الورقة الأخيرة
الورقة الأخيرة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تأليف: أو. هنري 1862 ــ 1910م. ترجمة: د. عبد الرحمن دركزللي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في منطقة صغيرة بغرب واشنطن سكوير بمدينة نيوبورك حيث تفرعت الشوارع إلى دروب صغيرة سميت " الأماكن " . هذه الأماكن شكلت زوايا غريبة ومنعطفات. أحد الطرقات تقاطع مع نفسه مرة أو مرتين. الغريب يمكن أن يضيع بسهولة. أحد الفنانين الذين يعيشون هنالك لاحظ مرة مزايا هذا القسم من المدينة ، وهي أن جابي الفواتير يمكن أن يجد نفسه راجعا دون أن يقدر على جباية سنت واحد.
لذلك كي يتعرف أهل الفن على قرية غرينويتش القديمة راحوا يبحثون عن النوافذ الشمالية ( من أجل الإضاءة الجيدة ) والشقق القديمة والعليات الهولندية وبالطبع الإيجارات الرخيصة. وما لبثت أن نشأت هنالك مستعمرة لهم .
في أعلى بناء قرميد قبيح من ثلاث طوابق ، اتخذت كل من سو وجونسي الأستوديو الخاص بهما. واحدة كانت من ماين ، والأخرى من كاليفورنيا. كانت قد تقابلتا فيمطعم صغير، وراحت تتحدث ، وتكتشف ذوق الأخرى في مجال الفن والبطعام والأزياء، وكانتا متشابهتين إلى حد كبير بحيث قررتا أن تتشاركا على أستوديو. كان ذلك في شهر مايو. ولكن في شهر نوفمبر قدم غريب بارد غير مرئي ، سماه الدكاترة نيومونيا ( ذات الصدر ) وأنشأ يتجول داخل المستعمرة، يصيب واحدا هنا وآخر هناك بأصابعه الجليدية. هنالك عند الطرف الشرقي، مر المخرب الرهيب مسافرا بشجاعة وجرأة أخذا معه الكثير من ضحاياه، لكنه ذهب بطيئا خلال فوضى منطقة الأماكن في القرية.
لم يكن السيد نيومانيا ممن يسمى العجوز الجنتلمان المهذب. ولئن تمكنت الشابة الصغيرة من كاليفورنيا قوية من التخلص منه بسبب قوتها فإنه تمكن من ضرب جونسي.
اضطجعت غير قادرة على الحركة، على سريرها الحديدي المدهون، تنظر من خلال النوافذ الهولندية الصغيرة إلى الجانب الفارغ من البيت المبني بالقرميد. وفي أحد الأيام دعا الطبيب المشغول سو ، فخرجت إلى الممر / الدهليز وعلى وجهه مظاهر القلق.
قال لها وهو يخض الزئبق في مقياس الحرارة: " لديها ــ دعينا نقل ــ واحد من عشرة من الحظ لكي تبقى على قيد الحياة ، هذا إذا كنت ترغب في الحياة، أنا لا افهم كيف أن الناس ولا سيما الشباب من أمثال جانسي يقطعون الأمل ويستسلمون. لقد آمنت تلك السيدة الصغيرة بأنها لن تتحسن. أخبريني هل هنالك شيء يستولي على عقلها في الوقت الحالي؟ شيء يجعلها لا ترغب في الحياة؟
قالت سو: " نعم لقد أرادت أن ترسم لوحة لخليج نابلس يوما."
أن ترسم؟ ـ ـ سخف! هل هنالك شيء في عقلها يستوجب التفكير مرتين ـ رجل مثلا ؟
قالت سو وفي صوتها حشرجة: " رجل ؟ " " هل الرجل يستوجب التفكير ــ ولكن لا يا دكتور ؛ ليس هنالك شيء من هذا".
قال الدكتور : حسنا ، إذا إنه الضعف ، سأفعل كل ما ــ وكل ما بوسعي ــ توصل إليه العلم، ولكن عندما يبدأ المريض بالتخطيط ليوم جنازته أقوم بطرح خمسين في المئة من تأثير الدواء. لو استطعت أن تجعلينها تجيب عن سؤال واحد فقط : وهو ما آخر / أحدث أزياء الشتاء. إذا لقلت لك هنالك خمسة من عشرة من الحظ لها عوضا من واحد من عشرة.
بعد أن ذهب الطبيب، ذهبت سو إلى غرفة العمل ( الوركرووم ) وبكت حتى إنها حولت منديل الورق إلى لباب مبلل. ثم دخلت إلى غرفة جونسي ومعها لوحة الرسم، وهي تغني تترنم بلحن موسيقي صاخب.
كانت جونسي مضطجعة بالكاد تحدث موجة من الموجات في البطانيات و وجهها متجه إلى النافذة، توقفت سو عن الصفير معتقدة أن جونسي كانت نائمة.
ركبت سو لوحتها وبدات برسم منظر بالحبر المائي لتصور قصة من قصص المجلات؛ فالفنانون الشباب يجب أن يشقوا طريقهم إلى الفن من خلال رسم صور لقصص المجلات يكتبها الكتاب الشباب ليشقوا طريقهم إلى عالم الأدب.
وبينمكا كانت سو ترسم بنطالا انيقا من تلك التي يرتديها المشاركون في معرض لركوب الخيل لراعي بقر من ايداهو، سمعت صوتا خفيفا، تكرر الصوت عدة مرات، هرعت إلى جانب السرير الحديدي . كانت عينا جونسي مفتوحتين تماما. كانت تنظر من خلال النافذة وهي تعد ــ عدا رجعيا.. قالت " إثنا عشر" وبعد قليل " أحد عشر" وثم " عشرة" و " تسعة" وبعد ذلك " ثمانية" وسبعة تقريباً معاً.
نظرت سو من خلال النافذة. ولكن ماذا هنالك كي تقوم بعده ؟ ما كان هنالك سوى ساحة عارية موحشة يمكن أن ترى وجانب فارغ من بيت مبني بالقرميد يقع على مسافة عشرين قدماً. ودالية عنب قديمة التصقت بالجدار وأصابها عفن عند الجذور تسلقت نصف المسافة من الجدار المبني بالقرميد. النفس البارد للخريف كان قد نفح الأوراق أوراق الدالية حتى إن الأغصان الأساسية أصبحت عارية.
ماذا هنالك يا عزيزتي؟ هلا أخبرت سودي حبيبتك
" أوراق على دالية العنب وعندما تسقط الورقة الأخيرة فأنا أسقط أيضاً لقد علمت ذلك منذ ثلاثة أيام. ألم يخبرك الطبيب؟"
قالت سو بتذمر ..أوو .. لم أسمع إطلاقاً بمثل هذه السخافات. وما علاقة أوراق الدالية القديمة بتحسن صحتك؟ أنت كنت تحبين الدالية كثيراً فلا تكوني سخيفة إلى هذا الحد ولماذا يخبرني الطبيب هذا الصباح فقط بأن حظوظك هي واحد على عشرة , لماذا ذلك تقريباً حظ جيد كاللذي كان لنا عندما كنا في المدينة وعندما كنا نركب السيارات. حاولي أن تأخذي قليلاً من الحساء الأن ودعي سودي ترجع إلى ما رسمته لعلها تستطيع بيعه وشراء بعض خمرة بورت لمريضتها الصغيرة وبعض اللحم لنفسها.
قالت جونسي وهي تنظر إلى النافذة بعيون ثابته: " لا حاجة لك أن تشتري مزيداً من الخمر" " هنالك شيء أخر فأنا لا أريد أي حساء إن الأوراق أربع فقط وأنا أريد أن أرى الورقة الأخيرة تسقط قبل هبوط الليل ثم إنني أذهب أيضاً, قالت سو منحنية عليها " جونسي يا عزيزتي هل تعدينني بإبقاء عينيكي مغمضتين وبعدم النظر من النافذة حتى أكمل عملي ؟ فأنا يجب أن أسلم هذه الرسوم قبل غد . إنني بحاجة إلى الضوء أو فإنني سأسدل الستائر .
سألت جونسي ببرود: " ألا يمكنك أن تنسحبي إلى الغرفة الأخرى ؟"
قالت سو :" أفضل أن أظل هنا بقربك أنا لا أريد أن أتركك تنظرين إلى تلك الأوراق السخيفة أوراق الدالية.
قالت جونسي وهي تغمض عينيها وتتضجع شاحبة وساكنةً كالتمثال الواقع :" أخبريني بمجرد أن تنتهي لأنني أريد أن أرى الورقة الأخيرة تسقط فأنا مللت من الانتظار وضجرت من التفكير. أريد أن أرخي قبضتي عن كل شيء وأن أغوص نحو الأسفل تماماً مثل واحدة من تلك الأوراق البائسة المتعبة.
قالت سو : " حاولي أن تنامي . يجب أن أستدعي بهرمان ليكون موديلي لعامل منجم وحيد عجوز لن أذهب إلا دقيقة لا تحاولي أن تتحركي حتى أرجع إليك"
العجوز بهرمان كان رساماً وكان يسكن في الطابق الأرضي تحتهما. كان قد تجاوز الستين وله لحية تشبه لحية تمثال موسى الذي نحته مايكل أنجلو, كان بهرمان فاشلاً في الفن لقد حاول أن يرسم مدة أربعين سنة لكنه لم ينجز شيئاً مهماً ولعدة سنوات قام برسم لوحات إعلان وكان في بعض الأحيان يلعب دور الموديل بالنسبة للفنانين في المستعمرة وهو ما يزال يتحدث عن القطعة الفنية التي سوف يرسمها في يوم من الأيام. أما فيما تبقى من الوقت فقد كان حامياً للفنانتين الشابتين التين تسكنان في الأستوديو الواقع فوق شقته .
وجدت بهرمان في مقره المضاء بشكل باهت في إحدى الزوايا كان هنالك قنب فارغ موضوع على حامل/ سيبا ينتطر هنالك مدة خمس وعشرين سنة لكي تبداًالضربة الأولى من القطعة الفنية. أخبرته عن فكرة جونسي وكيف أنها خافت من أن صديقها سوف يعوم بعيداً عندما قبضتها الضعيفة على العالم تصبح أضعف إن العجوز بهرمان بعينيه الحمراوين الدامعتين بشكل واضح صرخ رداً على ذلك " ماذا! هل هنالك ناس في الدنيا بمثل هذه الحماقة يموتون لأن أوراق الدالية تتساقط ؟ أنا لم أسمع بحياتي يمثل هذا الشيء لا , أنا لن أقف لك. لماذا تدعين مثل هذه السخافات تعشش في رأسها اه مسكينة جونسي تلك الأنسة الصغيرة ! "
قالت سو : إنها مريضة جداً وضعيفة, كما أن الحمى جعلتها تتخيل أن الموت قادم . حسناً يا سيد بهرمان , إذا كنت لا تريد أن تقف" بوز" من أجلي فلا بأس عليك ولكن أعتقد أنك عجوز فظ ــ عجوزغبي.
صرخ بهرمان " أنت مثل امرأة تماما " ، " من قال إنني لن أقف لك ؟ تابعي، أنا جئت معك، لمدة نصف ساعة، أتى علي وأنا أحاول أن أقول لك إنني جاهز للوقوف. يا إلهي .. أي مكان هذا ؟ سوف أرسم في يوم من الأيام لوحة رائعة، ونحن كلنا سوف نمضي.
كانت جونسي نائمة عندما صعدا الدرج. جرت سو الستارة وأشارت إلى بهرمان كي يدخل إلى الغرفة الأخرى
وهناك نظرا من النافذة إلىبذعر إلى الدالية. ثم نظر كل منهما إلى الآخرلوهلة دون أن ينبسا ببنت شفة . كان مطر بارد يهطل، ممزوجا بالثلج. أخذ بهرمان مقعد كعامل منجم منفرد مع إبريق شاي مقلوب على صخرة.
عندما استيقظت سو في الصباح التالي بعد ساعة من النوم، وجدت جونسي مستيقظة،بعينين جامدتين ومفتوحتين تحدقان في الستارة الخضراء. أمرت هامسة: " اسحبيها ؛ أريد أن أرى " نفذت سو الأمر مرهقة.
ولكن ياللعجب ! فبعد المطر العنيف الذي ضرب وهبات الهواء العنيفة على جدار القرميد لم تزل هنالك ورقة دالية واحدة، ورقة دالية واحدكانت الأخيرة في الدالية، ماتزال بلون أخضر داكن بالقرب من الجذع، كانت تصفرعند حوافها.لكنها لم تزل متشبثة بشجاعة بغصن على ارتفاع عشرين قدما فوق الأرض.
قالت جونسي: " إنها الورقة الأخيرة " ، " خطر لي أنها سوف تسقط حتما خلال الليل، لقد سمعت الريح. إنني سوف أسقط اليوم. وسوف أموت في نفس الوقت"
قالت سو: " عزيزتي.. عزيزتي" وأمالت وجهها المرهق فوق المخدة، " فكري في إذا كنت لا تريدين أن تفكري بنفسك، ماذا سأفعل من بعدك؟ "
ولكن جونسي لم تجب. الشيء الكئيب جدا في جميع العالم هو روح مستعدة للذهاب في رحلة طويلة وأخيرة.
كانت فكرة الموت ــ على ما يبدو ـــ تسيطر عليها بقوة هائلة كما لو أن الروابط التي تربطها بالعالم قد اخذت
تتقطعز مر اليوم ببطء ومع أن النهار كان على وشك الانتهاء فإنهم كانوا لا يزالون قادرين على رؤية ورقة الدالية الوحيدة متشبثة بالجذع المستند إلى الجدار، بعدئذ ومع مجيء الليل، راحت الريح الشمالية تهب بلا رحمة من جديد. كما كان المطر لا يزال يضرب على النوافذ ويسيل من حواف السقوف الهولندية الواطئة.
وعندما كان هنالك قدر كاف من الضوء، أمرت جونسي سو ــ بلا رحمة نحوها ــ أن ترفع الستارة.
كانت ورقة الدالية لا تزال هنالك.
اضجعت جونسي تنظر إليها برهة من الزمن , ثم استدعت سو التي كانت تحرك مرقة الفروج على موقد الغاز وقالت " لقد كنت فتاةً سيئة يا سودي" " هنالك شيء ما جعل هذه الورقة الأخيرة تبقى هنالك لتريني كم كنت مخطئة إنه من الإثم أن يتمنى المرء الموت , هل تحضرين لي قليلاً من المرق الآن؟ وبعض الحليب مع قليل من خمرة بورت فيه؟ ولا , أحضري لي المرآة اليدوية أولاً وساعديني على وضع بعض المخدات خلفي لكي أتمكن من رؤيتك وأنت تطبخين" وبعد قليل قالت : " إنني أريد في يوم من الأيام أن أرسم خليج نابلس يا سودي"
حضر الطبيب بعد الظهر وكان لدى سو عذر في أن تذهب إلى الكوريدور عندما غادر. قال الطبيب وهو يصافح يد سو النحيلة : " حتى الحظوظ بالرعاية الجيدة سوف تربحين. والأن يجب علي أن أفحص حالة ثانية , رجل عجوز يسكن في الأسفل اسمه بهرمان إنه فنان من نوع معين على ما اعتقد. أصيب بالنيومونيا أيضاً, هو رجل عجوز ضعيف و الهجمة حادة جداً ولا يوجد أمل له ولكنني سأرسله اليوم إلى المستشفى لكي أجعله أكثر ارتياحاً.
في اليوم التالي قال الطبيب لسو: " لقد خرجت من مرحلة الخطر, لقد ربحتي فالتغذية والرعاية الأن هي كل شيء"
وبعد الظهر جائت سو إلى السرير حيث تضجع جونسي بسعادة تغزل وشاحاً صوفياً شديد الزرقة ولا فائدة منه, ووضعت احدى ذراعيها حولها والمخدات فقط.
قالت : " لدي شيء أقوله لك يا فأرتي البيضاء إن السيد بهرمان توفي اليوم بسبب النيومونيا في المستشفى , بقي مريضاً مدة يومين فقط وقد وجده الحاجب عند الصباح من اليوم الأول في غرفته تحت الدرج يعاني من الألم واليأس كان حذاؤه وملابسه مبللة رآه من خلال المصباح الذي كان لا يزال مضاءَ كمان رأى سلماً مجروراً من مكانه وبعض الفراشي المتناثرة كما رأى لوحة الألوان وعليها امتزج اللون الأخضر بالأصفر ونظر من الشباك إلى الورقة الأخيرة على الجدار. آلا تستغربين من أنها لم تخفق ولم تتحرك عندما هبت الريح؟ أه يا صديقتي العزيزة الصغيرة إنها لوحة بهرمان الرائعة لقد رسمها هناك في الليلة التي سقطت فيها الورقة الأخيرة".


0 Comments:
Post a Comment
<< Home