل هذه الأشياء أمر يؤلمني .
توفيت مريضتي في اليوم التالي، " اللهم أدخل الراحة على روحها " .و قبل وفاتها طلبتْ من أفراد أسرتها أن يخرجوا و يتركوني وحدي معها. قالت لي: " سامحني، فربما كنت جديرة بلومك..إنه المرض ... ولكن صدقني لقد أحببتك كما لم أحبب أحدا من قبل.. لا تنسني.. وحافظ على خاتمي".
هنا أراد الطبيب أن يغادر، فأخذت يده.
قال: " آه .. دعنا نتحدث في موضــــــوع آخر، ما رأيك في أن نلعب لعبة التفضيل ، على مبلغ بسيط؟ فليس لواحد من أمثالي أن يفتح المجـــــل أمام نفسه للعواطف الراقية. ليس أمامي إلا شيء واحد فقط ينبغي لي أن أفكر فيه وأنشغل به ؛ وهو كيف أســــــــتطيع أن أحول دون بكاء الأطفال وشتائم الزوجة.
بعد تلك الحادثة سنحت لي الفرصة، فدخلت في علاقة زواج شرعي كما يقولون ، ... أوه .. لقد تزوجت ابنة تاجر، مهرها ( دوطتها ) سبعة آلاف ، تدعى( أكـوليـــنا )؛ وهو اسم يناسب اسم (تريفون) . ولا بد لي هاهنا من أن أعترف لك بأنها امرأة سيئة الطبع شريرة إلا أنها ــ لحسن الحظ ــ تنام طوال النهار. ولكن ــ ليت شعري ــ أتصلح أن تكون تفضيلا؟
جلسنا بعد ذلك لنلعب لعبة التفضيل على نصف بنس، فربح تريفون إيفانتش مني روبلين ونصفا، ثم ذهب إلى بيته متأخرا. أجـل ذهب وهو مسرور بفوزه.


0 Comments:
Post a Comment
<< Home