My Photo
Name:
Location: Al Ain, Abu Dhabi, United Arab Emirates

Saturday, October 28, 2006

الدوقة والجوهري

الدوقة والجوهري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تأليف : فيرجينيا وولف ترجمة: د. عبد الرحمن دركزللي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان أوليفر بيكون يسكن في الطابق الأعلى من منزل يشرف على " غرين بارك " كانت لديه شقة تشتمل على كراسي مغطاة موضوعة بذكاء عند الزوايا المناسبة ، وديوانات تســـــد الفراغات القائمة بين النوافذ مغطاة بقماش مزدان بالرسوم. أما النوافذ فهي ثلاث نوافذ كبيرة ولها ستائر من الحرير المزدان بالرسوم. وكانت هنالك خزانة جانبية بارزة اصطفت فيها بعناية فائقة مشروبات من أنواع جيدة كالبراندي والويسكي وسواها . كان ينظر من النافذة الوسطى إلى سطوح السيارات الحديثة المصطفة في المسارب الضيقة من " بيكادلي " والتي كادت تملأ وسط الشارع. عند الثامنة صباحا كان يتناول الأفطار الذي يحضره له الخادم موضوعا على صينية، ثم لا يلبث هذا الخادم أن يبسط له ثوب نومه (روب دو شامبره) القرمزي ، ويفتح له رسائله بأظافره الطويلة المدببة، ثم يخرج منها بطاقات دعوات بخطوط نافرة وردت من الدوقات والكونتيسات والفايكونتسات وسيدات المجتمع الراقي. بعد ذلك كان يغسل يديه ويجلس ليأكل خبزه المقمر؛ ثم يقرأ صحيفته بالقرب من الموقد الكهربائي

كان يخاطب نفسه : " انظر يا أوليفر " " يا من بدأت الحياة في زقاق صغير قذر ، ويا من ... " ثم إنه ينظر إلى ساقيه الجميلتين في بنطاله الأنيق، وإلى جزمته عند الربطة. كانت كل هذه الأشـــــــــياء أنيقة بديعة ، وهي مفصلة من أفخر أنواع القماش ومشتراة من أفخر المحال التجارية في " سافيل رو " لكنه غالبا ما كان يجرد نفسه من هذه الأشياء فيغدو من جديد طفلا صغيرا في الزقاق المظلم. تذكركيف كان أقصى طموحه أن يبيع الكلاب المسروقة لللسيدات العصريات (المتموضات) في منطقة " وايت جابل " كما تذكر ما قالته له أمه وهي تبكي إذ فعل ذلك : " يا أوليفر متى ستنضج يا ولدي ؟ " على أنه اشتغل بعد ذلك وراء جام : حيث كان يبيع الساعات الرخيصة ، ثم صار يحمل حقيبة إلى أمستردام .. عندما كان يتذكر هذه الأمور كان يضحك في قرارة نفسه ــ أي أن أوليفر العجوز يتذكر أوليفر الصغير ــ نعم لقد حالفه الحظ بالماسات الثلاث؛ وكذلك يوم قام بمأمورية تتعلق بالزمرد. بعد ذلك اتخذ لنفسه غرفة خاصة تقع خلف محل" هاتون غاردن " وهي الغرفة التي وضع فيها الميزان والخزنة الحديدية والعدسات المكبرة السميكة. وبعد ذلك ... وبعد ذلك .. ثم راح يضحك بينه وبين نفسه .

تذكرعندما مر في مسـاء يوم حارخلال مراكز أصحاب المجوهرات ، وكانوا يتباحثون في الأسـعار ويتحدثون عن مناجم الذهب والماس، وعن التقارير الواردة من جنوب إفريقيا، يومها رأى واحدا يدنو منه و يضع إصبعه على طرف أنفه مهمهما: " هممممم " فعل ذلك عندما مر به، لم يقم إلا بوخزة في كتفه، وبوضع إصبع على أنفه ، وكانت تلك الهمهمة بين أصحاب المجوهرات في"هاتون غاردن" في ذلك المساء الحار ــ أوه... لقد مرت على تلك الحادثة سنوات كثيرة الآن، ولكن أوليفر لا يزال يذكرها ويشعر بها وكأنها وخزة تسري في عموده الفقري، إن الوخزة والهمهمة تعنيان : " انظروا إلى الصغير أوليفر،إنه الجوهري الصغير"
ثم يمضي.

كان صغيرا حينئذ. لكنه فيما بعد أخذ يلبس أحسن الثياب، صار عنده أولا عربه، ثم سيارة. في مبتدأ الأمر كان يصعد في المسرح إلى الشرفة، لكنه بعد ذلك صار يجلس في الصفوف الأمامية ، وقد اشترى فيلا في " ريتشموند " تشرف على النهر، ولها عرائش من الزهور الحمر: وآنسة شابة كان من عادنها أن تقطف له زهرة كل صباح لتعلقها في عروته.


قال أوليفر بيكون وقد مد ساقيه ورفعهما:" هكذا ... هكذا كانت الأمور" ، ثم إنه وقف تحت صورة السيدة العجوزالموضوعة على رف الموقد فقال : " لقد بررت بوعدي " ثم رفع يديه
و وضع واحدة على أخرى: كفا على كف كأنه يعقد صفقة، وقال :" لقد ربحت الرهان "

هذا ما حدث إذا ؛ لقد أصبح أغنى جوهري في إنجلترة، لكن أنفه الذي كان طويلا ومرنا مثل خرطوم الفيل ، ارتعش عند المنخرين (الأنف بأكمله ارتعش لا المنخران فقط ) وكأنه يعبر عن عدم رضاه التام، فهو لم يزل يشم رائحة شيء تحت الأرض، شيء بعيد نوعا ما. تخيل خنزيرا ضخما في أحد المروج الغنية بالفطر، وبعد الحفر واستخراج الفطر ، مازال هنالك فطر أكبر وأكثر سوادا تحت الأرض على مسافة قريبة. وهكذا كان أوليفر يشم دائما في الأرض الغنية لـ ــ " مايفير " رائحة فطر آخر، أكثر سوادا وأكبر حجما يكمن في بقعة أبعد.

عدل من وضعية اللؤلؤة في ربطة عنقه والتفع بمعطفه الأنيق ، وأخذ قفازه وعصاه، وجعل ينزل الدرج وهو يتمايل نصف متنفس ، نصف متأوه، من خلال أنفه، وعبر بيكادلي.
إذا لأنه كان لا يزال رجلا متفائلا ، ورجلا طموحا ، ورجلا ينشد شيئا خفيا، فقد كسب الرهان.

جعل يتمايل بشكل خفيف وهو يمشي كأنه الجمل في حديقة حيوان، كان يميل من جانب إلى آخر على امتداد الطريق المعبدة بالإسفلت والممتلئة بأصحاب الدكاكين وبزوجاتهن وهن يأكلن من أكياس ورقية ويرمين قطعا صغيرة من الورق المفضض المتغضن في الطريق. إن الجمل يكره أصحاب الدكاكين ، الجمل غير راض عن الثروة التي أحرزها: الجمل يرى البحيرة الزرقاء وأوراق أشجار النخيل أمامه.

كان الجوهري العظيم، أعظم جوهري في العالم كله، يتمايل وهو يسير في بيكادلي، يسير وقد ارتدى أفخم الملابس ، بقفازيه وبعصاه ، إلا أنه مازال غير راض عن نفسه، حتى وصل إلى المحل المعتم الصغير ، الذي غدا مشهورا في فرنسا وألمانيا والنمسا وإيطاليا وفي جميع أنحاء أمريكا ــ المحل الصغير المعتم في شارع بوند

كالعادة فشخ إلى المحل من غير أن يتكلم مع الرجال الأربعة : العجوزين مارشال وسبنسر والشابين : هاموند و ويكس ، لقد شدوا قاماتهم ونظروا إليه حاسدين إياه.أما هو فقد شكر لهم حضورهم بأن حرك إصبعا واحدا بقفازه العنبري اللون، ثم أنه دخل إلى غرفته الخاصة وأغلق الباب خلفه.

فتح الغطاء الذي كان يغطي النافذه، فبدأت الصيحات والأصوات تتسلل من شارع بيكادلي إلى داخل الغرفة: أصوات أبواق السيارات البعيدة. الأنوار المنبعثة من خلف المحل الموجهة نحو الأعلى. الشجرة التي تهتز بأوراقها الخضراء الست، لأن الشهر كان حزيران. لكن الآنسة تزوجت السيد بدر من مصنع الجعة ، لذلك لم يعد هنالك من تضع له الزهور في العروة الآن.

وتأوه نصف تأوهة كما زفر نصف زفرة ثم قال : " هكذا إذن ! "

ثم إنه لمس نابضا في الجدار ، فانزلق لوح الخشب المزخرف منفتحا وخلفه كانت الخزائن الفولاذية، خمس ، بل ست ، وكلها من الفولاذ المصقول ، أدار المفتاح ، وفتح واحدة ثم أخرى . كل واحدة من الخزائن كانت مبطنة بالمخمل الأحمر القرمزي الغامق، وفي كل منها وضعت مجوهرات : أساور ، عقود ، خواتم ، تيجان أكاليل للدوقات ، أحجار كريمة في صدفات زجاجية ، يواقيت ، زمردات ، لآلىء، ماسات . وكل الخزائن كانت لامعة وباردة وإن كانت تتوهج دائما بضوئها الخاص.
تأمل اللآلىء فقال: " دموع "
تأمل اليواقيت فقال: " دم القلب "
خشخش الماسات حتى أخذت تتلألأ وتلتمع ، ثم قال : " بارود " ألقى رأسه إلى الخلف وصهل كما يصهل الجواد، وقال إنها بارود يكفي لنسف " مايفير " إلى أعلى السماء بل أعلى وأعلى.

رن الهاتف رنينا لطيفا على منضدته، فأغلق الخزنة. و قال: " بعد عشر دقائق لا قبل ذلك "
جلس على مكتبه ونظر إلى رؤوس الأباطرة الرومان التي كانت محفورة على أزرار أكمامه. جرد نفسه مرة ثانية فأصبح مرة أخرى غلاما صغيرا يلعب بالدحل في الزقاق حيث كان يبيع الكلاب المسروقة في يوم الأحد. الصبي الصغيرا صار رجلا ذكيا بشفتين تشبهان الكرز الندي ، غمس أصابعه في حبال الكرشايات كما غمسهما في مقلايات السمك ، دخل في مشاكل مع الناس وخرج منها، كان نحيفا وضعيفا وذا عينين كالحجرين المشحوذين. الآن أخذت عقارب الساعة تدق : واحد أثنان ثلاثة أربعة... الدوقة دوقة لامبورن انتظرت سعادته : إنها دوقة لامبورن سليلة مئات الإيرلات. تننظر عشر دقائق على كرسي عند الكاونتر ( الجام ) إنها بانتظار سعادنه، تنتظر حتى يكون مستعدا لرؤيتها. راقب الساعة في بيتها الجلدي. تحرك العقرب، مع كل تكة كانت الساعة تمتعه كأنها تقدم له كأسا من الشمبانيا وأخرى من البراندي اللذيذ أو سيجارا ثمنه جنيه استرليني . تضعها على المنضدة بجانبه بينما كانت الدقائق العشر تمر. ثم إنه سمع وقع خطوت ناعما يقترب : حفيفا في الممرّ . انفتح الباب. شد هاموند قامته ملتصقا بالجدار، وأعلن قائلا : " سعادتها " ووقف منتصبا قبالة الجدار.

نهض أوليفر بحيث يسمع حفيف ثوب الدوقة بينما كانت تقترب عند المدخل. ثم إنها برزت فسدت الباب ، وملأت الغرفة برائحة العطر، بالسمعة، بالأناقة ، بالكبرياء، بالفخر، فخر جميع الدوقات كما لوأنهم جاؤوا معا في موجة واحدة. وكما تتكسر الموجة تكسرت وهي تجلس ناشرة وناثرة على أوليفر بيكون، الجوهري العظيم، طيفا من الألوان المتلألئة: الأخضر والزهري والبنفسجي وألوان قوس قزح ، ونفحات عطرة، و أشعة تنبعث من أأصابعها، وكان الريش يتمايل منحنيا، والحرير يلمع : كانت سمينة جدا وضخمة جدا وملفوفة جدا بالتفتا القرمزي ، تجاوزت مرحلة الشباب، لكنها كانت كالمظلة التي تدلت منها أهداب كثيفة ،أو كالطاووس ذي الريش الكثيف، على أنها طوت الأهداب وضمت الريش، وغارت في كنبة الجلد.

قالت الدوقة : " صباح الخير يا سيد بيكون " ثم سحبت يدها من فتحة قفازها الأبيض. انحنى أوليفر حين صافحها، وعندما تلامست اليدان تجددت العلاقة بينهما مرة أخرى. أصبحا صديقين وإن كانا عدوين: كان هو السيد الحاذق وكانت هي السيدة البارعة: كل منهما غش الآخروخدعه، ولكن كلا منهما كان بحاجة إلى الآخر، كلاهما كان يخاف الآخر ويخشاه، كلاهما يعرف الآخر ويفهمه، كلاهما شعر بذلك عند كل مصافحة حدثت في الغرفة الخلفية ذات الضوء الأبيض في الخارج والشجرة ذات الورقات الست وضجة الشارع البعيد ، ومن خلفهما الخزائن.

قال أوليفر بصوت في غاية اللطف : " واليوم ياسيدتي الدوقة ماذا أستطيع أن أقدم لك ؟ "

تفتح الدوقة قلبها، قلبها الخاص، تفغر فمها ، ترسل تنهدة، لكنها لا تقول شيئا، بل تخرج من حقيبتها كيسا صغيرا كأنه شريط حريري أصفر ، ومن فتحة في بطن الكيس ترسل اللآلىء ــ عشر لآلىء تدحرجت من فتحة الكيس : واحدة أثنتان ثلاث أربع كأنها بيضات طائر سماوي .
تنهدت ثم قالت : " هذا كل ما تبقى لديّ ياعزيزي السيد بيكون " خمس ست سبع وكانت اللآلىء تتدحرج على منحدرات جانبي الجبل الواسع الذي سقط بين ركبتيها في واد ضيق
الثامنة التاسعة العاشرة. هنالك توضعت في بريق التفتا التي تشبه في لونها زهر الخوخ

تأوهت وقالت : " من حزام أبلبي " " المجموعة الأخيرة منها "

تقدم أوليفر وأخذ لؤلؤة فوضعها بين إصبعه وإبهامه . كانت اللؤلؤة مستديرة متألقة. ولكن ترى أهي حقيقية أم زائفة ؟ لماذا تكذب علي مرة ثانية ؟ كيف لها أن تتجرأ ؟

وضعت إصبعها الثخينة المكتنزة بين شفتيها " وهمست : " لو علم الدوق ... " فسوف تقع ياسيد بيكون كارثة "

" ترى هل مازالت تمارس القمار ؟ "

قالت مهمهمة : ياله من سافل خبيث ! "
ذو الخدود المهشمة؟ اللئيم ؟ الدوق صاحب القوام المستقيم والشعرالجانبي ؛
سوف يذبحها ويحجر عليها، الله أعلم. تفكر أوليفر في كل هذه الأمور، ثم نظر إلى الخزنة.

أنشأت تنوح وتقول: " أرمينتا ودافني ودايانا " إنه من أجلهن.
كان يعرف السيدات أرمينتا و دافني و دايانا بناتها. كان يعرفهن : يعبدهن ، لكن دايانا هي التي أحب من دونهن.

نظرت إليه بأسى وقالت : " لقد كشفت لك عن كل أسراري " قالت ذلك والدموع تتحدر وتنهمر من عينيها، دموع كالماسات حملت معها ما كان من البودرة الموجودة في مجاري الدمع.

تمتمت : " أرجوك ياصديقي القديم"
راح أوليفر يكرر عبارة :" يا صديقي القديم " " يا صديقي القديم " عدة مرات ، كأنه كان يلحس الكلمات لحسا.

ثم إنه استفسر : " كم تريدين ؟ "
غطت اللآلىء بيدها.
همست : " عشرين ألفا "

ولكن هل هي حقيقية أم زائفة ، اللؤلؤة التي أمسكها بيده ؟ ثم بالنسبة إلى حزام آبلبي ــ ألم
تكن قد باعته من قبل ؟ كان سيدق الجرس لسبنسر أو هلموند ، وسيقول له : " خذ اللؤلؤة وافحصها " واقترب من الجرس.

قالت له : " أنت سوف تأتي غدا ؟ " ألحت عليه. ثم تدخلت قائلة : " رئيس الوزراء، سموه الملكي " توقفت ثم أضافت قائلة : " وديانا ... "

سحب أوليفر يده من على الجرس

نظر إليها ثم تطلع إلى سطوح البيوت في الشارع، لكنه لم ير البيوت في شارع بوند ، وإنما رأى النهر وهو يتموج هابطا صاعدا ورأى سمكة صاعدة ، وسمكة سالمون، كما رأى رئيس الوزراء ورأى نفسه أيضا في صدار أبيض، وفضلا عن هذا رأى ديانا.

نظر إلى اللؤلؤة في يده، ولكن كيف له أن يفحصها في ضوء النهر أم في ضوء عيني ديانا على أن عيني الدوقة كانتا متجهتين إليه

قالت وهي تنوح : " عشرين ألفا " " أفسم بشرفي "

إنه شرف أم ديانا ‍‍‍‍‍‍ ‍ ‍‍‍‍وسحب دفتر شيكاته وقدمه منها، ثم أخرج قلمه، كتب " عشرين "لكنه
توقف عن الكتابة ؛ ذ لك أن عيني العجوز في اللوحة كانتا متركزتين عليه، عيني العجوز والدته.

حذرته : " أوليفر " ، " كن عاقلا لا تكن أحمق "

توسلت الدوقة إليه : " يا أوليفر " . قالت هذه المرة أوليفر ولم تقل سيد بيكون
: " سوف تأتي لقضاء نهاية أسبوع طويلة ؟ "

وحده في الغابة مع ديانا ، راكبا وحده في الغابة مع ديانا‍
كتب " ألفا " ووقع

قال لها : " تفضلي ".
عندئذ نهضت من على كنبتها : نشرت كل أهداب المظلة ، كل ريش الطاووس ، موجة من التألق والإشراق ، سيوف و رماح أغينكورت، وانتصب العجوزان والشابان واقفين: سبنسر ومارشال ، ويكس وهاموند شدوا قاماتهم خلف الجام وهم يحسدونه؛ لأنه قادها خلال المحل إلى الباب. لوح بقفازه الأصفر في وجوههم وقبضت هي على شرفها ــ شيك بمبلغ عشرين ألفا من الجنيهات ممهور بتوقيعه ــ أمسكت به بشكل قوي بين يديها.

أغلق أوليفر بابه الخاص عليه ، وتساءل : " أهي لآلىء زائفة أم حقيقية؟"
تلك هي ، عشر لآلىء على ورقة النشاف فوق المنضدة. أخذها إلى النافذة. وضعها تحت العدسات والضوء .. هذا إذا هو الفطر العفن الذي أخرجه من تحت الأرض ! وهو نخر في اللب في الصميم.

تأوه قائلا : " سامحيني أرجوك يا أمي " ورفع يديه كمن يطلب العفو من العجوز المرسومة في اللوحة، ومرة ثانية ارتد غلاما صغيرا في الشارع الذي كانوا يبيعون فيه الكلاب يوم الأحد.

تمتم واضعا كفا على كف " هذا كله من أجل يوم نهاية الأسبوع الطويل "

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ







تعليق على قصة الدوقة والجوهـــري

" الدوق والجوهري " قصة قصيرة للكاتبة فيرجينيا وولف ، أما البيئـــــة التي جرت الأحداث فيها فهي مدينة لندن بإنجلترة. والجوهري هو الشخصية الرئيسة فيه ، ايتغلب على فقره ويغدو غنيا. وقد أخذ أفراد الأسرة المالكة يزورونه لمساعدتهم. إن القصة تصور بطريقة نقدية أصحاب الثروة المكتسبة وأصحاب الأرستقراطية الموروثة والرغبة في الزواج من الطبقة الأرستقراطية.

وعندما تبدأ القصة نرى أن الجوهري أوليفر يمثل أصحاب الثروة المكتسبة . كان أوليفر غلاما صغيرا فقيرا يبيع الكلاب المسروقة في أيام طفولته، لكنه فيما بعد أصبح جوهريا ثريا وطبعا بسبب اجتهاده وكفاحه حتى إن الزبائن المشهورين كانوا ينشدون مساعدته، كان أوليفر غير راض عما وصل إليه ، وليس مقتنعا بما حققه. أما الدوقة فهي تغش زوجها وتبيع اللآلىء الزائفة.

وعلى كل حال فالدوقة تصور وتمثل الأرستقراطية الموروثة ، وأما ديانا فقد استخدمت كعنصر إغواء لأوليفر كي يشتري اللآلىء الزائفة، وكيلا يفضح أمها ويسبب لها العار، إنه يرغب في قضاء عطلة نهاية الأسبوع مع ديانا.

تدخل الدوقة غرفته بعطرها ومقامها وأناقتها وأبهتها التي تصور لنا الأرستقراطية الموروثة. إن الدوقة تستمر في عادة ممارسة القمار وتخفي ذلك عن زوجها . وأوليفر واقع في حب ابنتها ديانا.

وبالتالي فالرغبة في الزواج من أرستقراطية ، أي زواج أوليفر من ديانا يظهر جليا . إن الدوقة تبيع أوليفر سرا عشر لآلىء بعشرين ألف جنيه ، وذلك كي تســـــدد ما ترتب عليها من ديون. إن مجرد النزهة في الغابة مع دبانا كاف لإغوائه كي يعطي الدوقة المال من غير أن يقوم بفحص اللآلىء ليرى ما إذا كانت زائفة أم حقيقية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ














فيرجينيا ستيفن وولف:

روائية وكاتبة إنجليزية عاشت بين 1882 ــ 1941 م ، وهي ابنة السير لزلي ستيفن .
فيرجينيا وولف كاتبة روائية ناجحة ، وقد أبدعت خصوصا في الشكل القصصي، وهي تعد من أبرز القوى المؤثرة في رواية القرن العشرين.

تعلمت فيرجينيا في البيت اعتمادا على الكتب والمراجع التي كانت في مكتبة أبيها الضخمة. في عام 1912 تزوجت اللورد وولف الناقد والكاتب في مجال الاقتصاد، ومعه أنشأت عام 1917 مطبعة هوغارث. أصبح بيتهما ملتقى لجماعة من الفنانين والنقاد والكتاب وهي جماعة تعرف بجماعة بلومسبيري .

كان اهتمام فيرجينيا وولف الرئيسي في الفن القصصي ينصب على تصوير التجربة العادية في حالة تدفقها . إن اهتمامها لم يكن ينصب على الحبكة ولا على رسم الشخصيات وإنما على إبراز وعي الشخصيات ونشاطها الذهني وأفكارها ومشاعرها، وهي الأمور التي تتجسد على نحو رائع في تكنيك تيار الوعي. على أن فيرجينيا وولف لم تقصر نفسها على إبراز تيار الوعي لدى شخصية واحدة، وإنما كانت تتسلل من وعي إلى وعي ومن عقل إلى عقل, ولا سيما في رواية " الأمواج " التي ربما تعد أعظم رواية تجريبية لها.

أما أسلوبها النثري فهو أسلوب شاعري ، رمزي إلى حد كبير ومملوء بالصور البصرية الحضرية.

إن روايات وولف الأولى " السفر خارجا " 1915 و " ليل ونهار" 1919 كانت تقليدية في منهجها، لكنها بدأت تجدد أكثر فأكثر في " غرفة جاكوب " 1922 ، وفي " السيدة دالواي " 1925، وفي " إلى المنار " 1927 ، و " الأمواج " 1931 .

ومن أعمالها الروائية التجريبية الأخرى : " أورلاندو " 1928 ، و " السنوات " 1937 ، و " بين الفصول " 1941.

كانت فيرجينيا وولف سيدة المقالة النقدية ، ولعل أفضل ما كتبته متضمن في كتاب " القارىء العام " 1925، و " القارىء العام الثاني " 1933، و " موت العث ومقالات أخرى " 1942 ، و " اللحظة ومقالات أخرى " 1948 ، و " غرفة خاصة " 1929 ، و " ثلاثة جنيهات" 1938 وهي جميعا تصب في مجال الحركة النسوية .

وتعد السيرة التي كتبتها بعنوان " روجر فراي " دراسة ممتازة عن حياة صديق لها .

كتبت بعض القصص القصيرة ، مثل:" الإثنين أو الثلاثاء " 1921، و " البيت المسكون " 1944. وسواهما

عانت فيرجينيا وولف من الانهيارات العقلية في 1915م وقد أغرقت نفسها في سنة 1941 لأنها خشيت من حدوث انهيار عقلي آخر قد لا تشفى منه.

معظم أعمالها نشرت بعد وفاتها ، وقد عني زوجها بتنقيحها












0 Comments:

Post a Comment

<< Home