المســــــــــــخ
المســــــــــــخ
Metamorphosis
فرانز كافكا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ترجمة: عبد الرحمن دركزللي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نهض غرغور ســـــامسا في صبيحة أحد الأيام من حلم مزعج. شعر أنه قد تحول إلى حشرة كريهة
إلى صرصور بحجم الإنســــــان، كان يســـتطيع ــ وهو مســـــــتلق على قفاه ــ أن يرى بطنه البني الضخم
وساقيه النحيلتين، حاول أن ينقلب على جنبه، ولكنه كلما حاول ذلك انقلب على ظهره ثانية.
تذكر عمله كبائع متجول ، كان يمقت عمله كثيرا، ولكنه اضطر إلى القيام به ليعـــول أباه وأمه وأخته
فأبــوه لم يعد يشــــتغل شيئا، نظر إلى الساعة فلا حظ أنه قد أسرف في النوم، الساعة السادسة والنصف
لقد تأخر.ولما كان القطار الثاني يتحرك في السابعة وجب عليه أن يســــــرع كي يلحق به. بعد عدة دقائق
صرخت أمه قائلة :" الســـاعة 645 لقد تأخرتَ ، انهض ! " وعندئذ رد عليها قائلا: " نعـــــم يا أمي
لقد نهضت الآن" وهنا انتبه إلى أن صوته بدا عاليا جدا ، وتهمس له أختـــــه من خلال الباب: " هل أنت
على ما يرام؟ "، " هل تحتاج شيئا ؟"
نعم لقد حان الوقت لنهوضه، وما إن يغادر فراشه حتى يتبين أن الأمر كله لم يكن ســوى حلم مزعج.
حاول أن يحرك مؤخرته فلم يفلح إلا قليلا وبصعوبة بالغة، بدت ســـــــــاقاه النحيلتــان وهما تتحركان في
الهواء عديمتي الجدوى، لا تقويان على حمله أوالنهوض به، فعمد إلى تحريك الجزء الأمامي أيضا.. نجح
أكثر، بيد أنه لم يفلح في القيام من الســــرير، لذلك بدأ يتململ على فراشه، وحاول أن يقتلع نفسه اقتلاعا
فسقط ، مرتطما برأسه ، على الأرض .
سمع بعد ذلك قرعا مفاجئا على الباب، كان ذلك مديره الذي قدم لمعرفة ســـــبب تأخره، قال غرغور
في نفسه :" آه.. كم أمقـــت عملي! ". ثم إن المدير صاح به : " ســــيد سـامســا أحذرك، فبسلوكك هذا
قد تفقد عملك، كان عملك ــ في الآونة الأخيرة ــ ســــــــيئا، والآن أراك في الفراش، وكان حريّـــا بك أن
تكون على رأس عملك". و يستولي على غرغور الخوف، فيقول له: " لا ، لا ، ســــــــأخرج فـورا لقد
كنت مريضا ما الآن فقد تحسنت كثيرا" . لم يفقه المدير و لا أهل غرغور شــــــيئا مما قاله، لقد تحول
كلامه أيضا إلى هسيس أو صفير كالذي تصدره الحشرات. حاول أن ينهض فاســــتند إلى الخزانة
ذات الأدراج، وحاول النهوض، لكنه انزلق بعد أن علّق ساقيه النحيلتين بأحد الكراسي. وأخيرا تمكن
من الاســــتناد إلى الباب وفتحه والخروج منه.
وعندما وقعت عينا المدير عليه صرخ بأعلى صوته، كما أن أمه أغمي عليها، أما أبوه فقد أخذ يبكي
و يتراجع المدير إلى الخلف ليخرج من الغرفة حائلا بين غرغور وبين الخروج، ولكن غرغور استطاع
الخروج وفجأة سقط في غرفة الجلوس ، و وقف على قدميه النحيلتين ، وهنا تصرخ الأم ثانيــــة بينما
يغادر المدير المنزل ، أما أبوه فقد بادر إلى عكازه وجريدته وأخذ يضربه ليرده إلى غرفة نومه. وما إن
صار في داخل الغرفة حتى أقفل عليه الباب من الخارج.
عندما هبط الظلام نهض غرغور من كبوته ليشم رائحة طعام تنبعث بالقرب منه، عرف أن أختــــه
غريتا قد أحضرت له وجبة طعام من أفضل وجباته: طاسة لبن فيها خبز مثرود، وما إن ذاقها حتى شعر
بالقرف، عافتها نفسه بل أعرض عنها، انســل بعد ذلك إلى الديـــــوانة فكمـــن تحتها وظل نائـــما حتى
الصباح.
في صباح اليوم التالي فتحت أخته باب الغرفة المقفل لتجد أن أخاها لم يُصِب شيئا من الطعام على
الإطلاق، فعجبت من أمره، ثم عمدت إلى الطاسة فأخذتها، و رجعت حاملة معهـــــا بعض الخضراوات
القديمة والعظام والجين النتن، فوضعتها وذهبت، وما إن غادرت الغرفة حتى عمــد غرغور إلى الطعام
فالتهمه بنهم شديد... تتابعت الأيام بعد ذلك ، لقد كانت أخته الشــــــخص الأوحد في المنزل الذي يملك
الشجاعة الكافية للدخول إلى غرفته.
سئم غريغور بعد ذلك من بقائه حبيسا في غرفة النوم، ومل من السعي ليل نهار على أرضها، لذلك
راح يذرع المكان جيئة وذهوبا، كما أنشأ يتسلق الجدران ويمشي على السقف، فشعر بتحســـن أكبرمما
كان عليه قبلا. ولاحظت أخته ذلك من خلال المادة البنية اللزجــــة التي طبعتها قدمــــاه الصغيرتان حيث
كان يسير، لذلك قررت أن تُخرج معظم الأثاث من الغرفة كي توفر له مســــــــاحة أكبر للحركة والسير.
كان في الغرفة صورة معلقة على الجدار لامرأة جميلة ترتدي ملابس أنيقة حرص غرغور على الاحتفاظ
بها، فبينما كانت غريتا مع أمها في الغرفة المجاورة تســـــلق الجدار بسرعة وزحف حتى التصق بجانب
تلك الصورة، وما إن بصـــــُرت به الأم حتى صرخت وأغمي عليها.. عندئذ غضبت أخته منه، شعر بذلك
فأسرع إلى غرفة الطعام كي يساعدها في إنعاش الأم، ولكنها خافت منه أشـــــــد الخوف، وعلم الأب بما
حصل ، فنقم عليه نقمة عارمة. حاول غرغور بعد ذلك الرجوع إلى غرفــــة النوم فلم يتمكن لأن البـــاب
كان ضيقا، وعندما رآه أبوه اســــــــتل تفاحة وقذفه بها فأحس غرغور بألم شديد، وبادرت الأم إلى الأب
وتوسلت إليه ألا يقتله، ثم إنه تمكن من النفوذ إلى غرفة نومه بعد لأي، وخرقت التفاحــــة ظهره عالقـة
فيه مانعة إياه من المشي بسهولة، وسببت له ألما فظيعا... بعد ذلك الحادث أهمــــلت الأخت أخاها ، ولم
تعد تهتم بإطعامه وتنظيف غرفته، واعتراه نوع من فقدان الشاهية ، ولم يعد ــ على كل حال ــ يرغب في
الطعام، و تراكم الغبار والوســـخ على أرض الغرفة، حتى إنهما أخذا يعلقان به حيثما سار.
أخذت الأسرة بعد ذلك تترك الباب المؤدي إلى غرفة الطعام مفتوحا لمدة ساعتين كل ليلة بعد العشـاء
وهذا مكّنه من الاستماع إلى أحاديثها، وقد سعد كثيرا بذلك. ولكن في إحدى الليالي نسي أهله أن يغلقــوا
باب غرفة غرغور ، وراحت أخته تعزف على الكمــــان وكانت قد توقفت عن العزف عليه منذ أمد بعيـــد
فشعر بالارتياح. كانت الموسيقا بديعة ومهدئة للأعصاب ، رآه أهله يدنو من أخته ليعبر عن شـــكره لها
لكنها توقفت عن العزف فجأة وصرخت مذعورة: " أمي ، أبي " لا يمكن لهذا الوضع أن يســـــــــتمر"
" يجب أن نجد طريقة للتخلص من هذا ، فهو يفسد حياتنا ويشوّه عيشنا !! ".
عندئذ زحف راجعا نحو غرفته، واستلقى هناك في الظلام الدامس لا يحرك ساكنا، غاب عن وعيــــه
حتى إنه لم يعد يشعر بالألم الناجم عن التفاحة التي اخترقت ظهره. كان يفكر بشـــــأن أسرته بحزن بالغ
قضى الليل كله وهو يفكر، وعندما انبلج عمود الصبح وأخذ الضوء يتسلل عبر النافـــذة إلى غرفتــه كان
قد قضى نحبه ومات.
عندما رأت الأسرة غرغور في صبيحة اليوم التالي ميتا شعرت بالراحة والسعادة، وعمـــــدت غريتا
إلى مكنسة، فضربته على ظهره فتناثر وتحـــول إلى قشور، ولم تلبث أن كنســـــــــته وألقته في المزبلة.
لأول مرة ــ وبعد كآبـــــة طويـــلة ــ شعرت الأسرة بنوع من الراحة، إذ صار بوسعها أن تخطط من جديد
لمستقبلها ، كما تمكنت بعد أمد طويل من ركوب القطار للذهاب إلى الريف و الخروج إلى النزهة ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فرانز كافكا: 1883 ـــ 1924
كاتب نمساوي من مواليد تشيكوسلوفاكيا ، عانى من الاكتئاب واعتلال الصحة ( مات في سن الحادية والأربعين)، وبالرغم من أنه كتب كثيرا من الأعمال الأدبية فإن شــهرته ــ بشكل أساسي ــ تقوم على اثنتين من رواياته، هما ( المحاكمة) و ( القلعة )، وهما روايتان رمزيتان معقدتان ، ولم تنشرا في أثناء حياته بل بعد موته. كما أنهما مكتوبتان بأسلوب جليّ واضح وهذا يتعارض تماما مع غموض الحُبكة فيهما، حيث نجد الشخوص تصارع وتكافح ضد قدر غامض غير قابل للفهم.
فرانز كافكا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ترجمة: عبد الرحمن دركزللي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نهض غرغور ســـــامسا في صبيحة أحد الأيام من حلم مزعج. شعر أنه قد تحول إلى حشرة كريهة
إلى صرصور بحجم الإنســــــان، كان يســـتطيع ــ وهو مســـــــتلق على قفاه ــ أن يرى بطنه البني الضخم
وساقيه النحيلتين، حاول أن ينقلب على جنبه، ولكنه كلما حاول ذلك انقلب على ظهره ثانية.
تذكر عمله كبائع متجول ، كان يمقت عمله كثيرا، ولكنه اضطر إلى القيام به ليعـــول أباه وأمه وأخته
فأبــوه لم يعد يشــــتغل شيئا، نظر إلى الساعة فلا حظ أنه قد أسرف في النوم، الساعة السادسة والنصف
لقد تأخر.ولما كان القطار الثاني يتحرك في السابعة وجب عليه أن يســــــرع كي يلحق به. بعد عدة دقائق
صرخت أمه قائلة :" الســـاعة 645 لقد تأخرتَ ، انهض ! " وعندئذ رد عليها قائلا: " نعـــــم يا أمي
لقد نهضت الآن" وهنا انتبه إلى أن صوته بدا عاليا جدا ، وتهمس له أختـــــه من خلال الباب: " هل أنت
على ما يرام؟ "، " هل تحتاج شيئا ؟"
نعم لقد حان الوقت لنهوضه، وما إن يغادر فراشه حتى يتبين أن الأمر كله لم يكن ســوى حلم مزعج.
حاول أن يحرك مؤخرته فلم يفلح إلا قليلا وبصعوبة بالغة، بدت ســـــــــاقاه النحيلتــان وهما تتحركان في
الهواء عديمتي الجدوى، لا تقويان على حمله أوالنهوض به، فعمد إلى تحريك الجزء الأمامي أيضا.. نجح
أكثر، بيد أنه لم يفلح في القيام من الســــرير، لذلك بدأ يتململ على فراشه، وحاول أن يقتلع نفسه اقتلاعا
فسقط ، مرتطما برأسه ، على الأرض .
سمع بعد ذلك قرعا مفاجئا على الباب، كان ذلك مديره الذي قدم لمعرفة ســـــبب تأخره، قال غرغور
في نفسه :" آه.. كم أمقـــت عملي! ". ثم إن المدير صاح به : " ســــيد سـامســا أحذرك، فبسلوكك هذا
قد تفقد عملك، كان عملك ــ في الآونة الأخيرة ــ ســــــــيئا، والآن أراك في الفراش، وكان حريّـــا بك أن
تكون على رأس عملك". و يستولي على غرغور الخوف، فيقول له: " لا ، لا ، ســــــــأخرج فـورا لقد
كنت مريضا ما الآن فقد تحسنت كثيرا" . لم يفقه المدير و لا أهل غرغور شــــــيئا مما قاله، لقد تحول
كلامه أيضا إلى هسيس أو صفير كالذي تصدره الحشرات. حاول أن ينهض فاســــتند إلى الخزانة
ذات الأدراج، وحاول النهوض، لكنه انزلق بعد أن علّق ساقيه النحيلتين بأحد الكراسي. وأخيرا تمكن
من الاســــتناد إلى الباب وفتحه والخروج منه.
وعندما وقعت عينا المدير عليه صرخ بأعلى صوته، كما أن أمه أغمي عليها، أما أبوه فقد أخذ يبكي
و يتراجع المدير إلى الخلف ليخرج من الغرفة حائلا بين غرغور وبين الخروج، ولكن غرغور استطاع
الخروج وفجأة سقط في غرفة الجلوس ، و وقف على قدميه النحيلتين ، وهنا تصرخ الأم ثانيــــة بينما
يغادر المدير المنزل ، أما أبوه فقد بادر إلى عكازه وجريدته وأخذ يضربه ليرده إلى غرفة نومه. وما إن
صار في داخل الغرفة حتى أقفل عليه الباب من الخارج.
عندما هبط الظلام نهض غرغور من كبوته ليشم رائحة طعام تنبعث بالقرب منه، عرف أن أختــــه
غريتا قد أحضرت له وجبة طعام من أفضل وجباته: طاسة لبن فيها خبز مثرود، وما إن ذاقها حتى شعر
بالقرف، عافتها نفسه بل أعرض عنها، انســل بعد ذلك إلى الديـــــوانة فكمـــن تحتها وظل نائـــما حتى
الصباح.
في صباح اليوم التالي فتحت أخته باب الغرفة المقفل لتجد أن أخاها لم يُصِب شيئا من الطعام على
الإطلاق، فعجبت من أمره، ثم عمدت إلى الطاسة فأخذتها، و رجعت حاملة معهـــــا بعض الخضراوات
القديمة والعظام والجين النتن، فوضعتها وذهبت، وما إن غادرت الغرفة حتى عمــد غرغور إلى الطعام
فالتهمه بنهم شديد... تتابعت الأيام بعد ذلك ، لقد كانت أخته الشــــــخص الأوحد في المنزل الذي يملك
الشجاعة الكافية للدخول إلى غرفته.
سئم غريغور بعد ذلك من بقائه حبيسا في غرفة النوم، ومل من السعي ليل نهار على أرضها، لذلك
راح يذرع المكان جيئة وذهوبا، كما أنشأ يتسلق الجدران ويمشي على السقف، فشعر بتحســـن أكبرمما
كان عليه قبلا. ولاحظت أخته ذلك من خلال المادة البنية اللزجــــة التي طبعتها قدمــــاه الصغيرتان حيث
كان يسير، لذلك قررت أن تُخرج معظم الأثاث من الغرفة كي توفر له مســــــــاحة أكبر للحركة والسير.
كان في الغرفة صورة معلقة على الجدار لامرأة جميلة ترتدي ملابس أنيقة حرص غرغور على الاحتفاظ
بها، فبينما كانت غريتا مع أمها في الغرفة المجاورة تســـــلق الجدار بسرعة وزحف حتى التصق بجانب
تلك الصورة، وما إن بصـــــُرت به الأم حتى صرخت وأغمي عليها.. عندئذ غضبت أخته منه، شعر بذلك
فأسرع إلى غرفة الطعام كي يساعدها في إنعاش الأم، ولكنها خافت منه أشـــــــد الخوف، وعلم الأب بما
حصل ، فنقم عليه نقمة عارمة. حاول غرغور بعد ذلك الرجوع إلى غرفــــة النوم فلم يتمكن لأن البـــاب
كان ضيقا، وعندما رآه أبوه اســــــــتل تفاحة وقذفه بها فأحس غرغور بألم شديد، وبادرت الأم إلى الأب
وتوسلت إليه ألا يقتله، ثم إنه تمكن من النفوذ إلى غرفة نومه بعد لأي، وخرقت التفاحــــة ظهره عالقـة
فيه مانعة إياه من المشي بسهولة، وسببت له ألما فظيعا... بعد ذلك الحادث أهمــــلت الأخت أخاها ، ولم
تعد تهتم بإطعامه وتنظيف غرفته، واعتراه نوع من فقدان الشاهية ، ولم يعد ــ على كل حال ــ يرغب في
الطعام، و تراكم الغبار والوســـخ على أرض الغرفة، حتى إنهما أخذا يعلقان به حيثما سار.
أخذت الأسرة بعد ذلك تترك الباب المؤدي إلى غرفة الطعام مفتوحا لمدة ساعتين كل ليلة بعد العشـاء
وهذا مكّنه من الاستماع إلى أحاديثها، وقد سعد كثيرا بذلك. ولكن في إحدى الليالي نسي أهله أن يغلقــوا
باب غرفة غرغور ، وراحت أخته تعزف على الكمــــان وكانت قد توقفت عن العزف عليه منذ أمد بعيـــد
فشعر بالارتياح. كانت الموسيقا بديعة ومهدئة للأعصاب ، رآه أهله يدنو من أخته ليعبر عن شـــكره لها
لكنها توقفت عن العزف فجأة وصرخت مذعورة: " أمي ، أبي " لا يمكن لهذا الوضع أن يســـــــــتمر"
" يجب أن نجد طريقة للتخلص من هذا ، فهو يفسد حياتنا ويشوّه عيشنا !! ".
عندئذ زحف راجعا نحو غرفته، واستلقى هناك في الظلام الدامس لا يحرك ساكنا، غاب عن وعيــــه
حتى إنه لم يعد يشعر بالألم الناجم عن التفاحة التي اخترقت ظهره. كان يفكر بشـــــأن أسرته بحزن بالغ
قضى الليل كله وهو يفكر، وعندما انبلج عمود الصبح وأخذ الضوء يتسلل عبر النافـــذة إلى غرفتــه كان
قد قضى نحبه ومات.
عندما رأت الأسرة غرغور في صبيحة اليوم التالي ميتا شعرت بالراحة والسعادة، وعمـــــدت غريتا
إلى مكنسة، فضربته على ظهره فتناثر وتحـــول إلى قشور، ولم تلبث أن كنســـــــــته وألقته في المزبلة.
لأول مرة ــ وبعد كآبـــــة طويـــلة ــ شعرت الأسرة بنوع من الراحة، إذ صار بوسعها أن تخطط من جديد
لمستقبلها ، كما تمكنت بعد أمد طويل من ركوب القطار للذهاب إلى الريف و الخروج إلى النزهة ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فرانز كافكا: 1883 ـــ 1924
كاتب نمساوي من مواليد تشيكوسلوفاكيا ، عانى من الاكتئاب واعتلال الصحة ( مات في سن الحادية والأربعين)، وبالرغم من أنه كتب كثيرا من الأعمال الأدبية فإن شــهرته ــ بشكل أساسي ــ تقوم على اثنتين من رواياته، هما ( المحاكمة) و ( القلعة )، وهما روايتان رمزيتان معقدتان ، ولم تنشرا في أثناء حياته بل بعد موته. كما أنهما مكتوبتان بأسلوب جليّ واضح وهذا يتعارض تماما مع غموض الحُبكة فيهما، حيث نجد الشخوص تصارع وتكافح ضد قدر غامض غير قابل للفهم.


0 Comments:
Post a Comment
<< Home