الحصــرم
الحصــرم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكاتب: أنطون تشيكوف ترجمة: د. عبد الرحمن دركزللي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت السماء كلها ــ منذ الصباح الباكر ــ ملبدة بالغيوم المطيرة، كان ذلك اليوم يوما وادعا ساكنا، صحيح أنه غير حار لكنه ممل ،كما هي الحال في أيام الدجن، عندما تكون الغيوم معلقة في سماء البلد لمدة طويلة. إذ يتوقع المرء أن تمطر، فلا يكون هنالك مطر. كان كل من إيفان إيفانوفيتش البيطار و بوركين الأســــتاذ في المدارس الثانوية مرهقين، من قبل ذلك، بسبب السير الطويل.كانت الحقول تتراءى لهما ممتدة بلا نهاية. كان بوســــــــــعهما أن يشاهدا إلى الأمام طواحين ميرونوسيتسكوي الهوائية من مسافة بعيدة جدا. على الطرف الأيمن امتدت سلسلة الروابي حتى اختفت في المدى البعيد الكائن خلف القرية، كلاهما عرف ان تلك البقعة ضفة النهر حيث المروج وأشجار الصفصاف الخضر ومساكن أهالي القرية ، كما كانا يعرفان أن المرء إذا وقف فوق إحدى تلك الروابي يستطيع أن يرى السهل الرحيب نفسه وأسلاك الهاتف والقطار القادم من مسافة بعيدة، كأنه دودة قز تزحف، وأنه يستطيع أن يرى ــ إذا كان الجو صافيا ــ البلدة. و الآن في هذا الجو الوديع بدت الطبيعة كلها لطيفة حالمة ، كان كل من إيفان إيفانوفيتش وبوركين مشتاقين لذلك الريف، كما كان كل منهما يقول في نفسه : ما أجمل بل ما أبدع تلك البقعة من الأرض؟
قال بوركين : " في المرة السابقة عندما ذهبنا إلى مزارع بروكوفي كنت ستروي لي قصة".
" أجل أردت أن أحدثك عن أخي "
زفر إيفان إيفانوفيتش زفرة طويلة ثم أشعل غليونه استعدادا لسرد قصته. ولئن توقف المطر في تلك اللحظة فإنه ــ وبعد خمس دقائق ــ هطل بغزارة ، فغطى السماء كلها ، حتى إنه كان من الصعب على المرء أن يتنبأ متى سوف ينقطع، توقف إيفان إيفانوفيتش وبوركين في حيرة ؛ أما الكلاب فقد تبللت هي أيضا بالماء،حتى إنها انتصبت على قوائمها وأذيالها بين أرجلها تنظر محدقة فيهما بانفعال.
قال بوركين لإيفان: " يجب أن نفتش عن مكان نحتمي فيه " " هيا بنا نذهب إلى بيت ألهين، فهو قريب"
" هيا بنا "
انعطفا ثم سارا في الحقول المحصودة، كانا أحيانا يمشيان باستقامة، وأحيانا يتجهان نحو اليمين، إلى أن
وجدا الطريق ، بعد هنيهة شاهدا أشجار صفصاف و حديقة ،و سقوف مستودعات حمراء، ثم ظهر لهما بعد ذلك النهر وهو يتلألأ ، بعد ذلك انفتح المشهد على بحيرة كبيرة مع طاحونة هواء و حمّام منزلي أبيض اللون: تلك كانت سوفينو حيث كان يسكن آلهين.
2 ــ كانت الناعورة تدور وقد طغى صوتها على صوت المطر، كما كان سد الماء يرتج، الخيول المبللة وقفت بجوار العربات ورؤوسها مسترخية، وكان هنالك رجال يتجولون متلفعين بالأكياس. الجو رطب موحل وموحش ،الماء شديد البرودة ، إيفان إيفانوفيتش و بوركين تبللا من قبل، كانت أقدامهما مثقلة بالطين، وعندما اجتازا السد صعدا باتجاه المخازن، كانا صامتين كما لو كان أحدهما قد انزعج من الآخر.
عند المدخل وقف ألهين نفسه، رجل في الأربعين، طويل القامة، ضخم البنية، طويل الشعر، منظره يشبه أستاذا جامعيا أو فنانا أكثر من مالك للأرض landowner ، يلبس قميصا أبيض متسخا / يحتاج إلى غسل ، وسراويل بدلا من البنطال، ويضع على خصره حبلا اتخذه حزاما، أما الجزمة التي يلبسها فقد تلطخت بالطين والقش. كانت عيناه ــ وأنفه ايضا ــ قد اسودتا من الغبار . وعندما وقع بصره على إيفان إيفانوفيتش وبوركين بدت عليه ملامح السعادة لرؤيتهما.
قال مبتسما :" تفضلوا إلى البيت أيها السادة " " سآتي بعد لحظة إليكما على الفور ".
كان البيت مكونا من طابقين. سكن ألهين في الطابق الأرضي منهما ، سقوفه مقوسة، نوافذه قليلة، كان وكلاء المزارع يسكنون فيه من قبل: هنا كل شيء بسيط: رائحة الخبز الأسمر، والفودكا الرخيصة، جهاز الفرس.
صعد ألهين الدرج متجها نحو أحسن غرف البيت ، كان لا يذهب إليها إلا في حالات نادرة أي عندما يأتيه زوار. قامت الخادم باستقبال كل من إيفان إيفانوفيتش و بوركين عند وصولهما، كانت امرأة شابة وقف الاثنان لشدة جمالها مبهوتين ، ينظر أحدهما نحو الآخر.
قال آلهين :" لا يمكنكما أن تتصورا كم أنا سعيد برؤيتكما يا صديقيّ العزيزين " قال ذلك وهو يسير أمامهما إلى القاعة " إنها مفاجأة ! يا بيلاجيا " قال ذلك وهو يخاطب الفتاة : " قدمي لضيوفنا شيئا من الملابس كي يغيرا، وبالمناسبة أنا أرغب في تغيير ملابسي أيضا، لكن يجب أن أغتسل أولا، لأنني لم أغتسل منذ الربيع تقريبا. ألا ترغبان في الدخول إلى الحمام ريثما تقوم بيلاجيا بتحضير الأشياء لكما ؟".
جلبت الحسناء بيلاجيا لهما المناشف والصابون وكانت في غاية اللطف والرقة، وذهب ألهين إلى الحمام مع ضيوفه.
قال ، وهو ينزع ملابسه: " أتى علي زمن طويل منذ أن تغسلت آخر مرة ، لدينا حمام بديع كان أبي قد أنشأه كما تعلمان، ولكني لا أعرف لماذا لم تتسن لي الفرصة كي أغتسل فيه "
جلس ألهين على الدرج وبدأ يغسل بالصابون شعره الطويل ورقبته، أما الماء فكان ينساب منه وقد استحال لونه بنيا.
3 ــ قال إيفان إيفانوفيتش ، وهو ينظر عمدا إلى رأسه " نعم يجب أن تعترف "
قال ألهين ــ مستشعرا الحرج ــ وقد شرع في غسل رأسه بالصابون للمرة الثانية" أتى علي زمن طويل منذ أن اغتسلت ... ". كان الماء المنساب منه هذه المرة أزرق قاتما كالحبر.
مضى إيفان إيفانوفيتش بعيدا، فألقى نفسه في الماء ، فصدر صوت قوي عند سقوطه ،راح يسبح في المطر مادا ذراعيه إلى أقصى حد ممكن، أثارالماء الساكن ، فتشكلت أمواج جعلت الليلك / الزنبق الأبيض يهتز صعودا ونزولا، سبح إلى منتصف البركة بالضبط ، ثم غطس فيها ، وبعد دقيقة برزمن مكان آخر ، واصل السباحة، وتابع الغطس محاولا أن يلمس قعر الحوض.
" كان يردد، وهو مستمتع إلى أقصى حد ، عبارة: " يا إلهي !" وظل يسبح حتى بلغ المطحنة، وهنالك تحدث إلى المزارعين ، ثم رجع مستلقيا على قفاه في الماء ، مستقبلا بوجهه المطر. في تلك الأثناء ارتدى كل من بوركين وألهين واستعدا للانطلاق ، إلا أن إيفان ظل يسبح ويغطس. قائلا : " يا إلهي !" " يا لطيف ! ".
عندئذ صرخ به بوركين : "هذا يكفي ! ".
رجعوا جميعا بعد ذلك إلى البيت، ما كان لإيفان إيفانوفيتش أن يبدأ بسرد قصته إلا بعد أن أضيء المصباح في غرفة الجلوس، وارتدى بوركين وإيفان إيفانوفيتش ملابس النوم الحريرية، والبوابيج الدافئة، وجلسا على الكنبايات، كان ألهين قد اغتسل ومشط شعره، وارتدى معطفا جديدا،وجعل يسير في أرجاء الغرفة، كان مسرورا بشكل واضح مستمتعا بالدفء والنظافة والثياب الجافة والحذاء الخفيف، ثم دخلت بيلاجيا بهدوء فمشت، وهي تبتسم ، على البساط، ثم قدمت ،بكل أدب ولطف، الشاي والمربى للضيوف على صينية، عندئذ فقط أنشأ إيفان إيفانوفيتش يروي قصته، والظاهر أنه لم يكن بوركين وألهين وحدهما يصغيان إلى القصة، بل كانت السيدات الشابات والعجائز أيضا فضلا عن الضباط ، ينظرن إليهم من خلال إطارات ( براويز) الصور الذهبية بكثير من الجدية والاهتمام.
بدأ إيفان قصته بقوله :" كنا أخوين ؛ " أنا إيفان إيفانوفيتش، وأخي ، نيكولاي إيفانوفيتش، وهو أصغر مني بسنتين. أما أنا فقد بحثت عن مهنة واصبحت بيطارا، على حين اشتغل أخي نيكولاي منذ أن بلغ التاسعة عشرة موظفا في دائرة حكومية ، كان والدنا جيمشا هيمالايسكي كانتونيا، ولكنه ترقى حتى صار ضابطا ، وخلف لنا أرضا ولقب نبيل. على أن الأرض ذهبت بعد وفاته في عملية تسديد الديون وأتعاب المحاماة . على كل حال قضينا طفولتنا في القرية بحرية تامة ، نفعل ما يحلو لنا. وعلى شاكلة أبناء الفلاحين كنا نقضي أيامنا وليالينا في الحقول والغابات، نستمتع بالخيول ،ونقشر لحاء الأشجار، ونصطاد السمك وهكذا.. وأنتم تعلمون أن من يصطد فرخ سمك ، او ير طيور السمانى thrushesفي الخريف حائمة ــ على شكل أسراب ــ فوق القرية في أيام الصحو الباردة، فإنه لا يمكن أن يكون أبدا من أهل المدن، وسيظل في شوق دائم إلى الحرية ،حتى يأتي يوم وفاته. كان أخي شقيا في عمله بالدائرة الحكومية.
4 ــ تتابعت السنون وهو يجلس في نفس المكان، لايكتب ولايفكر إلا في شيء واحد، وهو كيف أصل إلى الريف.
على أن هذا الشوق تحول بالتدريج إلى حلم بشراء مزرعة صغيرة في مكان ما على ضفاف نهر أو بحيرة.
كان لطيفا، طيب القلب، وكنت متعلقا به وإن كنت لا أتعاطف مع رغبته في حبس نفسه إلى آخر العمر في مزرعة صغيرة يمتلكها. وصدق من قال : إن الإنسان لا يحتاج إلى أكثر من رقعة أرض لا تتجاوز مساحتها ست أقدام.
ولكن الأقدام الست هي ما تتطلبه الجثة لا الإنسان. أيضا اليوم يقول الناس: إنه إذا مالت الطبقة المثقفة إلى الأرض ، وتشوقت إلى المزارع ، فذلك شيء جيد. ولكن هذه المزارع ليست سوى الشيء نفسه ، عبارة عن ست أقدام من الأرض. إن خروج الإنسان من المدينة، من عالم الكفاح ، من عالم الحياة الصاخبة، وانسحابه منها إلى إحدى المزارع ليدفن نفسه فيها، ليس حياة بل ضرب من الأنانية ونوع من الكسل أو نوع من التقوقع العقيم. إن الإنسان لا يحتاج إلى ست أقدام من الأرض أو إلى مزرعة، إنه يحتاج الدنيا بأسرها، الطبيعة كلها، كي يجد مجالا لإبراز مواهبه كلها والتعبير عن روحه الحر.
" كان أخي نيكولاي يتخيل ، وهو جالس في مكتبه الحكومي ، كيف سيأكل الملفوف الخاص به الذي يستطيع ان يملأ برائحته اللذيذة ساحة الدار كلها. وكيف سيتناول وجباته على العشب الأخضر، وكيف سينام في الشمس، وكيف سيجلس على المقعد لدى البوابة محدقا في الحقول والغابة. كانت سعادته، بل غذاؤه الروحي المفضل هو أن يطلع على كتب الزراعة والبستنة، وأن يقرأ ــ في المفكرة ــ الإرشادات الزراعية، كان يستمتع بقراءة الجرائد أيضا، لكن الشيءالوحيد الذي يقرؤه فيها إنما هو الإعلانات إعلانات عن الكثير من المناطق الزراعية وعن العزب الريفية المحوطة بالمروج أو الواقعة على ضفاف الأنهار والتي تشتمل على طاحونة أو بركة ، للبيع. وقد جمح به الخيال فصور له المسالك المؤدية إلى الحديقة والزهور والثمار وأعشاش العصافير والسرطانات في الحوض وكل ما يخطر على بالكم، تلك الصور الخيالية كانت تتبدل وتتنوع وفقا للإعلانات التي كان يعثر عليها، ولكن لسبب ما كان يرى دائما ، وفي كل إعلان ، الحصرم .لم يكن بوسعه أن يتخيل بيتا، ولا حتى ركنا منعزلا بلا كرز بري.
كان يردد على الدوام عبارة: " للحياة الريفية كثير من المزايا" . بوسعك أن تجلس على البراندا فتحتسي الشاي، بينما بطاتك تعوم في البركة، وهنالك دائما رائحة زكية تنبعث من كل جانب، و ... والكرز البري ينمو.
كان معتادا على رسم خريطة لما يملك ، وفي كل خريطة كان هنالك الشيء نفسه (أ) بيت العائلة (ب) غرف الخدم
(ج) مطبخ الحديقة (د) شجيرات الكرز البري ، لقد عاش مقترا على نفسه، وكان يقتصد في الطعام والشراب، أما ملابسه فكانت فوق الوصف، كان يبدو كالشحاذ، ولكنه حريص على ادخار النقود في المصرف، لقد تحول إلى جشع بخيل بصورة مخيفة، لم أكن أحب أن أنظر إليه، ، كنت أعطيه شيئا وأرسل إليه هدايا بمناسبة عيد الميلاد وعيد الفصح ، ولكنه كان يدخر ما أعطيه له أيضا. فمن تسيطر عليه فكرة لا يمكن لأحد أن يغير ما في نفسه.
(5) " تمر السنون: ويُنقل إلى محافظة أخرى، تجاوز الأربعين، لكنه لم يزل يقرأ الإعلانات في الجرائد ويواصل ادخار المال. سمعت بعد ذلك أنه تزوج. تزوج ــ وهو يحلم بشراء مزرعة فيها كرز بري ــ من أرملة قبيحة ومسنة دون أن يشعر نحوها بأية عاطفة. تزوجها بكل بساطة لأنها تملك ثروة طائلة filthy lucre وظل يعيش مقترا مقتصدا حتى بعد زواجه منها ، كان يتركها مقطوعة من الطعام، مع أنه أودع كل مالها باسمه في أحد المصارف.
كان زوجها الأول مديرا لمكتب البريد، وكانت هي معه معتادة على الفطائر وعلى تشراب الخمر المعتقة ، بينما في عهد زوجها الثاني أصبحت لا تجد من الخبز الأسمر ما يكفي ، فبدأت تهزل/ تنحل بسبب هذا النمط من العيش، وبعد مضي ثلاث سنوات أسلمت روحها إلى بارئها. لا بد لي هنا أن أقول لكم: إن أخي لم يشعر إطلاقا بأنه كان سبب موتها. ذلك أن المال ــ كالفودكا ــ يجعل الإنسان يتصرف بشكل غريب عجيب. كان في بلدتنا تاجر ــ وقبل أن يموت ــ أمر بإحضار صحن من العسل ، ثم إنه أكل ماله وأوراق اليانصيب مع العسل لئلا يستفيد منه أحد.و بينما كنت مرة أتأمل الغنم بالقرب من محطة القطار، إذا براعي مواش يسقط تحت القطار، لتنقطع رجله. فقمنا بنقله إلى غرفة الانتظار، كان دمه ينزف، كان ذلك شيئا فظيعا. ومع ذلك ظل يرجو الناس أن يبحثوا له عن ساقه ،وكان في غاية القلق عليها، لأنه كان في الجزمة التي قطعت منها الساق عشرون روبلا ، وكان يخشى أن يضيعوها.
قال بوركين : " هذه قصة من أوبرا مختلفة ".
قال إيفان إيفانوفيتش عبارة" بعد وفاة زوجته " ، ثم تفكر مدة نصف دقيقة ، لكنه تابع فقال: " بدأ أخي البحث عن أرض لنفسه. بالطبع يمكنك أن تبحث مدة خمس سنوات ومع ذلك فقد ترتكب خطأ، وتشتري شيئا مختلفا تماما عما كنت تحلم به. لقد اشترى أخي نيكولاي ــ بوساطة عميل ( دلال) ــ أرضا مرهونة تبلغ مساحتها ثلاثمئة وثلاثين هكتارا، ومعها بيت للعائلة، وفيها غرف للخدم، وحديقة، ولكن ليس معها بستان، ولا شجيرات كرز برّي، ولا حوض للبط، نعم كان هنالك نهر، إلا أن ماءه كان بنيا بلون القهوة، لأنه كان على أحد طرفي الأرض معمل قرميدbrickyard ، وعلى طرفها الآخر كان يقوم مصنع لحرق العظام. لكن نيكولاي لم يتأثر كثيرا ، لأنه أمر بشراء عشرين شجيرة كرز بري فزرعها، وبدأ يعيش كما يعيش السيد النبيل في الريف.
ذهبت ــ في العام الماضي ــ لكي أزوره، قلت في نفسي سأذهب لأطلع على الأرض. وكان أخي يطلق عليها ــ في رسائله ــ اسم" تشمبركولف ويست، ألياس هيماليسكوي " وعندما وصلت إلى " ألياس هيماليسكوي" عصرا كان الجو حارا. كانت هنالك في كل ناحية قنوات ماء، وأسيجة وصفوف من الشجر، ولكن لم يكن هنالك طريق معلومة للوصول إلى ساحة الدار ، ولا مكان يربط فيه المرء جواده. مضيت مباشرة إلى البيت، فبرز لي كلب أحمر سمين كالخنزير ، وعندما هم الكلب بالنباح ، تقاعس عن ذلك. ثم خرجت الطباخة البدينة ــ كالخنزيرة أيضا ــ حافية القدمين من المطبخ، فقالت : إن سيدها يستريح بعد الغداء. عندئذ دخلت لأرى أخي. كان مستلقيا على سريره مغطيا ساقيه بلحاف
6 ــ نظرت إلى أخي فرأيت أنه قد تقدم في العمر وسمن وتغضن وجهه، كما برز خداه ، بدا لي كما لو كان على وشك النوم: سيبدأ الشخير تحت اللحاف في أية لحظة.
" تعانقنا، ذرفنا دموع الفرح والحزن ،خصوصا عندما تذكرنا أننا كنا ذات يوم صغارا، وها نحن أولاء قد أصبحنا
رجلين أشيبين على حافة قبريهما" ارتدى ملابسه، ثم سار أمامي ليطلعني على الأرض.
سألته: " حسنا، كيف تسير الأمور معك هنا ؟ ".
" أوه ، كل شيء على مايرام، الحمد لله، أموري تسير على نحو جيد ".
" لم يكن أخي سوى موظف جبان ، ولكنه مالك أرض حقيقي، نبيل بكل معنى الكلمة" كان يحب الأرض والعمل ، ومع الأيام تعلق أكثر بالعمل في الأرض وعشقه. كان يأكل كثيرا، ويذهب إلى الحمام، لقد سمن ، وكان يخضع لقانون الكميونة الذي تخضع له القرية ، كان ينزعج كثيرا من أولئك الفلاحين الذين لا ينادونه بعبارة " سعادتك .. " كان حريصا جدا على أن يقدم نفسه بطريقة ملموسة واخلاق محمودة من خلال أعمال خيرة يمارسها ليس لوجه الله ولكن لغايات مستقبلية، أما تلك الأعمال الخيرة فهي معالجة الفلاحين ــ في كثير من الأحيان ــ بالصودا وزيت الخروع ، وفي أعياد ميلاده كان يحتفل في وسط القرية بصلاة الشكر ، ثم يدعو الفلاحين إلى غالون من الفودكا.. كان يرى أن ذلك واجب. أه... وا أسفا على تلك الغالونات من الفودكا الرهيبة! وفي أحد الأيام قام مالك الأرض السمين بسحب الفلاحين أمام ضابط المنطقة لأنهم دخلوا إلى أرضه دون موافقته، لكنه، وفي اليوم التالي ، وبمناسبة العطلة، دعاهم إلىغالون من الفودكا ، فشربوه وصاحوا " هورا " وعندما يسكرون كانوا يسجدون عند قدميه. إن تغير الحياة نحو الأحسن، والغذاء الجيد والكسل ، تولد في الإنسان الروسي أشد أنواع الغرور والغطرسة. فنيكولاي إيفانوفيتش الذي كان ــ في أثناء عمله بالدائرة الحكومية ــ يخشى أن يعبر عن أي من آرائه ، أخذ الآن لا ينطق إلا بالحقائق التي جاء بها الإنجيل. وكان يقولها بنبرة تشبه نبرة رئيس مجلس الوزراء :
" التعليم ضروري، ولكنه بالنسبة إلى الفلاح شيء سابق لأوانه. " العقاب البدني ضار بشكل عام، لكنه في بعض الأحيان ضروري، بل لا شيء يغني عنه". " أنا أعرف الفلاحين وأعلم كيف أتعامل معهم. كان يقول : " الفلاحون يحبونني، لا أحتاج ــ عندما أرغب في أمر ما ــ إلا أن أشير بإصبعي الصغرى "
كل هذه الأقوال ــ لاحظوا ــ كانت تقال مصحوبة بابتسامة لطيفة خيرة، لقد كرر أكثر من عشرين مرة عبارة : " نحن النبلاء" ، " أنا كنبيل " من الواضح أنه لم يتذكر أن جدنا كان فلاحا، وان أبانا كان جنديا. حتى إن لقبنا :
" جيمشا هيمالايسكي، و هو ـــ في الواقع ــ نشاز في حروفه، بدا له الآن متناغما، متميزا على سائر الأسماء، ومحبوبا جدا.
" لكن الموضوع الآن ليس هو، وإنما أنا نفسي، أردت أن أخبركم عن التغير الذي حدث في أعماقي خلال الساعات القليلة التي قضيتها في ذلك المكان الريفي. في المساء، عندما كنا نشرب
7 ــ الشاي، جاء الطباخ ، فوضع على المنضدة صحنا من الكرزالبري، لم تكن حبات الكرز مشتراة/ مجلوبة، ولكنها من أرضه ، جمعت أول مرة ، منذ أن تمت زراعتها. ضحك نيكولاي إيفانوفيتش، ونظر مدة دقيقة في الكرز البري صامتا، مع دموع في عينيه، لم يستطع ــ لشدة انفعاله ــ أن يقول شيئا، وضع واحدة من حبات الكرز البري في فمه ، ونظر إلي مزهوا بالنصر كما يزهى الطفل عندما يتسلم دميته المفضلة ، ثم قال : " ما ألذها ! " ثم إنه أكلها بنهم وهويردد عبارة : " كم هي لذيذة ؟ " .
" ثم اكلها بجشع، وهو يردد : أوه .. ما ألذها، تفضل ، ذق "
" كانت حبات الكرز حامضة و فجة، ولكن كما يقول بوشكين:
إن الكذب الذي يرفع من شأننا أحب إلينا من
الحقائق التي تحط من قدرنا ".
رايت رجلا سعيدا حقق، بلا شك ، حلمه الغالي، ووصل إلى هدفه في الحياة، رجلا حصل على كل ما كان يريد ، رجلا راضيا بقدره وراضيا عن نفسه. كان هنالك ــ على الدوام ــ و لسبب ما ، شيء من الحزن يشوب أفكاري عن السعادة الإنسانية، ، وبهذه المناسبة، وعندما وجدت رجلا سعيدا ، سيطر عليّ شعور رهيب ، شعوربالكراهية . وكان هذا الشعور يصبح عدوانيا فى الليل على وجه الخصوص، في الغرفة المجاورة لغرفة نوم أخي نُصب لي سرير ، كنت أستطيع سماعه وهو مستيقظ ، و كنت أشعر به وهو يمضي إلى صحن الكرز ليأخذ واحدة منه، تفكرت مليا في ذلك العدد الكبير من أولئك الناس السعداء من أعماقهم وهل لهم من وجود حقيقي ؟ " يا لها من قوة خانقـة ! تأمل الحياة، تجد غطرسة القوي وتقاعسه ، وجهالة الضعيف و وحشيتة ، الفقر المدقع المخيف الذي يحيط بنا ، تزايد عدد السكان، التفسخ والانحلال، تعاطي الخمرة، النفاق والكذب.. ومع ذلك فكل الناس هادئون صامتون في البيوت و في الشوارع ، ومن بين الخمسين ألفا الذين يعيشون في البلدة لا نكاد نجد شخصا يصرخ، فمن الذي سوف يعبر عن غضبه و نقمته بصوت عال؟إننا نرى الناس ذاهبين إلى السوق لشراء التموين ،نشاهدهم يأكلون في النهار وينامون في الليل ، يتحدثون في موضوعات سخيفة تافهة، يتزوجون، ويهرمون ويشيعون موتاهم إلى المقابر بكل هدوء، ولكننا لا نرى ولا نسمع أولئك الذين يعانون ويقاسون ،ومن الأمور المؤسفة أن الأمور المزعجة تجري عادة خلف الكواليس.
.. كل شيء هادىء ومسالم، ولا أحد يعترض، إنهم إحصاءات خرساء: كثير من البشر يصابون بالجنون ، مئات الغالونات من الفودكا تُشرب، كثير من الأطفال يموتون من سوء التغذية... الظاهر أن هذا النظام شيء ضروري لا مفرّ منه، من الواضح أن الرجل السعيد يشعر بالراحة لأن الشقي يتحمل الأعباء صامتا، وبدون ذلك الصمت فإن السعادة سوف تكون مستحيلة. إنها نوع من التنويم المغناطيسي بشكل عام. يجب أن يكون وراء باب بيت كل إنسان سعيد او راض عن حياته، شخص واقف ومعه مطرقة كي يذكره ، على الدوام وبإيقاع مستمر ، بأن هنالك أشخاصا متعسين ، وبأنه ــ مهما كان سعيدا ــ فإن الحياة سوف تريه قوانينها عاجلا أم آجلا، وبأن البلوى سوف تصيبه .. المرض الفقر الخسائر، و لكن لن يسمعه أو يراه أحد ،كما أنه الآن لا يرى ولا يسمع شكوى الآخرين. ولكن لأنه لا يوجد رجل بمطرقة ، فإن الرجل السعيد
8 ــ يعيش مرتاحا، كما أن الهموم اليومية لا تغضبه إلا ولا تؤثر فيه إلا بشكل خفيف كما تهز الريح شجرة الحور ، وبعد ذلك يسير كل شيء على مايرام.
تابع إيفان إيفانوفيتش وهو ينهض من مكانه :"في الليلة التي انتابني فيها هذا الشعور كنت أنا أيضا سعيدا وراضيا " " أنا أيضا كنت أحب ــ عند تناول الغداء وعند ممارسة الصيد ــ أن أضع ا ( اللوم ) على الحياة والدين، وعلى الطريقة التي نعامل بها الفلاحين" " أنا أيضا كنت أردد دائما أن العلم ضحل، وأن الثقافة أمر ضروري وأساسي، ولكن القراءة والكتابة ــ بالنسبة إلى البسطاء ــ كانتا كافيتين آنذاك. الحرية مباركة، كنت أردد على الدوام: نحن لم نعد قادرين على العيش بدونها كما أننا لا نستطيع العيش بلا هواء، ولكن ينبغي أن نتريث قليلا. نعم هكذا كنت أقول ، والآن أسأل " لماذا علينا أن ننتظر ؟ " قال إيفان إيفانوفتش ذلك وهو ينظر بغضب إلى بوركين :" علام ننتظر؟ " إنني أسألك ، ما الأسباب التي تدعونا إلى الانتظار ؟ سيترد عليّ لا يمكن أن يتم ذلك كله فورا، فكل فكرة تحتاج إلى وقت كي تأخذ طريقها إلى الحياة في الوقت المناسب و بالتدريج. ولكن من الذي قال ذلك ؟ وأين الدليل على أن هذا الكلام صحيح؟ إنك تريد أن تخرج على قوانين الطبيعة وعلى نظام الأشياء ، وعلى ظاهرة الاتساق والانسجام، ولكن هل هنالك نظام و انسجام في لحياة ، وأين الحقيقة التي أنا ــ ككائن حي عاقل ــ أقف على شفا حفرة منتظرا إياها ، هل أسعى إليها أم أنتظرها حتى تأتي وتدنو بنفسها ؟ أم علي أن أردم بالطين تلك الفجوة و أقفز من فوقها أو أبني جسرا فوقها ؟؟
مرة ثانية أقول : من أجل ماذا ننتظر ؟ أ نظل ننتظر حتى نفقد قدرتنا على العيش ؟ علما أننا نريد أن نحيا ، بل نحب أن نحيا!!
غادرت أخي مبكرا عند الصباح ، ومنذ ذلك الوقت لم أعد أطيق العيش في البلدة. أنا مغتاظ منها بسبب سكونها
وهدوئها، أخشى أن أن أنظر إلى النوافذ ، لأنه لا يوجد منظر أشد إيلاما لي من منظر أسرة سعيدة جالسة حول منضدة مستديرة لاحتساء الشاي. إنني رجل عجوز غير صالح للنضال، أنا عاجز حتى عن حمل الحقد، كل ما أستطيع القيام به هو أن أتألم من أعماقي، وان أشعر بالغضب والغيظ،ولكن في الليل يسخن رأسي من تزاحم الفكر فلا أستطيع أن أنام. آه ... ليتني شاب.
راح إيفان إيفانوفيتش يمشي إلى الخلف وإلى الأمام في حماسة وانفعال وهو يردد عبارة " لو أنني شابّ ".
ثم إنه وبشكل مفاجىء صعد إلى آلهين وأخذ يضغط على إحدى يديه ثم على الأخرى .
قال في صوت يدعو إلى الرثاء والإشفاق: يا باول كونستانتينوفيتش " إذا كنت شابا و واثقا بنفسك ولا تمل من عمل الخير فلا تكن هادئا وراضيا ، ولا تسمح لنفسك بالإخلاد إلى النوم . لا توجد سعادة في الدنيا و لاينبغي لها أن توجد، لكن إذا كان للحياة من معنى أو هدف ، فذلك الهدف وذاك المعنى ليس سعادتنا وإنما هو شيء أعظم وأكثر عقلانية/ منطقية ، إنه مبدأ : "اعمل صالحا"
قال إيفان إيفانوفيتش ذلك كله بضحكة متوسلة وكأنه كان يلتمس منه إسداء معروف .
ثم إن الثلاثة ــ بعد ذلك جلسوا على الكنبايات عند مختلف أطراف غرفة الجلوس وصمتوا, قصة إيفان إيفاتوفتش لم تمتع بوركين ولا آلهين. عندما تطلع الجنــــرالات والســــــــيدات من خلال إطــــــارات الصور الذهبية، كانوا ينظرون في الغسق وكأنهم أحياء ، كان من الممل أن تنصت إلى قصة عن موظف فقير يأكل الكرز البري. لقد شعروا بالميل ــ لسبب مجهول ــ إلى سماع قصة تتحدث عن الناس المتأنقين ، عن النساء ،إن جلوسهم في غرفة الجلوس ، حيث يتوافر كل شيء: القناديل في الكوى، الكنبايات والسجادة تحت أقدامهم ، ذكّرهم أن هؤلاء الناس أنفسهم ، وهم الذين ينظرون الآن إليهم من خلال البراويظ/ الإطارات ، كانوا ذات يوم يتجولون في هذه الغرفة بالذات ويجلسون ويحتسون الشاي وبحقيقة أن الحلوة بيلاجيا التي كانت تطوف عليهم هي أفضل من أية قصة.
كان آلهين قد مات من النعاس، فقد استيقظ عند الصباح الباكر قبل الساعة الثالثة صباحا. ليقوم برعاية عمله لذلك أخذت عيناه تغمضان ومع ذلك ظل يدافع النوم خشية أن يقوم صديقاه بسرد قصة في أثناء ذهابه، لم يحاول الدخول في مسألة : هل كان إيفان إيفانوفيتش محقا ومصيبا في الكلام الذي قاله قبل قليل. ضيوفه لم يتحدثوا عن الحبوب ولا عن التبن ولا عن الزفت، وإنما تحدثوا عن شيء لا علاقة له بحياته، ومع ذلك فقد كان سعيدا وراغبا في أن يتابعوا الحديث.
قال بوركين وهو ينهض : " حان وقت النوم مع أن .. " " اسمحا لي أن أن أقول لكما : " تصبحان على خير".
قال آلهين: " تصبحون على خير" ثم مضى نازلا إلى مجاله بينما كان صديقاه ما زالا على الدرج. أخذ الضيفان إلى غرفة كبيرة من أجل النوم، حيث كان فيها سريران قديمان خشبيان محفور عليهما نقوش ، وكان في أحد أركان الغرفةصليب عاجي . كانا السريران الكبيران الرطبان/ الباردان اللذان جهزتهما بيلاجيا \وي رائحة لطيفة تنبعث من الحرير النظيف.
خلع إيفان إيفانوفيتش ملابسه في صمت وأوى إلة فراشه، ثم قال : " أللهم اغفر لنا ذنوبنا " ثم وضع رأسه تحت اللحاف.
كان غليونه الموضوع على الطاولة ينشر رائحة قوية هي رائحة التبغ العفنأما بوركين فلم يستطع النوم لمد طويلة، وظل يتساءل : من أين تنبعث تلك الرائحة الكريهة oppressive smell.
كان المطر ــ طوال تلك الليلة ــ يطرق على ألواح النوافذ الزجاجية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكاتب: أنطون تشيكوف ترجمة: د. عبد الرحمن دركزللي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت السماء كلها ــ منذ الصباح الباكر ــ ملبدة بالغيوم المطيرة، كان ذلك اليوم يوما وادعا ساكنا، صحيح أنه غير حار لكنه ممل ،كما هي الحال في أيام الدجن، عندما تكون الغيوم معلقة في سماء البلد لمدة طويلة. إذ يتوقع المرء أن تمطر، فلا يكون هنالك مطر. كان كل من إيفان إيفانوفيتش البيطار و بوركين الأســــتاذ في المدارس الثانوية مرهقين، من قبل ذلك، بسبب السير الطويل.كانت الحقول تتراءى لهما ممتدة بلا نهاية. كان بوســــــــــعهما أن يشاهدا إلى الأمام طواحين ميرونوسيتسكوي الهوائية من مسافة بعيدة جدا. على الطرف الأيمن امتدت سلسلة الروابي حتى اختفت في المدى البعيد الكائن خلف القرية، كلاهما عرف ان تلك البقعة ضفة النهر حيث المروج وأشجار الصفصاف الخضر ومساكن أهالي القرية ، كما كانا يعرفان أن المرء إذا وقف فوق إحدى تلك الروابي يستطيع أن يرى السهل الرحيب نفسه وأسلاك الهاتف والقطار القادم من مسافة بعيدة، كأنه دودة قز تزحف، وأنه يستطيع أن يرى ــ إذا كان الجو صافيا ــ البلدة. و الآن في هذا الجو الوديع بدت الطبيعة كلها لطيفة حالمة ، كان كل من إيفان إيفانوفيتش وبوركين مشتاقين لذلك الريف، كما كان كل منهما يقول في نفسه : ما أجمل بل ما أبدع تلك البقعة من الأرض؟
قال بوركين : " في المرة السابقة عندما ذهبنا إلى مزارع بروكوفي كنت ستروي لي قصة".
" أجل أردت أن أحدثك عن أخي "
زفر إيفان إيفانوفيتش زفرة طويلة ثم أشعل غليونه استعدادا لسرد قصته. ولئن توقف المطر في تلك اللحظة فإنه ــ وبعد خمس دقائق ــ هطل بغزارة ، فغطى السماء كلها ، حتى إنه كان من الصعب على المرء أن يتنبأ متى سوف ينقطع، توقف إيفان إيفانوفيتش وبوركين في حيرة ؛ أما الكلاب فقد تبللت هي أيضا بالماء،حتى إنها انتصبت على قوائمها وأذيالها بين أرجلها تنظر محدقة فيهما بانفعال.
قال بوركين لإيفان: " يجب أن نفتش عن مكان نحتمي فيه " " هيا بنا نذهب إلى بيت ألهين، فهو قريب"
" هيا بنا "
انعطفا ثم سارا في الحقول المحصودة، كانا أحيانا يمشيان باستقامة، وأحيانا يتجهان نحو اليمين، إلى أن
وجدا الطريق ، بعد هنيهة شاهدا أشجار صفصاف و حديقة ،و سقوف مستودعات حمراء، ثم ظهر لهما بعد ذلك النهر وهو يتلألأ ، بعد ذلك انفتح المشهد على بحيرة كبيرة مع طاحونة هواء و حمّام منزلي أبيض اللون: تلك كانت سوفينو حيث كان يسكن آلهين.
2 ــ كانت الناعورة تدور وقد طغى صوتها على صوت المطر، كما كان سد الماء يرتج، الخيول المبللة وقفت بجوار العربات ورؤوسها مسترخية، وكان هنالك رجال يتجولون متلفعين بالأكياس. الجو رطب موحل وموحش ،الماء شديد البرودة ، إيفان إيفانوفيتش و بوركين تبللا من قبل، كانت أقدامهما مثقلة بالطين، وعندما اجتازا السد صعدا باتجاه المخازن، كانا صامتين كما لو كان أحدهما قد انزعج من الآخر.
عند المدخل وقف ألهين نفسه، رجل في الأربعين، طويل القامة، ضخم البنية، طويل الشعر، منظره يشبه أستاذا جامعيا أو فنانا أكثر من مالك للأرض landowner ، يلبس قميصا أبيض متسخا / يحتاج إلى غسل ، وسراويل بدلا من البنطال، ويضع على خصره حبلا اتخذه حزاما، أما الجزمة التي يلبسها فقد تلطخت بالطين والقش. كانت عيناه ــ وأنفه ايضا ــ قد اسودتا من الغبار . وعندما وقع بصره على إيفان إيفانوفيتش وبوركين بدت عليه ملامح السعادة لرؤيتهما.
قال مبتسما :" تفضلوا إلى البيت أيها السادة " " سآتي بعد لحظة إليكما على الفور ".
كان البيت مكونا من طابقين. سكن ألهين في الطابق الأرضي منهما ، سقوفه مقوسة، نوافذه قليلة، كان وكلاء المزارع يسكنون فيه من قبل: هنا كل شيء بسيط: رائحة الخبز الأسمر، والفودكا الرخيصة، جهاز الفرس.
صعد ألهين الدرج متجها نحو أحسن غرف البيت ، كان لا يذهب إليها إلا في حالات نادرة أي عندما يأتيه زوار. قامت الخادم باستقبال كل من إيفان إيفانوفيتش و بوركين عند وصولهما، كانت امرأة شابة وقف الاثنان لشدة جمالها مبهوتين ، ينظر أحدهما نحو الآخر.
قال آلهين :" لا يمكنكما أن تتصورا كم أنا سعيد برؤيتكما يا صديقيّ العزيزين " قال ذلك وهو يسير أمامهما إلى القاعة " إنها مفاجأة ! يا بيلاجيا " قال ذلك وهو يخاطب الفتاة : " قدمي لضيوفنا شيئا من الملابس كي يغيرا، وبالمناسبة أنا أرغب في تغيير ملابسي أيضا، لكن يجب أن أغتسل أولا، لأنني لم أغتسل منذ الربيع تقريبا. ألا ترغبان في الدخول إلى الحمام ريثما تقوم بيلاجيا بتحضير الأشياء لكما ؟".
جلبت الحسناء بيلاجيا لهما المناشف والصابون وكانت في غاية اللطف والرقة، وذهب ألهين إلى الحمام مع ضيوفه.
قال ، وهو ينزع ملابسه: " أتى علي زمن طويل منذ أن تغسلت آخر مرة ، لدينا حمام بديع كان أبي قد أنشأه كما تعلمان، ولكني لا أعرف لماذا لم تتسن لي الفرصة كي أغتسل فيه "
جلس ألهين على الدرج وبدأ يغسل بالصابون شعره الطويل ورقبته، أما الماء فكان ينساب منه وقد استحال لونه بنيا.
3 ــ قال إيفان إيفانوفيتش ، وهو ينظر عمدا إلى رأسه " نعم يجب أن تعترف "
قال ألهين ــ مستشعرا الحرج ــ وقد شرع في غسل رأسه بالصابون للمرة الثانية" أتى علي زمن طويل منذ أن اغتسلت ... ". كان الماء المنساب منه هذه المرة أزرق قاتما كالحبر.
مضى إيفان إيفانوفيتش بعيدا، فألقى نفسه في الماء ، فصدر صوت قوي عند سقوطه ،راح يسبح في المطر مادا ذراعيه إلى أقصى حد ممكن، أثارالماء الساكن ، فتشكلت أمواج جعلت الليلك / الزنبق الأبيض يهتز صعودا ونزولا، سبح إلى منتصف البركة بالضبط ، ثم غطس فيها ، وبعد دقيقة برزمن مكان آخر ، واصل السباحة، وتابع الغطس محاولا أن يلمس قعر الحوض.
" كان يردد، وهو مستمتع إلى أقصى حد ، عبارة: " يا إلهي !" وظل يسبح حتى بلغ المطحنة، وهنالك تحدث إلى المزارعين ، ثم رجع مستلقيا على قفاه في الماء ، مستقبلا بوجهه المطر. في تلك الأثناء ارتدى كل من بوركين وألهين واستعدا للانطلاق ، إلا أن إيفان ظل يسبح ويغطس. قائلا : " يا إلهي !" " يا لطيف ! ".
عندئذ صرخ به بوركين : "هذا يكفي ! ".
رجعوا جميعا بعد ذلك إلى البيت، ما كان لإيفان إيفانوفيتش أن يبدأ بسرد قصته إلا بعد أن أضيء المصباح في غرفة الجلوس، وارتدى بوركين وإيفان إيفانوفيتش ملابس النوم الحريرية، والبوابيج الدافئة، وجلسا على الكنبايات، كان ألهين قد اغتسل ومشط شعره، وارتدى معطفا جديدا،وجعل يسير في أرجاء الغرفة، كان مسرورا بشكل واضح مستمتعا بالدفء والنظافة والثياب الجافة والحذاء الخفيف، ثم دخلت بيلاجيا بهدوء فمشت، وهي تبتسم ، على البساط، ثم قدمت ،بكل أدب ولطف، الشاي والمربى للضيوف على صينية، عندئذ فقط أنشأ إيفان إيفانوفيتش يروي قصته، والظاهر أنه لم يكن بوركين وألهين وحدهما يصغيان إلى القصة، بل كانت السيدات الشابات والعجائز أيضا فضلا عن الضباط ، ينظرن إليهم من خلال إطارات ( براويز) الصور الذهبية بكثير من الجدية والاهتمام.
بدأ إيفان قصته بقوله :" كنا أخوين ؛ " أنا إيفان إيفانوفيتش، وأخي ، نيكولاي إيفانوفيتش، وهو أصغر مني بسنتين. أما أنا فقد بحثت عن مهنة واصبحت بيطارا، على حين اشتغل أخي نيكولاي منذ أن بلغ التاسعة عشرة موظفا في دائرة حكومية ، كان والدنا جيمشا هيمالايسكي كانتونيا، ولكنه ترقى حتى صار ضابطا ، وخلف لنا أرضا ولقب نبيل. على أن الأرض ذهبت بعد وفاته في عملية تسديد الديون وأتعاب المحاماة . على كل حال قضينا طفولتنا في القرية بحرية تامة ، نفعل ما يحلو لنا. وعلى شاكلة أبناء الفلاحين كنا نقضي أيامنا وليالينا في الحقول والغابات، نستمتع بالخيول ،ونقشر لحاء الأشجار، ونصطاد السمك وهكذا.. وأنتم تعلمون أن من يصطد فرخ سمك ، او ير طيور السمانى thrushesفي الخريف حائمة ــ على شكل أسراب ــ فوق القرية في أيام الصحو الباردة، فإنه لا يمكن أن يكون أبدا من أهل المدن، وسيظل في شوق دائم إلى الحرية ،حتى يأتي يوم وفاته. كان أخي شقيا في عمله بالدائرة الحكومية.
4 ــ تتابعت السنون وهو يجلس في نفس المكان، لايكتب ولايفكر إلا في شيء واحد، وهو كيف أصل إلى الريف.
على أن هذا الشوق تحول بالتدريج إلى حلم بشراء مزرعة صغيرة في مكان ما على ضفاف نهر أو بحيرة.
كان لطيفا، طيب القلب، وكنت متعلقا به وإن كنت لا أتعاطف مع رغبته في حبس نفسه إلى آخر العمر في مزرعة صغيرة يمتلكها. وصدق من قال : إن الإنسان لا يحتاج إلى أكثر من رقعة أرض لا تتجاوز مساحتها ست أقدام.
ولكن الأقدام الست هي ما تتطلبه الجثة لا الإنسان. أيضا اليوم يقول الناس: إنه إذا مالت الطبقة المثقفة إلى الأرض ، وتشوقت إلى المزارع ، فذلك شيء جيد. ولكن هذه المزارع ليست سوى الشيء نفسه ، عبارة عن ست أقدام من الأرض. إن خروج الإنسان من المدينة، من عالم الكفاح ، من عالم الحياة الصاخبة، وانسحابه منها إلى إحدى المزارع ليدفن نفسه فيها، ليس حياة بل ضرب من الأنانية ونوع من الكسل أو نوع من التقوقع العقيم. إن الإنسان لا يحتاج إلى ست أقدام من الأرض أو إلى مزرعة، إنه يحتاج الدنيا بأسرها، الطبيعة كلها، كي يجد مجالا لإبراز مواهبه كلها والتعبير عن روحه الحر.
" كان أخي نيكولاي يتخيل ، وهو جالس في مكتبه الحكومي ، كيف سيأكل الملفوف الخاص به الذي يستطيع ان يملأ برائحته اللذيذة ساحة الدار كلها. وكيف سيتناول وجباته على العشب الأخضر، وكيف سينام في الشمس، وكيف سيجلس على المقعد لدى البوابة محدقا في الحقول والغابة. كانت سعادته، بل غذاؤه الروحي المفضل هو أن يطلع على كتب الزراعة والبستنة، وأن يقرأ ــ في المفكرة ــ الإرشادات الزراعية، كان يستمتع بقراءة الجرائد أيضا، لكن الشيءالوحيد الذي يقرؤه فيها إنما هو الإعلانات إعلانات عن الكثير من المناطق الزراعية وعن العزب الريفية المحوطة بالمروج أو الواقعة على ضفاف الأنهار والتي تشتمل على طاحونة أو بركة ، للبيع. وقد جمح به الخيال فصور له المسالك المؤدية إلى الحديقة والزهور والثمار وأعشاش العصافير والسرطانات في الحوض وكل ما يخطر على بالكم، تلك الصور الخيالية كانت تتبدل وتتنوع وفقا للإعلانات التي كان يعثر عليها، ولكن لسبب ما كان يرى دائما ، وفي كل إعلان ، الحصرم .لم يكن بوسعه أن يتخيل بيتا، ولا حتى ركنا منعزلا بلا كرز بري.
كان يردد على الدوام عبارة: " للحياة الريفية كثير من المزايا" . بوسعك أن تجلس على البراندا فتحتسي الشاي، بينما بطاتك تعوم في البركة، وهنالك دائما رائحة زكية تنبعث من كل جانب، و ... والكرز البري ينمو.
كان معتادا على رسم خريطة لما يملك ، وفي كل خريطة كان هنالك الشيء نفسه (أ) بيت العائلة (ب) غرف الخدم
(ج) مطبخ الحديقة (د) شجيرات الكرز البري ، لقد عاش مقترا على نفسه، وكان يقتصد في الطعام والشراب، أما ملابسه فكانت فوق الوصف، كان يبدو كالشحاذ، ولكنه حريص على ادخار النقود في المصرف، لقد تحول إلى جشع بخيل بصورة مخيفة، لم أكن أحب أن أنظر إليه، ، كنت أعطيه شيئا وأرسل إليه هدايا بمناسبة عيد الميلاد وعيد الفصح ، ولكنه كان يدخر ما أعطيه له أيضا. فمن تسيطر عليه فكرة لا يمكن لأحد أن يغير ما في نفسه.
(5) " تمر السنون: ويُنقل إلى محافظة أخرى، تجاوز الأربعين، لكنه لم يزل يقرأ الإعلانات في الجرائد ويواصل ادخار المال. سمعت بعد ذلك أنه تزوج. تزوج ــ وهو يحلم بشراء مزرعة فيها كرز بري ــ من أرملة قبيحة ومسنة دون أن يشعر نحوها بأية عاطفة. تزوجها بكل بساطة لأنها تملك ثروة طائلة filthy lucre وظل يعيش مقترا مقتصدا حتى بعد زواجه منها ، كان يتركها مقطوعة من الطعام، مع أنه أودع كل مالها باسمه في أحد المصارف.
كان زوجها الأول مديرا لمكتب البريد، وكانت هي معه معتادة على الفطائر وعلى تشراب الخمر المعتقة ، بينما في عهد زوجها الثاني أصبحت لا تجد من الخبز الأسمر ما يكفي ، فبدأت تهزل/ تنحل بسبب هذا النمط من العيش، وبعد مضي ثلاث سنوات أسلمت روحها إلى بارئها. لا بد لي هنا أن أقول لكم: إن أخي لم يشعر إطلاقا بأنه كان سبب موتها. ذلك أن المال ــ كالفودكا ــ يجعل الإنسان يتصرف بشكل غريب عجيب. كان في بلدتنا تاجر ــ وقبل أن يموت ــ أمر بإحضار صحن من العسل ، ثم إنه أكل ماله وأوراق اليانصيب مع العسل لئلا يستفيد منه أحد.و بينما كنت مرة أتأمل الغنم بالقرب من محطة القطار، إذا براعي مواش يسقط تحت القطار، لتنقطع رجله. فقمنا بنقله إلى غرفة الانتظار، كان دمه ينزف، كان ذلك شيئا فظيعا. ومع ذلك ظل يرجو الناس أن يبحثوا له عن ساقه ،وكان في غاية القلق عليها، لأنه كان في الجزمة التي قطعت منها الساق عشرون روبلا ، وكان يخشى أن يضيعوها.
قال بوركين : " هذه قصة من أوبرا مختلفة ".
قال إيفان إيفانوفيتش عبارة" بعد وفاة زوجته " ، ثم تفكر مدة نصف دقيقة ، لكنه تابع فقال: " بدأ أخي البحث عن أرض لنفسه. بالطبع يمكنك أن تبحث مدة خمس سنوات ومع ذلك فقد ترتكب خطأ، وتشتري شيئا مختلفا تماما عما كنت تحلم به. لقد اشترى أخي نيكولاي ــ بوساطة عميل ( دلال) ــ أرضا مرهونة تبلغ مساحتها ثلاثمئة وثلاثين هكتارا، ومعها بيت للعائلة، وفيها غرف للخدم، وحديقة، ولكن ليس معها بستان، ولا شجيرات كرز برّي، ولا حوض للبط، نعم كان هنالك نهر، إلا أن ماءه كان بنيا بلون القهوة، لأنه كان على أحد طرفي الأرض معمل قرميدbrickyard ، وعلى طرفها الآخر كان يقوم مصنع لحرق العظام. لكن نيكولاي لم يتأثر كثيرا ، لأنه أمر بشراء عشرين شجيرة كرز بري فزرعها، وبدأ يعيش كما يعيش السيد النبيل في الريف.
ذهبت ــ في العام الماضي ــ لكي أزوره، قلت في نفسي سأذهب لأطلع على الأرض. وكان أخي يطلق عليها ــ في رسائله ــ اسم" تشمبركولف ويست، ألياس هيماليسكوي " وعندما وصلت إلى " ألياس هيماليسكوي" عصرا كان الجو حارا. كانت هنالك في كل ناحية قنوات ماء، وأسيجة وصفوف من الشجر، ولكن لم يكن هنالك طريق معلومة للوصول إلى ساحة الدار ، ولا مكان يربط فيه المرء جواده. مضيت مباشرة إلى البيت، فبرز لي كلب أحمر سمين كالخنزير ، وعندما هم الكلب بالنباح ، تقاعس عن ذلك. ثم خرجت الطباخة البدينة ــ كالخنزيرة أيضا ــ حافية القدمين من المطبخ، فقالت : إن سيدها يستريح بعد الغداء. عندئذ دخلت لأرى أخي. كان مستلقيا على سريره مغطيا ساقيه بلحاف
6 ــ نظرت إلى أخي فرأيت أنه قد تقدم في العمر وسمن وتغضن وجهه، كما برز خداه ، بدا لي كما لو كان على وشك النوم: سيبدأ الشخير تحت اللحاف في أية لحظة.
" تعانقنا، ذرفنا دموع الفرح والحزن ،خصوصا عندما تذكرنا أننا كنا ذات يوم صغارا، وها نحن أولاء قد أصبحنا
رجلين أشيبين على حافة قبريهما" ارتدى ملابسه، ثم سار أمامي ليطلعني على الأرض.
سألته: " حسنا، كيف تسير الأمور معك هنا ؟ ".
" أوه ، كل شيء على مايرام، الحمد لله، أموري تسير على نحو جيد ".
" لم يكن أخي سوى موظف جبان ، ولكنه مالك أرض حقيقي، نبيل بكل معنى الكلمة" كان يحب الأرض والعمل ، ومع الأيام تعلق أكثر بالعمل في الأرض وعشقه. كان يأكل كثيرا، ويذهب إلى الحمام، لقد سمن ، وكان يخضع لقانون الكميونة الذي تخضع له القرية ، كان ينزعج كثيرا من أولئك الفلاحين الذين لا ينادونه بعبارة " سعادتك .. " كان حريصا جدا على أن يقدم نفسه بطريقة ملموسة واخلاق محمودة من خلال أعمال خيرة يمارسها ليس لوجه الله ولكن لغايات مستقبلية، أما تلك الأعمال الخيرة فهي معالجة الفلاحين ــ في كثير من الأحيان ــ بالصودا وزيت الخروع ، وفي أعياد ميلاده كان يحتفل في وسط القرية بصلاة الشكر ، ثم يدعو الفلاحين إلى غالون من الفودكا.. كان يرى أن ذلك واجب. أه... وا أسفا على تلك الغالونات من الفودكا الرهيبة! وفي أحد الأيام قام مالك الأرض السمين بسحب الفلاحين أمام ضابط المنطقة لأنهم دخلوا إلى أرضه دون موافقته، لكنه، وفي اليوم التالي ، وبمناسبة العطلة، دعاهم إلىغالون من الفودكا ، فشربوه وصاحوا " هورا " وعندما يسكرون كانوا يسجدون عند قدميه. إن تغير الحياة نحو الأحسن، والغذاء الجيد والكسل ، تولد في الإنسان الروسي أشد أنواع الغرور والغطرسة. فنيكولاي إيفانوفيتش الذي كان ــ في أثناء عمله بالدائرة الحكومية ــ يخشى أن يعبر عن أي من آرائه ، أخذ الآن لا ينطق إلا بالحقائق التي جاء بها الإنجيل. وكان يقولها بنبرة تشبه نبرة رئيس مجلس الوزراء :
" التعليم ضروري، ولكنه بالنسبة إلى الفلاح شيء سابق لأوانه. " العقاب البدني ضار بشكل عام، لكنه في بعض الأحيان ضروري، بل لا شيء يغني عنه". " أنا أعرف الفلاحين وأعلم كيف أتعامل معهم. كان يقول : " الفلاحون يحبونني، لا أحتاج ــ عندما أرغب في أمر ما ــ إلا أن أشير بإصبعي الصغرى "
كل هذه الأقوال ــ لاحظوا ــ كانت تقال مصحوبة بابتسامة لطيفة خيرة، لقد كرر أكثر من عشرين مرة عبارة : " نحن النبلاء" ، " أنا كنبيل " من الواضح أنه لم يتذكر أن جدنا كان فلاحا، وان أبانا كان جنديا. حتى إن لقبنا :
" جيمشا هيمالايسكي، و هو ـــ في الواقع ــ نشاز في حروفه، بدا له الآن متناغما، متميزا على سائر الأسماء، ومحبوبا جدا.
" لكن الموضوع الآن ليس هو، وإنما أنا نفسي، أردت أن أخبركم عن التغير الذي حدث في أعماقي خلال الساعات القليلة التي قضيتها في ذلك المكان الريفي. في المساء، عندما كنا نشرب
7 ــ الشاي، جاء الطباخ ، فوضع على المنضدة صحنا من الكرزالبري، لم تكن حبات الكرز مشتراة/ مجلوبة، ولكنها من أرضه ، جمعت أول مرة ، منذ أن تمت زراعتها. ضحك نيكولاي إيفانوفيتش، ونظر مدة دقيقة في الكرز البري صامتا، مع دموع في عينيه، لم يستطع ــ لشدة انفعاله ــ أن يقول شيئا، وضع واحدة من حبات الكرز البري في فمه ، ونظر إلي مزهوا بالنصر كما يزهى الطفل عندما يتسلم دميته المفضلة ، ثم قال : " ما ألذها ! " ثم إنه أكلها بنهم وهويردد عبارة : " كم هي لذيذة ؟ " .
" ثم اكلها بجشع، وهو يردد : أوه .. ما ألذها، تفضل ، ذق "
" كانت حبات الكرز حامضة و فجة، ولكن كما يقول بوشكين:
إن الكذب الذي يرفع من شأننا أحب إلينا من
الحقائق التي تحط من قدرنا ".
رايت رجلا سعيدا حقق، بلا شك ، حلمه الغالي، ووصل إلى هدفه في الحياة، رجلا حصل على كل ما كان يريد ، رجلا راضيا بقدره وراضيا عن نفسه. كان هنالك ــ على الدوام ــ و لسبب ما ، شيء من الحزن يشوب أفكاري عن السعادة الإنسانية، ، وبهذه المناسبة، وعندما وجدت رجلا سعيدا ، سيطر عليّ شعور رهيب ، شعوربالكراهية . وكان هذا الشعور يصبح عدوانيا فى الليل على وجه الخصوص، في الغرفة المجاورة لغرفة نوم أخي نُصب لي سرير ، كنت أستطيع سماعه وهو مستيقظ ، و كنت أشعر به وهو يمضي إلى صحن الكرز ليأخذ واحدة منه، تفكرت مليا في ذلك العدد الكبير من أولئك الناس السعداء من أعماقهم وهل لهم من وجود حقيقي ؟ " يا لها من قوة خانقـة ! تأمل الحياة، تجد غطرسة القوي وتقاعسه ، وجهالة الضعيف و وحشيتة ، الفقر المدقع المخيف الذي يحيط بنا ، تزايد عدد السكان، التفسخ والانحلال، تعاطي الخمرة، النفاق والكذب.. ومع ذلك فكل الناس هادئون صامتون في البيوت و في الشوارع ، ومن بين الخمسين ألفا الذين يعيشون في البلدة لا نكاد نجد شخصا يصرخ، فمن الذي سوف يعبر عن غضبه و نقمته بصوت عال؟إننا نرى الناس ذاهبين إلى السوق لشراء التموين ،نشاهدهم يأكلون في النهار وينامون في الليل ، يتحدثون في موضوعات سخيفة تافهة، يتزوجون، ويهرمون ويشيعون موتاهم إلى المقابر بكل هدوء، ولكننا لا نرى ولا نسمع أولئك الذين يعانون ويقاسون ،ومن الأمور المؤسفة أن الأمور المزعجة تجري عادة خلف الكواليس.
.. كل شيء هادىء ومسالم، ولا أحد يعترض، إنهم إحصاءات خرساء: كثير من البشر يصابون بالجنون ، مئات الغالونات من الفودكا تُشرب، كثير من الأطفال يموتون من سوء التغذية... الظاهر أن هذا النظام شيء ضروري لا مفرّ منه، من الواضح أن الرجل السعيد يشعر بالراحة لأن الشقي يتحمل الأعباء صامتا، وبدون ذلك الصمت فإن السعادة سوف تكون مستحيلة. إنها نوع من التنويم المغناطيسي بشكل عام. يجب أن يكون وراء باب بيت كل إنسان سعيد او راض عن حياته، شخص واقف ومعه مطرقة كي يذكره ، على الدوام وبإيقاع مستمر ، بأن هنالك أشخاصا متعسين ، وبأنه ــ مهما كان سعيدا ــ فإن الحياة سوف تريه قوانينها عاجلا أم آجلا، وبأن البلوى سوف تصيبه .. المرض الفقر الخسائر، و لكن لن يسمعه أو يراه أحد ،كما أنه الآن لا يرى ولا يسمع شكوى الآخرين. ولكن لأنه لا يوجد رجل بمطرقة ، فإن الرجل السعيد
8 ــ يعيش مرتاحا، كما أن الهموم اليومية لا تغضبه إلا ولا تؤثر فيه إلا بشكل خفيف كما تهز الريح شجرة الحور ، وبعد ذلك يسير كل شيء على مايرام.
تابع إيفان إيفانوفيتش وهو ينهض من مكانه :"في الليلة التي انتابني فيها هذا الشعور كنت أنا أيضا سعيدا وراضيا " " أنا أيضا كنت أحب ــ عند تناول الغداء وعند ممارسة الصيد ــ أن أضع ا ( اللوم ) على الحياة والدين، وعلى الطريقة التي نعامل بها الفلاحين" " أنا أيضا كنت أردد دائما أن العلم ضحل، وأن الثقافة أمر ضروري وأساسي، ولكن القراءة والكتابة ــ بالنسبة إلى البسطاء ــ كانتا كافيتين آنذاك. الحرية مباركة، كنت أردد على الدوام: نحن لم نعد قادرين على العيش بدونها كما أننا لا نستطيع العيش بلا هواء، ولكن ينبغي أن نتريث قليلا. نعم هكذا كنت أقول ، والآن أسأل " لماذا علينا أن ننتظر ؟ " قال إيفان إيفانوفتش ذلك وهو ينظر بغضب إلى بوركين :" علام ننتظر؟ " إنني أسألك ، ما الأسباب التي تدعونا إلى الانتظار ؟ سيترد عليّ لا يمكن أن يتم ذلك كله فورا، فكل فكرة تحتاج إلى وقت كي تأخذ طريقها إلى الحياة في الوقت المناسب و بالتدريج. ولكن من الذي قال ذلك ؟ وأين الدليل على أن هذا الكلام صحيح؟ إنك تريد أن تخرج على قوانين الطبيعة وعلى نظام الأشياء ، وعلى ظاهرة الاتساق والانسجام، ولكن هل هنالك نظام و انسجام في لحياة ، وأين الحقيقة التي أنا ــ ككائن حي عاقل ــ أقف على شفا حفرة منتظرا إياها ، هل أسعى إليها أم أنتظرها حتى تأتي وتدنو بنفسها ؟ أم علي أن أردم بالطين تلك الفجوة و أقفز من فوقها أو أبني جسرا فوقها ؟؟
مرة ثانية أقول : من أجل ماذا ننتظر ؟ أ نظل ننتظر حتى نفقد قدرتنا على العيش ؟ علما أننا نريد أن نحيا ، بل نحب أن نحيا!!
غادرت أخي مبكرا عند الصباح ، ومنذ ذلك الوقت لم أعد أطيق العيش في البلدة. أنا مغتاظ منها بسبب سكونها
وهدوئها، أخشى أن أن أنظر إلى النوافذ ، لأنه لا يوجد منظر أشد إيلاما لي من منظر أسرة سعيدة جالسة حول منضدة مستديرة لاحتساء الشاي. إنني رجل عجوز غير صالح للنضال، أنا عاجز حتى عن حمل الحقد، كل ما أستطيع القيام به هو أن أتألم من أعماقي، وان أشعر بالغضب والغيظ،ولكن في الليل يسخن رأسي من تزاحم الفكر فلا أستطيع أن أنام. آه ... ليتني شاب.
راح إيفان إيفانوفيتش يمشي إلى الخلف وإلى الأمام في حماسة وانفعال وهو يردد عبارة " لو أنني شابّ ".
ثم إنه وبشكل مفاجىء صعد إلى آلهين وأخذ يضغط على إحدى يديه ثم على الأخرى .
قال في صوت يدعو إلى الرثاء والإشفاق: يا باول كونستانتينوفيتش " إذا كنت شابا و واثقا بنفسك ولا تمل من عمل الخير فلا تكن هادئا وراضيا ، ولا تسمح لنفسك بالإخلاد إلى النوم . لا توجد سعادة في الدنيا و لاينبغي لها أن توجد، لكن إذا كان للحياة من معنى أو هدف ، فذلك الهدف وذاك المعنى ليس سعادتنا وإنما هو شيء أعظم وأكثر عقلانية/ منطقية ، إنه مبدأ : "اعمل صالحا"
قال إيفان إيفانوفيتش ذلك كله بضحكة متوسلة وكأنه كان يلتمس منه إسداء معروف .
ثم إن الثلاثة ــ بعد ذلك جلسوا على الكنبايات عند مختلف أطراف غرفة الجلوس وصمتوا, قصة إيفان إيفاتوفتش لم تمتع بوركين ولا آلهين. عندما تطلع الجنــــرالات والســــــــيدات من خلال إطــــــارات الصور الذهبية، كانوا ينظرون في الغسق وكأنهم أحياء ، كان من الممل أن تنصت إلى قصة عن موظف فقير يأكل الكرز البري. لقد شعروا بالميل ــ لسبب مجهول ــ إلى سماع قصة تتحدث عن الناس المتأنقين ، عن النساء ،إن جلوسهم في غرفة الجلوس ، حيث يتوافر كل شيء: القناديل في الكوى، الكنبايات والسجادة تحت أقدامهم ، ذكّرهم أن هؤلاء الناس أنفسهم ، وهم الذين ينظرون الآن إليهم من خلال البراويظ/ الإطارات ، كانوا ذات يوم يتجولون في هذه الغرفة بالذات ويجلسون ويحتسون الشاي وبحقيقة أن الحلوة بيلاجيا التي كانت تطوف عليهم هي أفضل من أية قصة.
كان آلهين قد مات من النعاس، فقد استيقظ عند الصباح الباكر قبل الساعة الثالثة صباحا. ليقوم برعاية عمله لذلك أخذت عيناه تغمضان ومع ذلك ظل يدافع النوم خشية أن يقوم صديقاه بسرد قصة في أثناء ذهابه، لم يحاول الدخول في مسألة : هل كان إيفان إيفانوفيتش محقا ومصيبا في الكلام الذي قاله قبل قليل. ضيوفه لم يتحدثوا عن الحبوب ولا عن التبن ولا عن الزفت، وإنما تحدثوا عن شيء لا علاقة له بحياته، ومع ذلك فقد كان سعيدا وراغبا في أن يتابعوا الحديث.
قال بوركين وهو ينهض : " حان وقت النوم مع أن .. " " اسمحا لي أن أن أقول لكما : " تصبحان على خير".
قال آلهين: " تصبحون على خير" ثم مضى نازلا إلى مجاله بينما كان صديقاه ما زالا على الدرج. أخذ الضيفان إلى غرفة كبيرة من أجل النوم، حيث كان فيها سريران قديمان خشبيان محفور عليهما نقوش ، وكان في أحد أركان الغرفةصليب عاجي . كانا السريران الكبيران الرطبان/ الباردان اللذان جهزتهما بيلاجيا \وي رائحة لطيفة تنبعث من الحرير النظيف.
خلع إيفان إيفانوفيتش ملابسه في صمت وأوى إلة فراشه، ثم قال : " أللهم اغفر لنا ذنوبنا " ثم وضع رأسه تحت اللحاف.
كان غليونه الموضوع على الطاولة ينشر رائحة قوية هي رائحة التبغ العفنأما بوركين فلم يستطع النوم لمد طويلة، وظل يتساءل : من أين تنبعث تلك الرائحة الكريهة oppressive smell.
كان المطر ــ طوال تلك الليلة ــ يطرق على ألواح النوافذ الزجاجية.


0 Comments:
Post a Comment
<< Home