My Photo
Name:
Location: Al Ain, Abu Dhabi, United Arab Emirates

Saturday, November 25, 2006

البهـــلول


البهـــلول
The Joker
Jake Allsop
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تأليف: جيك آلسوب* ترجمة: د. عبد الرحمن دركزللي ( سورية)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت جنازة في غاية السعادة، جنازة رائعة، حتى إن الشمس أشرقت في ذلك اليوم من أجل المرحوم هنري غراوند. وربما استمتع هو أيضا بها ملفوفا في كفنه، لأنه كان موضع الاهتمام والتقدير للمرة الأخيـــرة على وجه هذه الأرض. اجل كانت الجنازة في منتهى الســعادة، فالناس ضحكوا وحكوا النــكات، والأقارب الذين لم يتكلموا مع بعضهم لسنوات عديدة، تبادلوا البسمات، وتواعدوا على التواصل مع بعضهم. كما أن كل واحد منهم كانت لديه ــ بالطبع ــ قصة يحدّث بها الآخرين عن هنري.

"هل تتذكرون يوم ارتدى هنري ملابس غجري، ومضى من باب إلى آخر يفتح الفأل للناس؟ لاشك أنه ربح يومها ستة دولارات في فترة ما بعد الظهر."

" هل سمعتم بالفصل المضحك الذي صنعه عندما كان طالبا ، الفصل الذي صنعه بعمال الطرقات، يومها كان بعضهم يقوم بحفر حفرة في الطريق. في البدايــــــة اتصل هنري بالشــــــرطة ليخبرهم أن بعض الطلاب يحفرون حفرة في الطريق وهو عمل لا يليــــق بهم. ثم إنه ذهب إلى العمــــال، وقال لهم: إن بعض الطلاب ارتدوا ملابس الشرطة وهم قادمون إليهم ليمنعوهم من حفر الحفرة! طبعا .. يمكنكم أن تتخيـلوا ماذا حدث يومها... حتما قامت الدنيا ولم تقعد !"

" أجل كان المرحـــــوم هنري يحب أن يمزح مع كل الناس: دُعي مرة إلى معرض يقدم آخر ما أنتجه الرســــــامون التجريديون المعاصرون من اللوحات، فحاول بطريقة ما أن يحضر قبل افتتـاح المعرض بيوم واحد ، فقلب جميع اللوحات رأسا على عقب. ومع ذلك استمر العرض أربعة أيام دون أن ينتبه أحد إلى ما حصل."

لم يستطع أبوه المسكين مطلقا أن يفهم لماذا يقوم ابنه هنري بمثل هذه الأعمال الخرقاء. كان من الصعب أن يتصور المرء أن هنري من أسرة غراوند ، خصوصا إذا لاحظ ما بينه وبين إخوته من اختلاف.

ولد هنري في أســـــــرة ميسورة من أسر ميدلاند ، وهو أصغر الأبناء الخمسة. كان أفراد أسرة غراوند في غاية الوسامة: عيون زرق، شعور شقر، مع ذكاء وطموح . أما الأبناء الأربعة الكبار فقد نجحوا جميعا في حياتهم، إذ تزوجوا من فتيات جميلات وسمينات ومن أســــــر محترمة، كما أنهم أنجبوا أولادا على شـــاكلتهم في الوسامة والذكاء. الأكبر صار قسيسا، والثاني أصبح مديرا لمدرسة حكومية مشهورة، والثالث دخل في تجارة وصار من الأثرياء المعدودين، والرابع حذا حذو أبيه فغدا محاميا. لذلك كان الناس يتساءلون ويتعجبون من كون هنري ــ أصغر أبناء أسرة غراوند ــ كسولا عاطلا لا خير فيه.

كان ــ بخلاف سائر إخوته ــ ذا عينين بنيتين وشعر أسود، لكنه ــ على كل حال ــ تمتع بما تمتع به إخوته من الوسامة والجاذبية، يحب الأكل، والضحك والحديث ، إضافة إلى كثير من الأمور التي لا تدر مالا ولا تعود بالنفع على أحد.
كان من بين تسلياته المفضلة أن يجلس ، إذا سطعت الشمس في فترة ما بعد الظهر من يوم دافئ، تحت شجرة ظليلة، بصحبة أحد الزملاء ليحدّثه عن هذا أو ذاك ، أو ليقوم بعد الأعشاب، أو ليستمع إلى دوي النحل .

صحيح أنه كان شخصا تافها! لكنك لا تملك مع ذلك إلا أن تحبه لبراعته في الإضحاك، فهو صاحب نكتة من الطراز الأول.

على كل حال ، ظل ســـــرد القصص مستمرا، حتى في أثناء إنزال الكفن إلى القبر، كان الناس يمسكون مناديلهم ليكفكفوا بها دموعهم، ولكن دموعهم كانت دموع ضحـك لا دموع حزن .

بعد الجنازة صنعوا إفطارا جنائزيا ،اقتصرت الدعوة على أشخاص محددين . لذلك لم يحضر إلا اثنا عشر شخصا من أقرب المقربين إلى هنري .



قبل ذلك كان هنري قد كلف أخاه كولين بقراءة وصيته على الإفطــــــار الجنائزي، وكان كل واحد من الحضور متشوقا لسماع وصيته. لكن هنري عاش طوال حياته فقيرا، أليس كذلك؟ إذا فماذا عساه أن يخلّـف بعد موته ؟؟

تنحنح كولين :" أحم...أحم " ثم قال : " ! أيتها السيدات ،أيها السادة ! هل أنتم مستعدون لســـــماع الوصية؟

هدأ الجميع وأخذوا ينصتون. فتح كولين الوصية ، وشرع يقرؤها بصوت حزين : " إنني ــ المدعو هنري غراوند ـــ أشهد وأنا في تمام صحتي العقلية ، أن هذه وصيتي الأخيرة"

راحت العبارات القانونية تنثال من فمه بلا انقطاع ، حتى إن الناس شــــعروا بالملل والضجر، كانوا ينتظرون بفارغ الصبر الوصــــول إلى الجزء المهم من الوصية، وعندما وصل كولــــن إليه شهقوا جميعا . لكنه بعد ذلك بقليل ، بادر إلى القول: أن أخي هنري غراوند بالرغم مما يقال عنه كان قد استثمر أمواله بطريقة في منتهى الحكمة والذكاء، وهي تقدر بحوالي ثلاثة أرباع المليون، ولكن من الذي سوف يحصل عليها؟

هنا جحظت العيون ، وجفت الحناجر. تابع كولن قراءة كلمات هنري غراوند برتابة، فقال: " كلكم أيها الأصدقاء عزيز علي ؛ لذلك لا أســـــتطيع أن أقرر لمن سأترك مالي؟ "

وفجأة توقف كولن عن الكلام ، فران صمت عميق يمكنك أن تسمع خلاله صوت سقوط الدبوس . لكنه استأنف كلامه قائلاً " لذلك يا أصدقائي الأعزاء، أجريت لكم مسابقة صغيرة، وهي أنه يجب على كل واحد منكم أن يحكي نكتة، كل بحسب دوره، ومن يقدم أفضل نكتة وأكثرها إضحاكاً فسوف يرث ثروتي ...أخي كولن هو الحكم الأوحد الذي يحدد من صاحب أفضل نكتة"

وضع كولن بعد ذلك الوصية على المنضدة، ثم قال" أيتها السيدات ، أيها السادة ! الأمر إليكم ، بمن سوف نبدأ؟ اسمحوا لي أن أقترح عليكم شيئاً ؟ أرى أنه من الأفضل أن نستخدم الترتيب الأبجدي لأسماء أسركم.

نهض الشـــــــخص الأول، فروى قصة ممتعة عن رجل إنجليزي وقع في غرام مظلته، وعندما انتهى من قصته فاضت عيناه بالدموع ، طبعا من الضحك، كان هذا الرجل يضحك دائماً مع كل نكته يحكيها، على أن بقية أفراد المجموعة ظـلوا ساكتين وغارقين في الصمت، لكنك ــ مع ذلك ــ تستطيع ــ اعتماداً على وجوههم الحمر وعيونهم الضيقة ــ أن تستنتج أنهم وجدوا القصة ممتعة جدا ، لكنهم ظلوا ممتنعين عن الضحك؛ كيلا يمنحوه الفرصة للفوز بالمسابقة.

نهضت ــ بعد ذلك ــ سيدة ، فروت لهم قصة عن خنزير بثلاث أرجل . كانت قصة رائعة جداً ، حتى إن مؤسسة(إم جي إم) حولتها بعد سنوات عدة، إلى فلم كرتون، وعندما جلست السيدة أخذ الحاضرون يضعون مناديلهم على وجوههم: يسعلون أو يتظاهرون بأنهم يعطسون، وبعضهم ألقى قلمه تحت المنضدة ، وتظاهر بأنه يريد البحث عنه ، وذلك كي يستر وجهه ويخفي ضحكه .

هكذا تتابعت النكات، النكته بعد الأخرى , نكته رائعة بعد نكته أروع, نكات من النوع الذي جعل خواصرهم تتوجع، ولكن، مع ذلك كله ، لم يُقدم أحد منهم على الضحك.

أنتم تعرفون ماذا يحدث عندما ترغبون في الضحك ولا تتمكنون منه. إنه أمر شبيه بما يحدث في قاعات الدرس دائماً، فواحد من الطلاب يضحك ويحاول كبح نفسه. ولكن العدوى تسري على الفور فيرغب ثلاثة أو أربعة من الطلاب بالضحك والقهقهة، ثم لا يلبث أن يضحك الفصل بأكمله، وينظر الأستاذ من حوله حائراً متعجبا من تلك الأصوات المكظومة.

وهكذا فعندما ألقيت أخر نكتة كان كل واحد من الاثني عشر شخصاً جالساً في هدوء تام، محـاولاً ــ بكل ما أوتي من قوة ــ أن يكبح جماح الضحك الكامن في أعماقه من الانطلاق. لكن ضحكهم المكتوم تجمع وتراكم ثم لم يلبث أن تحول إلى قوة تشبه قوة البركان وهو على وشك الانفجار.


لم يزل الصمت سائدا، لكن كولن عطس فجأة ( اتشووو) .. ثم أخرج منديلاً كبيرا منقطاً باللون الأحمر وهز أنفه( أ ف .. أف ). هنا صرخ أحد الحاضرين وقد غلبه الضحك ، قائلا " كفى، كفى " الظاهر أنه عجز عن كبح جماحه، فضحك ، ومع أن الآخرين جاهدوا أنفسهم وحاولوا كظم الضحك، فإن بعضهم سالت دموعه. بدأت أولا أكتافهم تختلج وتهتز كما تختلج الأمواج ، وأخيرا انفجروا جميعا بالضحك، ضحك كأنه الحمم المنبعثة من بركان.

طبعاً لم يضحكوا بسبب العطاس, ولا بسبب الإحدى عشرة نكته . لا.... لقد ضحكوا لأن هنري غراوند ساقهم وجمعهم ــ عند بزوغ الفجر ــ ليشهدوا آخر وأمتع فصل هزلي واقعي له , واضعاً بذلك رغبتهم في المال ــ وجها لوجه ــ أمام رغبتهم في الضحك.

عندما هدأ الضحك ، تنحنح كولن ونظف حنجرته مرة أخرى , ثم قال وعيناه تطرفان : عفوا ، سامحوني على هذا ! ؛ فلقد أتى عليّ وأنا أتدرب على تلك العطسة مدة أسبوع بل أكثر.

طوى كولن بعد ذلك منديله الكبير ودسه في جيبه, ثم أضاف: " تلك كانت فكرة هنري".
طبعا ليس من الضروري أن يكون الاثنا عشر مدعوا قد شعروا بالمتعة والسعادة." أما الآن
فاسمحوا لي أن أقرأ لكم بقية الوصية، لقد وصلنا إلى المقطع الأخير". ثم تابع القراءة:
" أرجو ــ يا أصدقائي ــ أن تسامحوني؛ لأنني لم أستطع أن أقاوم رغبتي في تقديم أخر نكته صغيرة لكم. إنها نكته جيدة، ومن المفيد أن تعرفوها، وهي أن حبكم للضحك تغلب أخيراً على حبكم للمال".

هنا توقف كولن تاركاً المجال لمعنى الكلمات يسري ويتغلغل في عقول السامعين، ثم قرأ المقطع الأخير من وصية المرحوم هنري غراوند. وهو:

" شكرا لكم يا أصدقائي ؛ لأنكم سمحتم لي أن أمازحكم للمرة الأخيرة، أما بالنســــبة إلى ثروتـي ــ ولأنني أحبكم جميعا ــ فإنها ستوزع عليكم بالتساوي. استمتعوا بحصصكم، وتذكروني دائماً عندما تسمعون ضحكاً"

هنا غرق الحاضرون جميعا في الصمت ، وساد لأول مرة ــ في ذلك اليوم ــ شعور بالحزن والأسى.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* جيك ألسوب :
أحد كتاب القصة القصيرة المعاصرين في بريطانيا، تخرج في جامعة أكسفورد، ومارس تعليم اللغة الإنكليزية في كثير من البلدان. من أجل صورة له انظر ــ على الإنترنت ــ موقع:
http://www.macmillaneducation.com/authors/allsop.htm

0 Comments:

Post a Comment

<< Home