دفاعا عن النفس
In Self-Defense
Fernando Sorrentino
دفاعا عن النفس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكاتب: فرناندو سورنتينو ترجمة: د. عبد الرحمن دركزللي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في حوالي الساعة العاشرة من صبيحة يوم السبت، قام ابني الأكبر، وهو شيطان على هيئة بشر، بالخربشة على باب الشقة المجاورة مستخدما سلكا معدنيا، طبعا لم تكن هنالك كارثة ولا كان هنالك ما يدعو إلى الخوف، إنه مجرد خط متعرج ، لا يكاد يراه الإنسان إلا إذا استخدم عدسة مكبرة أوأنعم النظر فيه .
أعترف لكم وأنا في حالة خجل: أنه خطر لي ــ في البداية ــ أن أتجاهل الأمر وأن ألزم الصمت ( ومن منا لا يمر بلحظات ضعف ؟ ) إلا أنني فيما بعد رأيت أن أفضل شيء أفعله هو أن أعتذر إلى جاري، وأعرض عليه مبلغا من المال تعويضا عن الضرر. اتخذت هذا القرار حرصا مني على التزام الصدق و قناعة أيضا بأن التكاليف ستكون زهيدة.
طرقت باب جيراني طرقة خفيفة. لم أكن أعرف شيئا عنهم سوى أنهم جيران جدد في البناية، وأنهم ثلاثة أشخاص، وأنهم شقر الشعور. إلا أنني ــ عندما تكلموا ــ اكتشفت أنهم أجانب، وعندما تكلموا أكثر، قدّرت أنهم ألمان أو نمساويون أو سويسريون.
كانوا يضحكون بطريقة طبيعية عفوية، لم يكترثوا للخربشة على الإطلاق، كانت الخربشة في نظرهم أمرا تافها، حتى إنهم ادعوا أنها لا تظهر إلا بجهد كبير أوبعدسة مكبرة. و بالإضافة إلى ذلك أصروا ــ عن طيب خاطرــ على رفض اعتذاري، قائلين : " الأولاد هم الأولاد" ، كما رفضوا رفضا تاما أن يتقبلوا مالا مقابل العطل والضرر. ودعنا بعضنا ، وتصافحنا في غمرة من الضحك الشديد.
عندما رجعت إلى بيتي، سألتني زوجتي التي كانت تنظر من العين الســــــحرية ، بقلق وجزع : " هل سيكلف الدهان مبلغا كبيرا ؟ "
هدأت من روعها وطمأنتها قائلا: " لن يأخذوا منا ســــنتا واحدا " ، فعلقت على ذلك بقولهــا : " الحمد لله انتهت المسألة على خير" ، ثم ما لبثت أن ضغطت على كيس نقودها بنعومة.
ما إن استدرت حتى رأيت عند الباب ظرفا صغيرا أبيض، ، في داخله بطاقة دعوة. عليها اسمان مطبوعان بأحرف صغيرة مربعة : فيلهلم هوفر و برونيلده هوفر . ثم أضيفت إليهما بخط يدوي صغير عبارة " والصغير فيلهلم غوستاف هوفر" يبعثون بتحياتهم القلبية إلى السيد والسيدة سورنتينو، ويرجون منهما ألف مرة أن يقبلا الاعتذار عن الانزعاج الذي ربما أصابهم بسبب ما توهموا أنه إساءة ــ وليس الأمر كذلك ــ حين قام الصغير جوان مانوئيل سورنتينو بتزيين بابنا القديم بخربشات لطيفة في غاية الجمال".
قلت : " الحمد لله .. إن هؤلاء الناس في غاية اللطف والذوق، لم ينزعجوا مطلقا، بل رفضوا أيضا قبول الاعتذار. "
( 2 )
لرد الجميل ، تناولت كتابا حديثا للأطفال كنت أحتفظ به هدية لجوان مانوئيل ، وطلبت منه أن يقدمه للصغير فيلهلم غوستاف هوفر.
كان ذلك يوما سعيدا؛ ذلك أن جوان مانوئيل لبى طلبي من غير أن يفرض علي شروطا مذلة، ذهب ثم رجع حاملا معه شكرا عميقا لنا من آل هوفر وابنهم.
عند حوالي الساعة الثانية عشرة ظهرا من أيام السبت، كنت عادة أحاول ، وإن كنت لا أوفق ، أن أطالع الكتب. جلست هذه المرة ، فتحت الكتاب، ولكن ما إن قرأت كلمتين حتى قرع جرس الباب ، لم يكن في البيت أحد سواي ؛ لذلك اضطررت إلى القيام، تأوهت منزعجا، ومضيت لأفتح الباب.
عند الباب وجدت شابا بشاربين، يرتدي زي الجندي الصغير ذي الخوذة الفضية. أما وجهه فقد توارى خلف باقة ضخمة من الزهر.
وقعت على قصاصة ورق، وناولته إياها ، حياني تحية عسكرية وانصرف، عددت الزهور فوجدتها أربعا وعشرين، ثم قرأت البطاقة البرتقالية، وكان مكتوبا عليها : " فيلهلم هوفـــر و برونيلده هوفر يبعثون بأحر التحيات إلى السيد والسيدة سورنتينو وإلى الصغير جوان مانوئيل سورنتينو، ويشكرانهم على كتاب قصص الأطفال الرائع ــ إنه غذاء الروح ــ لقد شرفوا به الصغير فيلهلم غوستاف وأكرموه . "
في تلك اللحظة بالضبط، رجعت زوجتي مرهقة متعبة من السوق، وهي مثقلة بعلب وصناديق التسوق ، قالت: " ما أبدع هذا الزهر ! أنا لا أمل من الزهر طوال حياتي، كيف خطر لك أن تشتريه يا من لا تفكر في شيء على الإطلاق ؟ قلت لها: ينبغي لي الاعتراف بأن الزهر هدية من أسرة هوفر. قالت لي وهي توزع الزهر على المزهريات، : " يجب أن نرد لهم الجميل ونعبر لهم عن الشكر والامتنان على ما قدموه لنا ، هيا.. ادعهم إلى تناول الشاي عندنا "
كانت لدي أعمال أخرى في ذلك السبت، لذلك تجرأت فقلت لها بصوت خافت: " ما رأيك أن ندعوهم اليوم بعد الظهر؟ " قالت: " حسنا..لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد".
كانت الساعة السادسة مساء، طقم طعام صيني براق، وغطاء أبيض كالثلج وُضعا على مائدة الطعام. قبل الموعد بقليل، كنت ألبي طلبات زوجتي، وكانت ترغب في إضفاء لمسة فينيّة ـ لذلك توجب علي أن أذهب إلى محل لبيع ( الجبن واللحم والسلطة )، في شارع كابيلدو آفنيو لشراء بعض الشطائر، والمعجنات الصغيرة والحلويات والكاتويات والأشياء اللذيذة الأخرى. طبعا كان كل شيء من أجود الأصناف وأفخرها، العلبة كانت مربوطة بشريطة حمراء وبيضاء، بحيث تفتح الشاهية.
عندما مررت بمحل لبيع الأدوات المنزلية، دفعني شعور خسيس من مشاعر البخل والحرص أن أقارن بين المبلغ الذي دفعته ثمنا لما اشتريته وبين ثمن أكبر علبة من علب الدهان ، فانتابني نوع من الاكتئاب.
(3)
لم يأت آل هوفر صفر الأيدي،؛ جاؤوا يحملون قالب كيك أبيض، عليه كريما، وكان مزخرفا ومزينا بشكل بديع، إنه قالب يكفي لإطعام كتيبة من الجند بأكملها. شعرت زوجتي بنشوة تغمرها من جراء الكرم والسخاء في الهدايا، وكذلك أنا، لكنني شعرت بنوع خفيف من الانزعاج؛ فحديث آل هوفر معنا كنا نوعا من الاعتذارا والإطراء، لذلك لم يفلحوا في الاستحواذ على اهتمامي، ولم يظفروا بإعجابي. على أن لعب جوان مانوئيل والصغير"ويلي" وكان نوعا من الركض والشجار والصراخ والتخريب، أفلح في إزعاجي.
عند تمام الساعة الثامنة شعرت أنه حان لهم أن ينصرفوا. إلا أن زوجتي ــ في المطبخ ــ همست في أذني: " لقد كانوا رائعين جدا. ياله من قالب كيك ! ينبغي لنا أن ندعوهم لتناول العشاء" قلت لها: " وماذا سيأكلون؟ لا يوجد لدينا ما يؤكل!.. ثم لماذا نتعشى ونحن لسنا جائعين؟ " قالت : " إذا لم يكن لدينا طعام فهنالك طعام في الوادي، بعد ذلك ــ وعلى ذكر الجوع ــ من قال لك إنه يجب علينا أن نأكل؟ المهم أن نشاركهم الجلوس على مائدة الطعام، ونقضي بصحبتهم وقتا ممتعا. "
مع أن الطعام ليس هو المهم، فعند حوالي الساعة العاشرة ليلا، قمت مرة ثانية بشراء عدد من العلب الكبيرة ذات رائحة لذيذة من محل بيع الأطعمة وحملتها كالبغل. ولكن آل هوفر للمرة ثانية أثبتوا لنا أنهم ليسوا من النوع الذي يأتي بأيد فارغة؛ إذ أحضروا، في صندوق مصنوع من الحديد والبرونز، ثلاثين زجاجة من الخمرة الإيطالية وخمس زجاجات من الكونياك.
عند الساعة الثانية صباحا بعد منتصف الليل نمت مباشرة وأنا متعب جدا من السير،ومشمئز من كثرة الأكل، ومتسمم من الخمرة والكونياك، وأحسست بدوار من مشاعر الصداقة.
في الساعة السادسة، حدث أمر سعيد ، قرع آل هوفر جرس الباب، وهم في ملابس غير رسمية وعلى عيونهم نظارات داكنة . جاؤوا ليأخذونا معهم في السيارة إلى بيتهم الريفي في البلدة المجاورة لـ ( إنجينيرو ماشفيتز).
كل من قال إن هذه البلدة قريبة جدا من بيونس آيريس فهو كذاب، في السيارة شعرت بالحنين إلى زميلي وجريدتي ووقت فراغي، كنت إذا فتحت عيني أشعر بحرقة فيهما، وإذا أغلقتهما أشعر بالنعاس، على حين كان آل هوفر بشكل غريب ــ خلال الرحلة كلها ــ مرتاحين، يثرثرون ويضحكون.
في بيتهم الريفي، وكان بيتا جميلا جدا، أكرمونا وعاملونا كأننا ملوك، ، سبحنا في الحوض، وجلسنا في الشمس ،وتناولنا وجبة لذيذة من الطعام في الخارج ، حتى إنني أخذت غفوة تحت شجرة مملوءة بالنمل. ولكن عندما صحوت من غفوتي انتبهت إلى أننا جئنا وأيدينا فارغة.
(4)
همست زوجتي : " لا تكن بلديا ،هيا.. قم فاشتر ــ على الأقل ــ شيئا للولد".
أخذت معي " ويلي" في جولة إلى البلدة، وأمام محل لبيع الدمى سألته: " ماذا تريد أن أشتري لك ؟ " قال: " حصان "
ظننت أنه يريد حصانا صغيرا من لعب الأطفال، لكنني كنت مخطئا؛ وهكذا عدت إلى البيت الريفي متوركا ، بلا سرج يخفف من آلام مؤخرتي ، مهرا في غاية الحيوية والنشاط ، مهرا كميتا ، رجعت وأنا أمسك بالصغير ويلهلم من خصره. وهكذا مضى يوم الأحد.
يوم الإثنين، عندما رجعت إلى المنزل، وجدت السيد هوفر يدرب جوان مانوئيل على ركوب دراجة نارية. قال لي : " كيف الحال؟ ، هل أعجبك ما أهديته إلى للطفل؟ " أجبته معترضا: " لكنه صغير جدا على ركب الدراجة النارية ! "
" إذن سوف أهديها إليك. " ليته لم يقل ذلك. عندما شعر جوان مانوئيل أنه سيجرد من هديته الجديدة، أطلق صرخة غضب حادة تشق الآذان.
هنا أشفق السيد هوفر عليه، فقال: " مسكين يا صغيري.. الأطفال كلهم هكذا .. تعال إلي يا ولدي، لقد أحضرت لك شيئا رائعا "
ركبت على الدراجة النارية، ولكن لما كنت لا أعرف كيف أركبها، أخذت أطلق من فمي صوتا شبيها بصوتها.
قال جوان مانوئيل وهو يسدد بندقيته الهوائية إلي: " قف عندك، وإلا فسوف أطلق عليك النار ". لكن السيد هوفر نصحه قائلا: " لا تسدد أبدا بندقيتك إلى العينين "
أصدرت من فمي صوتا كصوت الدراجة النارية وهي تقف، فكف جوان مانوئيل عن تسديد بندقيته إلي، ثم إننا صعدنا معا الدرج إلى شقتنا، كنا سعداء نوعا ما.
قالت زوجتي: " اوه.. بالتأكيد، شيء ممتع جدا ورائع أن تتلقى الهدايا، ولكن ينبغي لك أن تتعلم كيف ترد للناس هداياهم، لنر ماذا يمكنك أن تصنع في هذا المجال"
أدركت ما الذي تعنيه زوجتي، ففي يوم الثلاثاء، اشتريت سيارة مستوردة وبندقية. قال لي السيد هوفر : لم كلفت نفسك وأتعبتها ؟
من الطلقة الأولى كسر الصغير ويلي أحد أضواء الشارع.
يوم الأربعاء، كانت هنالك ثلاث هدايا: لي قدموا حافلة ( باصا )كبيرة للسفر عبر العالم، مزودة بتكييف هوائي، وحمام، وساونا ، ومطعم، وقاعة رقص. ، وإلى جوان مانوئيل قدموا مدفعا رشاشا من نوع بازوكا مصنوعا في آسيا، وإلى زوجتي قدموا مبذلا ( روب دوشامبر) فاخرا لونه أبيض، علقت عليه زوجتي وهي محبطة بقولها: " وأين سأرتدي هذا المبذل؟ قلت لها : " في الحافلة،إنها غلطتك لأنك لم تقدمي لزوجته شيئا قط ! ولذلك أنا الذي أتلقى الهبات الآن "
(5)
انفجار مخيف كاد يصيبني بالصمم، ذلك أن جوان مانوئيل ، وهو يجرب رشاشه ، دمر ــ بطلقة واحدة ــ البيت الواقع عند منعطف الشارع، لكن البيت ــ لحسن الحظ ــ كان غير مسكون منذ أمد بعيد.
كانت زوجتي لا تزال تتذمر : " إي.. طبعا، للسيد قدموا حافلة كبيرة جدا يمكن أن يسافر بها إلى البرازيل، ولسيد المنزل الصغير قدموا سلاحا فتاكا كي يدافع عن نفسه ضد أكلة لحوم البشر في "ماتو غراسو"، أما الخادمة فقدموا إليها مبذلا للسهرة. أولئك هم آل هوفر إنهم مثل سائر الأوربيين السذج ، إنهم جماعة من البخلاء".
صعدت إلى حافلتي ، شغلت المحرك. سرت قليلا ثم ركنتها عند بقعة منعزلة. غرقت في الكرسي الضخم، أستمتعت بالرطوبة التي وفرتها لي ستائر النوافذ الشاحبة ، أسلمت نفسي إلى نوع من التفكبر الهادئ ، عرفت ما الذي ينبغي لي أن أفعله، اتجهت رأسا إلى الوزارة لأرى صديقي وكسائر الإرجنتينيين كان لدي صديق في الوزارة ، والآن ــ ومع أنني كنت أغامر بالفعل، فإنني احتجت إلى صديقي كي يتوسط لي. وقد نجحت فعلا.
أنا أسكن في منطقة ( لاس كيتاس ) التي تسمى الآن ( سان بنيتو دوباليرمو) .
بغية إنشاء سكة حديد ، تمتد من محطة ( ليساندرو دو لاتور ) إلى الطريق الذي فيه بيتي ، تم استدعاء جيش كثيف من المهندسين الماهرين والفنيين والعمال . قدموا مزودين بأحدث ما توصل إليه العلم من معدات في جميع أنحاء العالم ، فصادروا البنايات الأربع التي تمتد على طول شارع ليبرتدور آفنيو وهدموها ، وهكذا أنجزوا العمل بنجاح باهر.
لابد لي هنا من الإشارة إلى أن أصحاب البنايات قبضوا تعويضات مالية فورية عادلة ، والحق أنه ــ بمعونة صديقي في الوزارة ــ لا يوجد شيء اسمه مستحيل.
أردت هذه المرة أن أفاجئ السيد هوفر؛ فعندما خرج من بيته يوم الخميس الساعة الثامنة صباحا، وجد مقصورة قطار برتقالية لامعة، تجر خلفها ست عربات حديدية. وعلى باب المقصورة قرأ لافتة تقول: "مرحبا بك في قطارك يا سيد هوفر".
صرخ هوفر : " قطار! قطار كامل من أجلي! لقد تحقق إذا حلم حياتي! منذ أن كنت صبيا وأنا أحلم أن أسوق قطارا. "
صعد إلى المحرك وقد جن من الفرح، صعد حتى دون أن يشكرني، كان هنالك كتيب تعليمات بسيطة يشرح له كيف يمكن أن يشغله.
(6)
قلت له : " ياهذا .. انتظر " " لا تكن عنيدا .. انظر ماذا اشتريت للصغير فيلهلم ! اشتريت له دبابة حفرت الرصيف بعجلاتها المجنزرة".
صرخ الصغير فيلهلم: " رائعة .. لكم تمنيت أن أنسف تلك المسلة !.." ثم أضفت قائلا : " لم أنس زوجتك أيضا " وناولته معطفا من الفرو الجميل الناعم كان قد وصلني مؤخرا من فرنسا.
لما كان آل هوفر من النوع الانفعالي و المرح ، أرادوا أن يجربوا هداياهم على الفور.
لكنني وضعت لهم مع كل هدية مكيدة / مفاجأة صغيرة. فالفرو كان مطليا من الداخل بسائل سحري قابل للتبخر، أعطانيه أحد الأطباء السحرة من الكونغو ، بحيث لو أن المدام برونيلده ارتدته لأحرقها أولا ثم حولها إلى نوع من القماش الرقيق جدا ا يشبه الغمام الأبيض، بحيث تصعد إلى السماء وتختفي.
لم يمض إلا وقت قليل حتى أطلق الصغير " ولي" أول طلقة من مدفعه، أطلقها فأصاب المسلة، وعندما بدأ برج الدبابة بالعمل (بطريقة خاصة)، اندفع البرج بالطفل إلى الفضاء فحط به ــ بسلام وأمان ــ على أحد أقمار كواكب زحل العشرة.
وعندما شغل السيد هوفر قطاره ، انطلق به القطار بسرعة هائلة على طول الجسر الذري الذي كان مساره ــ بعد عبور المحيط الأطلسي ــ إلى شمال غرب إفريقية، ثم إلى قناة صقلية، على أنه انتهى توقف عند بركان جبل " إتـنا " الذي كان في تلك اللحظة قد أخذ في الانفجار.
وهكذا جاء يوم الجمعة، من غير أن نتلقى هدايا من آل هوفر.
في المساء ، بينما كانت زوجتي تحضر العشاء، قالت: " أجل .. هكذا تمضي الأمور .. كن لطيفا مع جيرانك. اصرف عليهم . قطار ودبابة ومعطف من الفرو. ولكن ماذا قدموا هم ؟ لم يقدموا لنا شيئا ولا حتى بطاقة شكر"
Fernando Sorrentino
دفاعا عن النفس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكاتب: فرناندو سورنتينو ترجمة: د. عبد الرحمن دركزللي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في حوالي الساعة العاشرة من صبيحة يوم السبت، قام ابني الأكبر، وهو شيطان على هيئة بشر، بالخربشة على باب الشقة المجاورة مستخدما سلكا معدنيا، طبعا لم تكن هنالك كارثة ولا كان هنالك ما يدعو إلى الخوف، إنه مجرد خط متعرج ، لا يكاد يراه الإنسان إلا إذا استخدم عدسة مكبرة أوأنعم النظر فيه .
أعترف لكم وأنا في حالة خجل: أنه خطر لي ــ في البداية ــ أن أتجاهل الأمر وأن ألزم الصمت ( ومن منا لا يمر بلحظات ضعف ؟ ) إلا أنني فيما بعد رأيت أن أفضل شيء أفعله هو أن أعتذر إلى جاري، وأعرض عليه مبلغا من المال تعويضا عن الضرر. اتخذت هذا القرار حرصا مني على التزام الصدق و قناعة أيضا بأن التكاليف ستكون زهيدة.
طرقت باب جيراني طرقة خفيفة. لم أكن أعرف شيئا عنهم سوى أنهم جيران جدد في البناية، وأنهم ثلاثة أشخاص، وأنهم شقر الشعور. إلا أنني ــ عندما تكلموا ــ اكتشفت أنهم أجانب، وعندما تكلموا أكثر، قدّرت أنهم ألمان أو نمساويون أو سويسريون.
كانوا يضحكون بطريقة طبيعية عفوية، لم يكترثوا للخربشة على الإطلاق، كانت الخربشة في نظرهم أمرا تافها، حتى إنهم ادعوا أنها لا تظهر إلا بجهد كبير أوبعدسة مكبرة. و بالإضافة إلى ذلك أصروا ــ عن طيب خاطرــ على رفض اعتذاري، قائلين : " الأولاد هم الأولاد" ، كما رفضوا رفضا تاما أن يتقبلوا مالا مقابل العطل والضرر. ودعنا بعضنا ، وتصافحنا في غمرة من الضحك الشديد.
عندما رجعت إلى بيتي، سألتني زوجتي التي كانت تنظر من العين الســــــحرية ، بقلق وجزع : " هل سيكلف الدهان مبلغا كبيرا ؟ "
هدأت من روعها وطمأنتها قائلا: " لن يأخذوا منا ســــنتا واحدا " ، فعلقت على ذلك بقولهــا : " الحمد لله انتهت المسألة على خير" ، ثم ما لبثت أن ضغطت على كيس نقودها بنعومة.
ما إن استدرت حتى رأيت عند الباب ظرفا صغيرا أبيض، ، في داخله بطاقة دعوة. عليها اسمان مطبوعان بأحرف صغيرة مربعة : فيلهلم هوفر و برونيلده هوفر . ثم أضيفت إليهما بخط يدوي صغير عبارة " والصغير فيلهلم غوستاف هوفر" يبعثون بتحياتهم القلبية إلى السيد والسيدة سورنتينو، ويرجون منهما ألف مرة أن يقبلا الاعتذار عن الانزعاج الذي ربما أصابهم بسبب ما توهموا أنه إساءة ــ وليس الأمر كذلك ــ حين قام الصغير جوان مانوئيل سورنتينو بتزيين بابنا القديم بخربشات لطيفة في غاية الجمال".
قلت : " الحمد لله .. إن هؤلاء الناس في غاية اللطف والذوق، لم ينزعجوا مطلقا، بل رفضوا أيضا قبول الاعتذار. "
( 2 )
لرد الجميل ، تناولت كتابا حديثا للأطفال كنت أحتفظ به هدية لجوان مانوئيل ، وطلبت منه أن يقدمه للصغير فيلهلم غوستاف هوفر.
كان ذلك يوما سعيدا؛ ذلك أن جوان مانوئيل لبى طلبي من غير أن يفرض علي شروطا مذلة، ذهب ثم رجع حاملا معه شكرا عميقا لنا من آل هوفر وابنهم.
عند حوالي الساعة الثانية عشرة ظهرا من أيام السبت، كنت عادة أحاول ، وإن كنت لا أوفق ، أن أطالع الكتب. جلست هذه المرة ، فتحت الكتاب، ولكن ما إن قرأت كلمتين حتى قرع جرس الباب ، لم يكن في البيت أحد سواي ؛ لذلك اضطررت إلى القيام، تأوهت منزعجا، ومضيت لأفتح الباب.
عند الباب وجدت شابا بشاربين، يرتدي زي الجندي الصغير ذي الخوذة الفضية. أما وجهه فقد توارى خلف باقة ضخمة من الزهر.
وقعت على قصاصة ورق، وناولته إياها ، حياني تحية عسكرية وانصرف، عددت الزهور فوجدتها أربعا وعشرين، ثم قرأت البطاقة البرتقالية، وكان مكتوبا عليها : " فيلهلم هوفـــر و برونيلده هوفر يبعثون بأحر التحيات إلى السيد والسيدة سورنتينو وإلى الصغير جوان مانوئيل سورنتينو، ويشكرانهم على كتاب قصص الأطفال الرائع ــ إنه غذاء الروح ــ لقد شرفوا به الصغير فيلهلم غوستاف وأكرموه . "
في تلك اللحظة بالضبط، رجعت زوجتي مرهقة متعبة من السوق، وهي مثقلة بعلب وصناديق التسوق ، قالت: " ما أبدع هذا الزهر ! أنا لا أمل من الزهر طوال حياتي، كيف خطر لك أن تشتريه يا من لا تفكر في شيء على الإطلاق ؟ قلت لها: ينبغي لي الاعتراف بأن الزهر هدية من أسرة هوفر. قالت لي وهي توزع الزهر على المزهريات، : " يجب أن نرد لهم الجميل ونعبر لهم عن الشكر والامتنان على ما قدموه لنا ، هيا.. ادعهم إلى تناول الشاي عندنا "
كانت لدي أعمال أخرى في ذلك السبت، لذلك تجرأت فقلت لها بصوت خافت: " ما رأيك أن ندعوهم اليوم بعد الظهر؟ " قالت: " حسنا..لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد".
كانت الساعة السادسة مساء، طقم طعام صيني براق، وغطاء أبيض كالثلج وُضعا على مائدة الطعام. قبل الموعد بقليل، كنت ألبي طلبات زوجتي، وكانت ترغب في إضفاء لمسة فينيّة ـ لذلك توجب علي أن أذهب إلى محل لبيع ( الجبن واللحم والسلطة )، في شارع كابيلدو آفنيو لشراء بعض الشطائر، والمعجنات الصغيرة والحلويات والكاتويات والأشياء اللذيذة الأخرى. طبعا كان كل شيء من أجود الأصناف وأفخرها، العلبة كانت مربوطة بشريطة حمراء وبيضاء، بحيث تفتح الشاهية.
عندما مررت بمحل لبيع الأدوات المنزلية، دفعني شعور خسيس من مشاعر البخل والحرص أن أقارن بين المبلغ الذي دفعته ثمنا لما اشتريته وبين ثمن أكبر علبة من علب الدهان ، فانتابني نوع من الاكتئاب.
(3)
لم يأت آل هوفر صفر الأيدي،؛ جاؤوا يحملون قالب كيك أبيض، عليه كريما، وكان مزخرفا ومزينا بشكل بديع، إنه قالب يكفي لإطعام كتيبة من الجند بأكملها. شعرت زوجتي بنشوة تغمرها من جراء الكرم والسخاء في الهدايا، وكذلك أنا، لكنني شعرت بنوع خفيف من الانزعاج؛ فحديث آل هوفر معنا كنا نوعا من الاعتذارا والإطراء، لذلك لم يفلحوا في الاستحواذ على اهتمامي، ولم يظفروا بإعجابي. على أن لعب جوان مانوئيل والصغير"ويلي" وكان نوعا من الركض والشجار والصراخ والتخريب، أفلح في إزعاجي.
عند تمام الساعة الثامنة شعرت أنه حان لهم أن ينصرفوا. إلا أن زوجتي ــ في المطبخ ــ همست في أذني: " لقد كانوا رائعين جدا. ياله من قالب كيك ! ينبغي لنا أن ندعوهم لتناول العشاء" قلت لها: " وماذا سيأكلون؟ لا يوجد لدينا ما يؤكل!.. ثم لماذا نتعشى ونحن لسنا جائعين؟ " قالت : " إذا لم يكن لدينا طعام فهنالك طعام في الوادي، بعد ذلك ــ وعلى ذكر الجوع ــ من قال لك إنه يجب علينا أن نأكل؟ المهم أن نشاركهم الجلوس على مائدة الطعام، ونقضي بصحبتهم وقتا ممتعا. "
مع أن الطعام ليس هو المهم، فعند حوالي الساعة العاشرة ليلا، قمت مرة ثانية بشراء عدد من العلب الكبيرة ذات رائحة لذيذة من محل بيع الأطعمة وحملتها كالبغل. ولكن آل هوفر للمرة ثانية أثبتوا لنا أنهم ليسوا من النوع الذي يأتي بأيد فارغة؛ إذ أحضروا، في صندوق مصنوع من الحديد والبرونز، ثلاثين زجاجة من الخمرة الإيطالية وخمس زجاجات من الكونياك.
عند الساعة الثانية صباحا بعد منتصف الليل نمت مباشرة وأنا متعب جدا من السير،ومشمئز من كثرة الأكل، ومتسمم من الخمرة والكونياك، وأحسست بدوار من مشاعر الصداقة.
في الساعة السادسة، حدث أمر سعيد ، قرع آل هوفر جرس الباب، وهم في ملابس غير رسمية وعلى عيونهم نظارات داكنة . جاؤوا ليأخذونا معهم في السيارة إلى بيتهم الريفي في البلدة المجاورة لـ ( إنجينيرو ماشفيتز).
كل من قال إن هذه البلدة قريبة جدا من بيونس آيريس فهو كذاب، في السيارة شعرت بالحنين إلى زميلي وجريدتي ووقت فراغي، كنت إذا فتحت عيني أشعر بحرقة فيهما، وإذا أغلقتهما أشعر بالنعاس، على حين كان آل هوفر بشكل غريب ــ خلال الرحلة كلها ــ مرتاحين، يثرثرون ويضحكون.
في بيتهم الريفي، وكان بيتا جميلا جدا، أكرمونا وعاملونا كأننا ملوك، ، سبحنا في الحوض، وجلسنا في الشمس ،وتناولنا وجبة لذيذة من الطعام في الخارج ، حتى إنني أخذت غفوة تحت شجرة مملوءة بالنمل. ولكن عندما صحوت من غفوتي انتبهت إلى أننا جئنا وأيدينا فارغة.
(4)
همست زوجتي : " لا تكن بلديا ،هيا.. قم فاشتر ــ على الأقل ــ شيئا للولد".
أخذت معي " ويلي" في جولة إلى البلدة، وأمام محل لبيع الدمى سألته: " ماذا تريد أن أشتري لك ؟ " قال: " حصان "
ظننت أنه يريد حصانا صغيرا من لعب الأطفال، لكنني كنت مخطئا؛ وهكذا عدت إلى البيت الريفي متوركا ، بلا سرج يخفف من آلام مؤخرتي ، مهرا في غاية الحيوية والنشاط ، مهرا كميتا ، رجعت وأنا أمسك بالصغير ويلهلم من خصره. وهكذا مضى يوم الأحد.
يوم الإثنين، عندما رجعت إلى المنزل، وجدت السيد هوفر يدرب جوان مانوئيل على ركوب دراجة نارية. قال لي : " كيف الحال؟ ، هل أعجبك ما أهديته إلى للطفل؟ " أجبته معترضا: " لكنه صغير جدا على ركب الدراجة النارية ! "
" إذن سوف أهديها إليك. " ليته لم يقل ذلك. عندما شعر جوان مانوئيل أنه سيجرد من هديته الجديدة، أطلق صرخة غضب حادة تشق الآذان.
هنا أشفق السيد هوفر عليه، فقال: " مسكين يا صغيري.. الأطفال كلهم هكذا .. تعال إلي يا ولدي، لقد أحضرت لك شيئا رائعا "
ركبت على الدراجة النارية، ولكن لما كنت لا أعرف كيف أركبها، أخذت أطلق من فمي صوتا شبيها بصوتها.
قال جوان مانوئيل وهو يسدد بندقيته الهوائية إلي: " قف عندك، وإلا فسوف أطلق عليك النار ". لكن السيد هوفر نصحه قائلا: " لا تسدد أبدا بندقيتك إلى العينين "
أصدرت من فمي صوتا كصوت الدراجة النارية وهي تقف، فكف جوان مانوئيل عن تسديد بندقيته إلي، ثم إننا صعدنا معا الدرج إلى شقتنا، كنا سعداء نوعا ما.
قالت زوجتي: " اوه.. بالتأكيد، شيء ممتع جدا ورائع أن تتلقى الهدايا، ولكن ينبغي لك أن تتعلم كيف ترد للناس هداياهم، لنر ماذا يمكنك أن تصنع في هذا المجال"
أدركت ما الذي تعنيه زوجتي، ففي يوم الثلاثاء، اشتريت سيارة مستوردة وبندقية. قال لي السيد هوفر : لم كلفت نفسك وأتعبتها ؟
من الطلقة الأولى كسر الصغير ويلي أحد أضواء الشارع.
يوم الأربعاء، كانت هنالك ثلاث هدايا: لي قدموا حافلة ( باصا )كبيرة للسفر عبر العالم، مزودة بتكييف هوائي، وحمام، وساونا ، ومطعم، وقاعة رقص. ، وإلى جوان مانوئيل قدموا مدفعا رشاشا من نوع بازوكا مصنوعا في آسيا، وإلى زوجتي قدموا مبذلا ( روب دوشامبر) فاخرا لونه أبيض، علقت عليه زوجتي وهي محبطة بقولها: " وأين سأرتدي هذا المبذل؟ قلت لها : " في الحافلة،إنها غلطتك لأنك لم تقدمي لزوجته شيئا قط ! ولذلك أنا الذي أتلقى الهبات الآن "
(5)
انفجار مخيف كاد يصيبني بالصمم، ذلك أن جوان مانوئيل ، وهو يجرب رشاشه ، دمر ــ بطلقة واحدة ــ البيت الواقع عند منعطف الشارع، لكن البيت ــ لحسن الحظ ــ كان غير مسكون منذ أمد بعيد.
كانت زوجتي لا تزال تتذمر : " إي.. طبعا، للسيد قدموا حافلة كبيرة جدا يمكن أن يسافر بها إلى البرازيل، ولسيد المنزل الصغير قدموا سلاحا فتاكا كي يدافع عن نفسه ضد أكلة لحوم البشر في "ماتو غراسو"، أما الخادمة فقدموا إليها مبذلا للسهرة. أولئك هم آل هوفر إنهم مثل سائر الأوربيين السذج ، إنهم جماعة من البخلاء".
صعدت إلى حافلتي ، شغلت المحرك. سرت قليلا ثم ركنتها عند بقعة منعزلة. غرقت في الكرسي الضخم، أستمتعت بالرطوبة التي وفرتها لي ستائر النوافذ الشاحبة ، أسلمت نفسي إلى نوع من التفكبر الهادئ ، عرفت ما الذي ينبغي لي أن أفعله، اتجهت رأسا إلى الوزارة لأرى صديقي وكسائر الإرجنتينيين كان لدي صديق في الوزارة ، والآن ــ ومع أنني كنت أغامر بالفعل، فإنني احتجت إلى صديقي كي يتوسط لي. وقد نجحت فعلا.
أنا أسكن في منطقة ( لاس كيتاس ) التي تسمى الآن ( سان بنيتو دوباليرمو) .
بغية إنشاء سكة حديد ، تمتد من محطة ( ليساندرو دو لاتور ) إلى الطريق الذي فيه بيتي ، تم استدعاء جيش كثيف من المهندسين الماهرين والفنيين والعمال . قدموا مزودين بأحدث ما توصل إليه العلم من معدات في جميع أنحاء العالم ، فصادروا البنايات الأربع التي تمتد على طول شارع ليبرتدور آفنيو وهدموها ، وهكذا أنجزوا العمل بنجاح باهر.
لابد لي هنا من الإشارة إلى أن أصحاب البنايات قبضوا تعويضات مالية فورية عادلة ، والحق أنه ــ بمعونة صديقي في الوزارة ــ لا يوجد شيء اسمه مستحيل.
أردت هذه المرة أن أفاجئ السيد هوفر؛ فعندما خرج من بيته يوم الخميس الساعة الثامنة صباحا، وجد مقصورة قطار برتقالية لامعة، تجر خلفها ست عربات حديدية. وعلى باب المقصورة قرأ لافتة تقول: "مرحبا بك في قطارك يا سيد هوفر".
صرخ هوفر : " قطار! قطار كامل من أجلي! لقد تحقق إذا حلم حياتي! منذ أن كنت صبيا وأنا أحلم أن أسوق قطارا. "
صعد إلى المحرك وقد جن من الفرح، صعد حتى دون أن يشكرني، كان هنالك كتيب تعليمات بسيطة يشرح له كيف يمكن أن يشغله.
(6)
قلت له : " ياهذا .. انتظر " " لا تكن عنيدا .. انظر ماذا اشتريت للصغير فيلهلم ! اشتريت له دبابة حفرت الرصيف بعجلاتها المجنزرة".
صرخ الصغير فيلهلم: " رائعة .. لكم تمنيت أن أنسف تلك المسلة !.." ثم أضفت قائلا : " لم أنس زوجتك أيضا " وناولته معطفا من الفرو الجميل الناعم كان قد وصلني مؤخرا من فرنسا.
لما كان آل هوفر من النوع الانفعالي و المرح ، أرادوا أن يجربوا هداياهم على الفور.
لكنني وضعت لهم مع كل هدية مكيدة / مفاجأة صغيرة. فالفرو كان مطليا من الداخل بسائل سحري قابل للتبخر، أعطانيه أحد الأطباء السحرة من الكونغو ، بحيث لو أن المدام برونيلده ارتدته لأحرقها أولا ثم حولها إلى نوع من القماش الرقيق جدا ا يشبه الغمام الأبيض، بحيث تصعد إلى السماء وتختفي.
لم يمض إلا وقت قليل حتى أطلق الصغير " ولي" أول طلقة من مدفعه، أطلقها فأصاب المسلة، وعندما بدأ برج الدبابة بالعمل (بطريقة خاصة)، اندفع البرج بالطفل إلى الفضاء فحط به ــ بسلام وأمان ــ على أحد أقمار كواكب زحل العشرة.
وعندما شغل السيد هوفر قطاره ، انطلق به القطار بسرعة هائلة على طول الجسر الذري الذي كان مساره ــ بعد عبور المحيط الأطلسي ــ إلى شمال غرب إفريقية، ثم إلى قناة صقلية، على أنه انتهى توقف عند بركان جبل " إتـنا " الذي كان في تلك اللحظة قد أخذ في الانفجار.
وهكذا جاء يوم الجمعة، من غير أن نتلقى هدايا من آل هوفر.
في المساء ، بينما كانت زوجتي تحضر العشاء، قالت: " أجل .. هكذا تمضي الأمور .. كن لطيفا مع جيرانك. اصرف عليهم . قطار ودبابة ومعطف من الفرو. ولكن ماذا قدموا هم ؟ لم يقدموا لنا شيئا ولا حتى بطاقة شكر"
