عبد الرحمن دركزللي

My Photo
Name:
Location: Al Ain, Abu Dhabi, United Arab Emirates

Sunday, November 26, 2006

دفاعا عن النفس

In Self-Defense
Fernando Sorrentino

دفاعا عن النفس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكاتب: فرناندو سورنتينو ترجمة: د. عبد الرحمن دركزللي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في حوالي الساعة العاشرة من صبيحة يوم السبت، قام ابني الأكبر، وهو شيطان على هيئة بشر، بالخربشة على باب الشقة المجاورة مستخدما سلكا معدنيا، طبعا لم تكن هنالك كارثة ولا كان هنالك ما يدعو إلى الخوف، إنه مجرد خط متعرج ، لا يكاد يراه الإنسان إلا إذا استخدم عدسة مكبرة أوأنعم النظر فيه .
أعترف لكم وأنا في حالة خجل: أنه خطر لي ــ في البداية ــ أن أتجاهل الأمر وأن ألزم الصمت ( ومن منا لا يمر بلحظات ضعف ؟ ) إلا أنني فيما بعد رأيت أن أفضل شيء أفعله هو أن أعتذر إلى جاري، وأعرض عليه مبلغا من المال تعويضا عن الضرر. اتخذت هذا القرار حرصا مني على التزام الصدق و قناعة أيضا بأن التكاليف ستكون زهيدة.

طرقت باب جيراني طرقة خفيفة. لم أكن أعرف شيئا عنهم سوى أنهم جيران جدد في البناية، وأنهم ثلاثة أشخاص، وأنهم شقر الشعور. إلا أنني ــ عندما تكلموا ــ اكتشفت أنهم أجانب، وعندما تكلموا أكثر، قدّرت أنهم ألمان أو نمساويون أو سويسريون.

كانوا يضحكون بطريقة طبيعية عفوية، لم يكترثوا للخربشة على الإطلاق، كانت الخربشة في نظرهم أمرا تافها، حتى إنهم ادعوا أنها لا تظهر إلا بجهد كبير أوبعدسة مكبرة. و بالإضافة إلى ذلك أصروا ــ عن طيب خاطرــ على رفض اعتذاري، قائلين : " الأولاد هم الأولاد" ، كما رفضوا رفضا تاما أن يتقبلوا مالا مقابل العطل والضرر. ودعنا بعضنا ، وتصافحنا في غمرة من الضحك الشديد.

عندما رجعت إلى بيتي، سألتني زوجتي التي كانت تنظر من العين الســــــحرية ، بقلق وجزع : " هل سيكلف الدهان مبلغا كبيرا ؟ "
هدأت من روعها وطمأنتها قائلا: " لن يأخذوا منا ســــنتا واحدا " ، فعلقت على ذلك بقولهــا : " الحمد لله انتهت المسألة على خير" ، ثم ما لبثت أن ضغطت على كيس نقودها بنعومة.
ما إن استدرت حتى رأيت عند الباب ظرفا صغيرا أبيض، ، في داخله بطاقة دعوة. عليها اسمان مطبوعان بأحرف صغيرة مربعة : فيلهلم هوفر و برونيلده هوفر . ثم أضيفت إليهما بخط يدوي صغير عبارة " والصغير فيلهلم غوستاف هوفر" يبعثون بتحياتهم القلبية إلى السيد والسيدة سورنتينو، ويرجون منهما ألف مرة أن يقبلا الاعتذار عن الانزعاج الذي ربما أصابهم بسبب ما توهموا أنه إساءة ــ وليس الأمر كذلك ــ حين قام الصغير جوان مانوئيل سورنتينو بتزيين بابنا القديم بخربشات لطيفة في غاية الجمال".

قلت : " الحمد لله .. إن هؤلاء الناس في غاية اللطف والذوق، لم ينزعجوا مطلقا، بل رفضوا أيضا قبول الاعتذار. "


( 2 )

لرد الجميل ، تناولت كتابا حديثا للأطفال كنت أحتفظ به هدية لجوان مانوئيل ، وطلبت منه أن يقدمه للصغير فيلهلم غوستاف هوفر.

كان ذلك يوما سعيدا؛ ذلك أن جوان مانوئيل لبى طلبي من غير أن يفرض علي شروطا مذلة، ذهب ثم رجع حاملا معه شكرا عميقا لنا من آل هوفر وابنهم.

عند حوالي الساعة الثانية عشرة ظهرا من أيام السبت، كنت عادة أحاول ، وإن كنت لا أوفق ، أن أطالع الكتب. جلست هذه المرة ، فتحت الكتاب، ولكن ما إن قرأت كلمتين حتى قرع جرس الباب ، لم يكن في البيت أحد سواي ؛ لذلك اضطررت إلى القيام، تأوهت منزعجا، ومضيت لأفتح الباب.

عند الباب وجدت شابا بشاربين، يرتدي زي الجندي الصغير ذي الخوذة الفضية. أما وجهه فقد توارى خلف باقة ضخمة من الزهر.

وقعت على قصاصة ورق، وناولته إياها ، حياني تحية عسكرية وانصرف، عددت الزهور فوجدتها أربعا وعشرين، ثم قرأت البطاقة البرتقالية، وكان مكتوبا عليها : " فيلهلم هوفـــر و برونيلده هوفر يبعثون بأحر التحيات إلى السيد والسيدة سورنتينو وإلى الصغير جوان مانوئيل سورنتينو، ويشكرانهم على كتاب قصص الأطفال الرائع ــ إنه غذاء الروح ــ لقد شرفوا به الصغير فيلهلم غوستاف وأكرموه . "
في تلك اللحظة بالضبط، رجعت زوجتي مرهقة متعبة من السوق، وهي مثقلة بعلب وصناديق التسوق ، قالت: " ما أبدع هذا الزهر ! أنا لا أمل من الزهر طوال حياتي، كيف خطر لك أن تشتريه يا من لا تفكر في شيء على الإطلاق ؟ قلت لها: ينبغي لي الاعتراف بأن الزهر هدية من أسرة هوفر. قالت لي وهي توزع الزهر على المزهريات، : " يجب أن نرد لهم الجميل ونعبر لهم عن الشكر والامتنان على ما قدموه لنا ، هيا.. ادعهم إلى تناول الشاي عندنا "
كانت لدي أعمال أخرى في ذلك السبت، لذلك تجرأت فقلت لها بصوت خافت: " ما رأيك أن ندعوهم اليوم بعد الظهر؟ " قالت: " حسنا..لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد".

كانت الساعة السادسة مساء، طقم طعام صيني براق، وغطاء أبيض كالثلج وُضعا على مائدة الطعام. قبل الموعد بقليل، كنت ألبي طلبات زوجتي، وكانت ترغب في إضفاء لمسة فينيّة ـ لذلك توجب علي أن أذهب إلى محل لبيع ( الجبن واللحم والسلطة )، في شارع كابيلدو آفنيو لشراء بعض الشطائر، والمعجنات الصغيرة والحلويات والكاتويات والأشياء اللذيذة الأخرى. طبعا كان كل شيء من أجود الأصناف وأفخرها، العلبة كانت مربوطة بشريطة حمراء وبيضاء، بحيث تفتح الشاهية.

عندما مررت بمحل لبيع الأدوات المنزلية، دفعني شعور خسيس من مشاعر البخل والحرص أن أقارن بين المبلغ الذي دفعته ثمنا لما اشتريته وبين ثمن أكبر علبة من علب الدهان ، فانتابني نوع من الاكتئاب.




(3)

لم يأت آل هوفر صفر الأيدي،؛ جاؤوا يحملون قالب كيك أبيض، عليه كريما، وكان مزخرفا ومزينا بشكل بديع، إنه قالب يكفي لإطعام كتيبة من الجند بأكملها. شعرت زوجتي بنشوة تغمرها من جراء الكرم والسخاء في الهدايا، وكذلك أنا، لكنني شعرت بنوع خفيف من الانزعاج؛ فحديث آل هوفر معنا كنا نوعا من الاعتذارا والإطراء، لذلك لم يفلحوا في الاستحواذ على اهتمامي، ولم يظفروا بإعجابي. على أن لعب جوان مانوئيل والصغير"ويلي" وكان نوعا من الركض والشجار والصراخ والتخريب، أفلح في إزعاجي.

عند تمام الساعة الثامنة شعرت أنه حان لهم أن ينصرفوا. إلا أن زوجتي ــ في المطبخ ــ همست في أذني: " لقد كانوا رائعين جدا. ياله من قالب كيك ! ينبغي لنا أن ندعوهم لتناول العشاء" قلت لها: " وماذا سيأكلون؟ لا يوجد لدينا ما يؤكل!.. ثم لماذا نتعشى ونحن لسنا جائعين؟ " قالت : " إذا لم يكن لدينا طعام فهنالك طعام في الوادي، بعد ذلك ــ وعلى ذكر الجوع ــ من قال لك إنه يجب علينا أن نأكل؟ المهم أن نشاركهم الجلوس على مائدة الطعام، ونقضي بصحبتهم وقتا ممتعا. "

مع أن الطعام ليس هو المهم، فعند حوالي الساعة العاشرة ليلا، قمت مرة ثانية بشراء عدد من العلب الكبيرة ذات رائحة لذيذة من محل بيع الأطعمة وحملتها كالبغل. ولكن آل هوفر للمرة ثانية أثبتوا لنا أنهم ليسوا من النوع الذي يأتي بأيد فارغة؛ إذ أحضروا، في صندوق مصنوع من الحديد والبرونز، ثلاثين زجاجة من الخمرة الإيطالية وخمس زجاجات من الكونياك.
عند الساعة الثانية صباحا بعد منتصف الليل نمت مباشرة وأنا متعب جدا من السير،ومشمئز من كثرة الأكل، ومتسمم من الخمرة والكونياك، وأحسست بدوار من مشاعر الصداقة.

في الساعة السادسة، حدث أمر سعيد ، قرع آل هوفر جرس الباب، وهم في ملابس غير رسمية وعلى عيونهم نظارات داكنة . جاؤوا ليأخذونا معهم في السيارة إلى بيتهم الريفي في البلدة المجاورة لـ ( إنجينيرو ماشفيتز).

كل من قال إن هذه البلدة قريبة جدا من بيونس آيريس فهو كذاب، في السيارة شعرت بالحنين إلى زميلي وجريدتي ووقت فراغي، كنت إذا فتحت عيني أشعر بحرقة فيهما، وإذا أغلقتهما أشعر بالنعاس، على حين كان آل هوفر بشكل غريب ــ خلال الرحلة كلها ــ مرتاحين، يثرثرون ويضحكون.

في بيتهم الريفي، وكان بيتا جميلا جدا، أكرمونا وعاملونا كأننا ملوك، ، سبحنا في الحوض، وجلسنا في الشمس ،وتناولنا وجبة لذيذة من الطعام في الخارج ، حتى إنني أخذت غفوة تحت شجرة مملوءة بالنمل. ولكن عندما صحوت من غفوتي انتبهت إلى أننا جئنا وأيدينا فارغة.








(4)

همست زوجتي : " لا تكن بلديا ،هيا.. قم فاشتر ــ على الأقل ــ شيئا للولد".

أخذت معي " ويلي" في جولة إلى البلدة، وأمام محل لبيع الدمى سألته: " ماذا تريد أن أشتري لك ؟ " قال: " حصان "
ظننت أنه يريد حصانا صغيرا من لعب الأطفال، لكنني كنت مخطئا؛ وهكذا عدت إلى البيت الريفي متوركا ، بلا سرج يخفف من آلام مؤخرتي ، مهرا في غاية الحيوية والنشاط ، مهرا كميتا ، رجعت وأنا أمسك بالصغير ويلهلم من خصره. وهكذا مضى يوم الأحد.
يوم الإثنين، عندما رجعت إلى المنزل، وجدت السيد هوفر يدرب جوان مانوئيل على ركوب دراجة نارية. قال لي : " كيف الحال؟ ، هل أعجبك ما أهديته إلى للطفل؟ " أجبته معترضا: " لكنه صغير جدا على ركب الدراجة النارية ! "
" إذن سوف أهديها إليك. " ليته لم يقل ذلك. عندما شعر جوان مانوئيل أنه سيجرد من هديته الجديدة، أطلق صرخة غضب حادة تشق الآذان.

هنا أشفق السيد هوفر عليه، فقال: " مسكين يا صغيري.. الأطفال كلهم هكذا .. تعال إلي يا ولدي، لقد أحضرت لك شيئا رائعا "

ركبت على الدراجة النارية، ولكن لما كنت لا أعرف كيف أركبها، أخذت أطلق من فمي صوتا شبيها بصوتها.

قال جوان مانوئيل وهو يسدد بندقيته الهوائية إلي: " قف عندك، وإلا فسوف أطلق عليك النار ". لكن السيد هوفر نصحه قائلا: " لا تسدد أبدا بندقيتك إلى العينين "
أصدرت من فمي صوتا كصوت الدراجة النارية وهي تقف، فكف جوان مانوئيل عن تسديد بندقيته إلي، ثم إننا صعدنا معا الدرج إلى شقتنا، كنا سعداء نوعا ما.
قالت زوجتي: " اوه.. بالتأكيد، شيء ممتع جدا ورائع أن تتلقى الهدايا، ولكن ينبغي لك أن تتعلم كيف ترد للناس هداياهم، لنر ماذا يمكنك أن تصنع في هذا المجال"

أدركت ما الذي تعنيه زوجتي، ففي يوم الثلاثاء، اشتريت سيارة مستوردة وبندقية. قال لي السيد هوفر : لم كلفت نفسك وأتعبتها ؟

من الطلقة الأولى كسر الصغير ويلي أحد أضواء الشارع.

يوم الأربعاء، كانت هنالك ثلاث هدايا: لي قدموا حافلة ( باصا )كبيرة للسفر عبر العالم، مزودة بتكييف هوائي، وحمام، وساونا ، ومطعم، وقاعة رقص. ، وإلى جوان مانوئيل قدموا مدفعا رشاشا من نوع بازوكا مصنوعا في آسيا، وإلى زوجتي قدموا مبذلا ( روب دوشامبر) فاخرا لونه أبيض، علقت عليه زوجتي وهي محبطة بقولها: " وأين سأرتدي هذا المبذل؟ قلت لها : " في الحافلة،إنها غلطتك لأنك لم تقدمي لزوجته شيئا قط ! ولذلك أنا الذي أتلقى الهبات الآن "





(5)


انفجار مخيف كاد يصيبني بالصمم، ذلك أن جوان مانوئيل ، وهو يجرب رشاشه ، دمر ــ بطلقة واحدة ــ البيت الواقع عند منعطف الشارع، لكن البيت ــ لحسن الحظ ــ كان غير مسكون منذ أمد بعيد.

كانت زوجتي لا تزال تتذمر : " إي.. طبعا، للسيد قدموا حافلة كبيرة جدا يمكن أن يسافر بها إلى البرازيل، ولسيد المنزل الصغير قدموا سلاحا فتاكا كي يدافع عن نفسه ضد أكلة لحوم البشر في "ماتو غراسو"، أما الخادمة فقدموا إليها مبذلا للسهرة. أولئك هم آل هوفر إنهم مثل سائر الأوربيين السذج ، إنهم جماعة من البخلاء".

صعدت إلى حافلتي ، شغلت المحرك. سرت قليلا ثم ركنتها عند بقعة منعزلة. غرقت في الكرسي الضخم، أستمتعت بالرطوبة التي وفرتها لي ستائر النوافذ الشاحبة ، أسلمت نفسي إلى نوع من التفكبر الهادئ ، عرفت ما الذي ينبغي لي أن أفعله، اتجهت رأسا إلى الوزارة لأرى صديقي وكسائر الإرجنتينيين كان لدي صديق في الوزارة ، والآن ــ ومع أنني كنت أغامر بالفعل، فإنني احتجت إلى صديقي كي يتوسط لي. وقد نجحت فعلا.

أنا أسكن في منطقة ( لاس كيتاس ) التي تسمى الآن ( سان بنيتو دوباليرمو) .

بغية إنشاء سكة حديد ، تمتد من محطة ( ليساندرو دو لاتور ) إلى الطريق الذي فيه بيتي ، تم استدعاء جيش كثيف من المهندسين الماهرين والفنيين والعمال . قدموا مزودين بأحدث ما توصل إليه العلم من معدات في جميع أنحاء العالم ، فصادروا البنايات الأربع التي تمتد على طول شارع ليبرتدور آفنيو وهدموها ، وهكذا أنجزوا العمل بنجاح باهر.
لابد لي هنا من الإشارة إلى أن أصحاب البنايات قبضوا تعويضات مالية فورية عادلة ، والحق أنه ــ بمعونة صديقي في الوزارة ــ لا يوجد شيء اسمه مستحيل.

أردت هذه المرة أن أفاجئ السيد هوفر؛ فعندما خرج من بيته يوم الخميس الساعة الثامنة صباحا، وجد مقصورة قطار برتقالية لامعة، تجر خلفها ست عربات حديدية. وعلى باب المقصورة قرأ لافتة تقول: "مرحبا بك في قطارك يا سيد هوفر".
صرخ هوفر : " قطار! قطار كامل من أجلي! لقد تحقق إذا حلم حياتي! منذ أن كنت صبيا وأنا أحلم أن أسوق قطارا. "
صعد إلى المحرك وقد جن من الفرح، صعد حتى دون أن يشكرني، كان هنالك كتيب تعليمات بسيطة يشرح له كيف يمكن أن يشغله.









(6)

قلت له : " ياهذا .. انتظر " " لا تكن عنيدا .. انظر ماذا اشتريت للصغير فيلهلم ! اشتريت له دبابة حفرت الرصيف بعجلاتها المجنزرة".
صرخ الصغير فيلهلم: " رائعة .. لكم تمنيت أن أنسف تلك المسلة !.." ثم أضفت قائلا : " لم أنس زوجتك أيضا " وناولته معطفا من الفرو الجميل الناعم كان قد وصلني مؤخرا من فرنسا.

لما كان آل هوفر من النوع الانفعالي و المرح ، أرادوا أن يجربوا هداياهم على الفور.
لكنني وضعت لهم مع كل هدية مكيدة / مفاجأة صغيرة. فالفرو كان مطليا من الداخل بسائل سحري قابل للتبخر، أعطانيه أحد الأطباء السحرة من الكونغو ، بحيث لو أن المدام برونيلده ارتدته لأحرقها أولا ثم حولها إلى نوع من القماش الرقيق جدا ا يشبه الغمام الأبيض، بحيث تصعد إلى السماء وتختفي.

لم يمض إلا وقت قليل حتى أطلق الصغير " ولي" أول طلقة من مدفعه، أطلقها فأصاب المسلة، وعندما بدأ برج الدبابة بالعمل (بطريقة خاصة)، اندفع البرج بالطفل إلى الفضاء فحط به ــ بسلام وأمان ــ على أحد أقمار كواكب زحل العشرة.

وعندما شغل السيد هوفر قطاره ، انطلق به القطار بسرعة هائلة على طول الجسر الذري الذي كان مساره ــ بعد عبور المحيط الأطلسي ــ إلى شمال غرب إفريقية، ثم إلى قناة صقلية، على أنه انتهى توقف عند بركان جبل " إتـنا " الذي كان في تلك اللحظة قد أخذ في الانفجار.
وهكذا جاء يوم الجمعة، من غير أن نتلقى هدايا من آل هوفر.

في المساء ، بينما كانت زوجتي تحضر العشاء، قالت: " أجل .. هكذا تمضي الأمور .. كن لطيفا مع جيرانك. اصرف عليهم . قطار ودبابة ومعطف من الفرو. ولكن ماذا قدموا هم ؟ لم يقدموا لنا شيئا ولا حتى بطاقة شكر"

Saturday, November 25, 2006

البهـــلول


البهـــلول
The Joker
Jake Allsop
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تأليف: جيك آلسوب* ترجمة: د. عبد الرحمن دركزللي ( سورية)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت جنازة في غاية السعادة، جنازة رائعة، حتى إن الشمس أشرقت في ذلك اليوم من أجل المرحوم هنري غراوند. وربما استمتع هو أيضا بها ملفوفا في كفنه، لأنه كان موضع الاهتمام والتقدير للمرة الأخيـــرة على وجه هذه الأرض. اجل كانت الجنازة في منتهى الســعادة، فالناس ضحكوا وحكوا النــكات، والأقارب الذين لم يتكلموا مع بعضهم لسنوات عديدة، تبادلوا البسمات، وتواعدوا على التواصل مع بعضهم. كما أن كل واحد منهم كانت لديه ــ بالطبع ــ قصة يحدّث بها الآخرين عن هنري.

"هل تتذكرون يوم ارتدى هنري ملابس غجري، ومضى من باب إلى آخر يفتح الفأل للناس؟ لاشك أنه ربح يومها ستة دولارات في فترة ما بعد الظهر."

" هل سمعتم بالفصل المضحك الذي صنعه عندما كان طالبا ، الفصل الذي صنعه بعمال الطرقات، يومها كان بعضهم يقوم بحفر حفرة في الطريق. في البدايــــــة اتصل هنري بالشــــــرطة ليخبرهم أن بعض الطلاب يحفرون حفرة في الطريق وهو عمل لا يليــــق بهم. ثم إنه ذهب إلى العمــــال، وقال لهم: إن بعض الطلاب ارتدوا ملابس الشرطة وهم قادمون إليهم ليمنعوهم من حفر الحفرة! طبعا .. يمكنكم أن تتخيـلوا ماذا حدث يومها... حتما قامت الدنيا ولم تقعد !"

" أجل كان المرحـــــوم هنري يحب أن يمزح مع كل الناس: دُعي مرة إلى معرض يقدم آخر ما أنتجه الرســــــامون التجريديون المعاصرون من اللوحات، فحاول بطريقة ما أن يحضر قبل افتتـاح المعرض بيوم واحد ، فقلب جميع اللوحات رأسا على عقب. ومع ذلك استمر العرض أربعة أيام دون أن ينتبه أحد إلى ما حصل."

لم يستطع أبوه المسكين مطلقا أن يفهم لماذا يقوم ابنه هنري بمثل هذه الأعمال الخرقاء. كان من الصعب أن يتصور المرء أن هنري من أسرة غراوند ، خصوصا إذا لاحظ ما بينه وبين إخوته من اختلاف.

ولد هنري في أســـــــرة ميسورة من أسر ميدلاند ، وهو أصغر الأبناء الخمسة. كان أفراد أسرة غراوند في غاية الوسامة: عيون زرق، شعور شقر، مع ذكاء وطموح . أما الأبناء الأربعة الكبار فقد نجحوا جميعا في حياتهم، إذ تزوجوا من فتيات جميلات وسمينات ومن أســــــر محترمة، كما أنهم أنجبوا أولادا على شـــاكلتهم في الوسامة والذكاء. الأكبر صار قسيسا، والثاني أصبح مديرا لمدرسة حكومية مشهورة، والثالث دخل في تجارة وصار من الأثرياء المعدودين، والرابع حذا حذو أبيه فغدا محاميا. لذلك كان الناس يتساءلون ويتعجبون من كون هنري ــ أصغر أبناء أسرة غراوند ــ كسولا عاطلا لا خير فيه.

كان ــ بخلاف سائر إخوته ــ ذا عينين بنيتين وشعر أسود، لكنه ــ على كل حال ــ تمتع بما تمتع به إخوته من الوسامة والجاذبية، يحب الأكل، والضحك والحديث ، إضافة إلى كثير من الأمور التي لا تدر مالا ولا تعود بالنفع على أحد.
كان من بين تسلياته المفضلة أن يجلس ، إذا سطعت الشمس في فترة ما بعد الظهر من يوم دافئ، تحت شجرة ظليلة، بصحبة أحد الزملاء ليحدّثه عن هذا أو ذاك ، أو ليقوم بعد الأعشاب، أو ليستمع إلى دوي النحل .

صحيح أنه كان شخصا تافها! لكنك لا تملك مع ذلك إلا أن تحبه لبراعته في الإضحاك، فهو صاحب نكتة من الطراز الأول.

على كل حال ، ظل ســـــرد القصص مستمرا، حتى في أثناء إنزال الكفن إلى القبر، كان الناس يمسكون مناديلهم ليكفكفوا بها دموعهم، ولكن دموعهم كانت دموع ضحـك لا دموع حزن .

بعد الجنازة صنعوا إفطارا جنائزيا ،اقتصرت الدعوة على أشخاص محددين . لذلك لم يحضر إلا اثنا عشر شخصا من أقرب المقربين إلى هنري .



قبل ذلك كان هنري قد كلف أخاه كولين بقراءة وصيته على الإفطــــــار الجنائزي، وكان كل واحد من الحضور متشوقا لسماع وصيته. لكن هنري عاش طوال حياته فقيرا، أليس كذلك؟ إذا فماذا عساه أن يخلّـف بعد موته ؟؟

تنحنح كولين :" أحم...أحم " ثم قال : " ! أيتها السيدات ،أيها السادة ! هل أنتم مستعدون لســـــماع الوصية؟

هدأ الجميع وأخذوا ينصتون. فتح كولين الوصية ، وشرع يقرؤها بصوت حزين : " إنني ــ المدعو هنري غراوند ـــ أشهد وأنا في تمام صحتي العقلية ، أن هذه وصيتي الأخيرة"

راحت العبارات القانونية تنثال من فمه بلا انقطاع ، حتى إن الناس شــــعروا بالملل والضجر، كانوا ينتظرون بفارغ الصبر الوصــــول إلى الجزء المهم من الوصية، وعندما وصل كولــــن إليه شهقوا جميعا . لكنه بعد ذلك بقليل ، بادر إلى القول: أن أخي هنري غراوند بالرغم مما يقال عنه كان قد استثمر أمواله بطريقة في منتهى الحكمة والذكاء، وهي تقدر بحوالي ثلاثة أرباع المليون، ولكن من الذي سوف يحصل عليها؟

هنا جحظت العيون ، وجفت الحناجر. تابع كولن قراءة كلمات هنري غراوند برتابة، فقال: " كلكم أيها الأصدقاء عزيز علي ؛ لذلك لا أســـــتطيع أن أقرر لمن سأترك مالي؟ "

وفجأة توقف كولن عن الكلام ، فران صمت عميق يمكنك أن تسمع خلاله صوت سقوط الدبوس . لكنه استأنف كلامه قائلاً " لذلك يا أصدقائي الأعزاء، أجريت لكم مسابقة صغيرة، وهي أنه يجب على كل واحد منكم أن يحكي نكتة، كل بحسب دوره، ومن يقدم أفضل نكتة وأكثرها إضحاكاً فسوف يرث ثروتي ...أخي كولن هو الحكم الأوحد الذي يحدد من صاحب أفضل نكتة"

وضع كولن بعد ذلك الوصية على المنضدة، ثم قال" أيتها السيدات ، أيها السادة ! الأمر إليكم ، بمن سوف نبدأ؟ اسمحوا لي أن أقترح عليكم شيئاً ؟ أرى أنه من الأفضل أن نستخدم الترتيب الأبجدي لأسماء أسركم.

نهض الشـــــــخص الأول، فروى قصة ممتعة عن رجل إنجليزي وقع في غرام مظلته، وعندما انتهى من قصته فاضت عيناه بالدموع ، طبعا من الضحك، كان هذا الرجل يضحك دائماً مع كل نكته يحكيها، على أن بقية أفراد المجموعة ظـلوا ساكتين وغارقين في الصمت، لكنك ــ مع ذلك ــ تستطيع ــ اعتماداً على وجوههم الحمر وعيونهم الضيقة ــ أن تستنتج أنهم وجدوا القصة ممتعة جدا ، لكنهم ظلوا ممتنعين عن الضحك؛ كيلا يمنحوه الفرصة للفوز بالمسابقة.

نهضت ــ بعد ذلك ــ سيدة ، فروت لهم قصة عن خنزير بثلاث أرجل . كانت قصة رائعة جداً ، حتى إن مؤسسة(إم جي إم) حولتها بعد سنوات عدة، إلى فلم كرتون، وعندما جلست السيدة أخذ الحاضرون يضعون مناديلهم على وجوههم: يسعلون أو يتظاهرون بأنهم يعطسون، وبعضهم ألقى قلمه تحت المنضدة ، وتظاهر بأنه يريد البحث عنه ، وذلك كي يستر وجهه ويخفي ضحكه .

هكذا تتابعت النكات، النكته بعد الأخرى , نكته رائعة بعد نكته أروع, نكات من النوع الذي جعل خواصرهم تتوجع، ولكن، مع ذلك كله ، لم يُقدم أحد منهم على الضحك.

أنتم تعرفون ماذا يحدث عندما ترغبون في الضحك ولا تتمكنون منه. إنه أمر شبيه بما يحدث في قاعات الدرس دائماً، فواحد من الطلاب يضحك ويحاول كبح نفسه. ولكن العدوى تسري على الفور فيرغب ثلاثة أو أربعة من الطلاب بالضحك والقهقهة، ثم لا يلبث أن يضحك الفصل بأكمله، وينظر الأستاذ من حوله حائراً متعجبا من تلك الأصوات المكظومة.

وهكذا فعندما ألقيت أخر نكتة كان كل واحد من الاثني عشر شخصاً جالساً في هدوء تام، محـاولاً ــ بكل ما أوتي من قوة ــ أن يكبح جماح الضحك الكامن في أعماقه من الانطلاق. لكن ضحكهم المكتوم تجمع وتراكم ثم لم يلبث أن تحول إلى قوة تشبه قوة البركان وهو على وشك الانفجار.


لم يزل الصمت سائدا، لكن كولن عطس فجأة ( اتشووو) .. ثم أخرج منديلاً كبيرا منقطاً باللون الأحمر وهز أنفه( أ ف .. أف ). هنا صرخ أحد الحاضرين وقد غلبه الضحك ، قائلا " كفى، كفى " الظاهر أنه عجز عن كبح جماحه، فضحك ، ومع أن الآخرين جاهدوا أنفسهم وحاولوا كظم الضحك، فإن بعضهم سالت دموعه. بدأت أولا أكتافهم تختلج وتهتز كما تختلج الأمواج ، وأخيرا انفجروا جميعا بالضحك، ضحك كأنه الحمم المنبعثة من بركان.

طبعاً لم يضحكوا بسبب العطاس, ولا بسبب الإحدى عشرة نكته . لا.... لقد ضحكوا لأن هنري غراوند ساقهم وجمعهم ــ عند بزوغ الفجر ــ ليشهدوا آخر وأمتع فصل هزلي واقعي له , واضعاً بذلك رغبتهم في المال ــ وجها لوجه ــ أمام رغبتهم في الضحك.

عندما هدأ الضحك ، تنحنح كولن ونظف حنجرته مرة أخرى , ثم قال وعيناه تطرفان : عفوا ، سامحوني على هذا ! ؛ فلقد أتى عليّ وأنا أتدرب على تلك العطسة مدة أسبوع بل أكثر.

طوى كولن بعد ذلك منديله الكبير ودسه في جيبه, ثم أضاف: " تلك كانت فكرة هنري".
طبعا ليس من الضروري أن يكون الاثنا عشر مدعوا قد شعروا بالمتعة والسعادة." أما الآن
فاسمحوا لي أن أقرأ لكم بقية الوصية، لقد وصلنا إلى المقطع الأخير". ثم تابع القراءة:
" أرجو ــ يا أصدقائي ــ أن تسامحوني؛ لأنني لم أستطع أن أقاوم رغبتي في تقديم أخر نكته صغيرة لكم. إنها نكته جيدة، ومن المفيد أن تعرفوها، وهي أن حبكم للضحك تغلب أخيراً على حبكم للمال".

هنا توقف كولن تاركاً المجال لمعنى الكلمات يسري ويتغلغل في عقول السامعين، ثم قرأ المقطع الأخير من وصية المرحوم هنري غراوند. وهو:

" شكرا لكم يا أصدقائي ؛ لأنكم سمحتم لي أن أمازحكم للمرة الأخيرة، أما بالنســــبة إلى ثروتـي ــ ولأنني أحبكم جميعا ــ فإنها ستوزع عليكم بالتساوي. استمتعوا بحصصكم، وتذكروني دائماً عندما تسمعون ضحكاً"

هنا غرق الحاضرون جميعا في الصمت ، وساد لأول مرة ــ في ذلك اليوم ــ شعور بالحزن والأسى.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* جيك ألسوب :
أحد كتاب القصة القصيرة المعاصرين في بريطانيا، تخرج في جامعة أكسفورد، ومارس تعليم اللغة الإنكليزية في كثير من البلدان. من أجل صورة له انظر ــ على الإنترنت ــ موقع:
http://www.macmillaneducation.com/authors/allsop.htm

Monday, October 30, 2006

المســــــــــــخ



المســــــــــــخ
Metamorphosis
فرانز كافكا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ترجمة: عبد الرحمن دركزللي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نهض غرغور ســـــامسا في صبيحة أحد الأيام من حلم مزعج. شعر أنه قد تحول إلى حشرة كريهة
إلى صرصور بحجم الإنســــــان، كان يســـتطيع ــ وهو مســـــــتلق على قفاه ــ أن يرى بطنه البني الضخم
وساقيه النحيلتين، حاول أن ينقلب على جنبه، ولكنه كلما حاول ذلك انقلب على ظهره ثانية.

تذكر عمله كبائع متجول ، كان يمقت عمله كثيرا، ولكنه اضطر إلى القيام به ليعـــول أباه وأمه وأخته
فأبــوه لم يعد يشــــتغل شيئا، نظر إلى الساعة فلا حظ أنه قد أسرف في النوم، الساعة السادسة والنصف
لقد تأخر.ولما كان القطار الثاني يتحرك في السابعة وجب عليه أن يســــــرع كي يلحق به. بعد عدة دقائق
صرخت أمه قائلة :" الســـاعة 645 لقد تأخرتَ ، انهض ! " وعندئذ رد عليها قائلا: " نعـــــم يا أمي
لقد نهضت الآن" وهنا انتبه إلى أن صوته بدا عاليا جدا ، وتهمس له أختـــــه من خلال الباب: " هل أنت
على ما يرام؟ "، " هل تحتاج شيئا ؟"

نعم لقد حان الوقت لنهوضه، وما إن يغادر فراشه حتى يتبين أن الأمر كله لم يكن ســوى حلم مزعج.
حاول أن يحرك مؤخرته فلم يفلح إلا قليلا وبصعوبة بالغة، بدت ســـــــــاقاه النحيلتــان وهما تتحركان في
الهواء عديمتي الجدوى، لا تقويان على حمله أوالنهوض به، فعمد إلى تحريك الجزء الأمامي أيضا.. نجح
أكثر، بيد أنه لم يفلح في القيام من الســــرير، لذلك بدأ يتململ على فراشه، وحاول أن يقتلع نفسه اقتلاعا
فسقط ، مرتطما برأسه ، على الأرض .

سمع بعد ذلك قرعا مفاجئا على الباب، كان ذلك مديره الذي قدم لمعرفة ســـــبب تأخره، قال غرغور
في نفسه :" آه.. كم أمقـــت عملي! ". ثم إن المدير صاح به : " ســــيد سـامســا أحذرك، فبسلوكك هذا
قد تفقد عملك، كان عملك ــ في الآونة الأخيرة ــ ســــــــيئا، والآن أراك في الفراش، وكان حريّـــا بك أن
تكون على رأس عملك". و يستولي على غرغور الخوف، فيقول له: " لا ، لا ، ســــــــأخرج فـورا لقد
كنت مريضا ما الآن فقد تحسنت كثيرا" . لم يفقه المدير و لا أهل غرغور شــــــيئا مما قاله، لقد تحول
كلامه أيضا إلى هسيس أو صفير كالذي تصدره الحشرات. حاول أن ينهض فاســــتند إلى الخزانة
ذات الأدراج، وحاول النهوض، لكنه انزلق بعد أن علّق ساقيه النحيلتين بأحد الكراسي. وأخيرا تمكن
من الاســــتناد إلى الباب وفتحه والخروج منه.

وعندما وقعت عينا المدير عليه صرخ بأعلى صوته، كما أن أمه أغمي عليها، أما أبوه فقد أخذ يبكي
و يتراجع المدير إلى الخلف ليخرج من الغرفة حائلا بين غرغور وبين الخروج، ولكن غرغور استطاع
الخروج وفجأة سقط في غرفة الجلوس ، و وقف على قدميه النحيلتين ، وهنا تصرخ الأم ثانيــــة بينما
يغادر المدير المنزل ، أما أبوه فقد بادر إلى عكازه وجريدته وأخذ يضربه ليرده إلى غرفة نومه. وما إن
صار في داخل الغرفة حتى أقفل عليه الباب من الخارج.

عندما هبط الظلام نهض غرغور من كبوته ليشم رائحة طعام تنبعث بالقرب منه، عرف أن أختــــه
غريتا قد أحضرت له وجبة طعام من أفضل وجباته: طاسة لبن فيها خبز مثرود، وما إن ذاقها حتى شعر
بالقرف، عافتها نفسه بل أعرض عنها، انســل بعد ذلك إلى الديـــــوانة فكمـــن تحتها وظل نائـــما حتى
الصباح.

في صباح اليوم التالي فتحت أخته باب الغرفة المقفل لتجد أن أخاها لم يُصِب شيئا من الطعام على
الإطلاق، فعجبت من أمره، ثم عمدت إلى الطاسة فأخذتها، و رجعت حاملة معهـــــا بعض الخضراوات
القديمة والعظام والجين النتن، فوضعتها وذهبت، وما إن غادرت الغرفة حتى عمــد غرغور إلى الطعام
فالتهمه بنهم شديد... تتابعت الأيام بعد ذلك ، لقد كانت أخته الشــــــخص الأوحد في المنزل الذي يملك
الشجاعة الكافية للدخول إلى غرفته.


سئم غريغور بعد ذلك من بقائه حبيسا في غرفة النوم، ومل من السعي ليل نهار على أرضها، لذلك
راح يذرع المكان جيئة وذهوبا، كما أنشأ يتسلق الجدران ويمشي على السقف، فشعر بتحســـن أكبرمما
كان عليه قبلا. ولاحظت أخته ذلك من خلال المادة البنية اللزجــــة التي طبعتها قدمــــاه الصغيرتان حيث
كان يسير، لذلك قررت أن تُخرج معظم الأثاث من الغرفة كي توفر له مســــــــاحة أكبر للحركة والسير.
كان في الغرفة صورة معلقة على الجدار لامرأة جميلة ترتدي ملابس أنيقة حرص غرغور على الاحتفاظ
بها، فبينما كانت غريتا مع أمها في الغرفة المجاورة تســـــلق الجدار بسرعة وزحف حتى التصق بجانب
تلك الصورة، وما إن بصـــــُرت به الأم حتى صرخت وأغمي عليها.. عندئذ غضبت أخته منه، شعر بذلك
فأسرع إلى غرفة الطعام كي يساعدها في إنعاش الأم، ولكنها خافت منه أشـــــــد الخوف، وعلم الأب بما
حصل ، فنقم عليه نقمة عارمة. حاول غرغور بعد ذلك الرجوع إلى غرفــــة النوم فلم يتمكن لأن البـــاب
كان ضيقا، وعندما رآه أبوه اســــــــتل تفاحة وقذفه بها فأحس غرغور بألم شديد، وبادرت الأم إلى الأب
وتوسلت إليه ألا يقتله، ثم إنه تمكن من النفوذ إلى غرفة نومه بعد لأي، وخرقت التفاحــــة ظهره عالقـة
فيه مانعة إياه من المشي بسهولة، وسببت له ألما فظيعا... بعد ذلك الحادث أهمــــلت الأخت أخاها ، ولم
تعد تهتم بإطعامه وتنظيف غرفته، واعتراه نوع من فقدان الشاهية ، ولم يعد ــ على كل حال ــ يرغب في
الطعام، و تراكم الغبار والوســـخ على أرض الغرفة، حتى إنهما أخذا يعلقان به حيثما سار.

أخذت الأسرة بعد ذلك تترك الباب المؤدي إلى غرفة الطعام مفتوحا لمدة ساعتين كل ليلة بعد العشـاء
وهذا مكّنه من الاستماع إلى أحاديثها، وقد سعد كثيرا بذلك. ولكن في إحدى الليالي نسي أهله أن يغلقــوا
باب غرفة غرغور ، وراحت أخته تعزف على الكمــــان وكانت قد توقفت عن العزف عليه منذ أمد بعيـــد
فشعر بالارتياح. كانت الموسيقا بديعة ومهدئة للأعصاب ، رآه أهله يدنو من أخته ليعبر عن شـــكره لها
لكنها توقفت عن العزف فجأة وصرخت مذعورة: " أمي ، أبي " لا يمكن لهذا الوضع أن يســـــــــتمر"
" يجب أن نجد طريقة للتخلص من هذا ، فهو يفسد حياتنا ويشوّه عيشنا !! ".

عندئذ زحف راجعا نحو غرفته، واستلقى هناك في الظلام الدامس لا يحرك ساكنا، غاب عن وعيــــه
حتى إنه لم يعد يشعر بالألم الناجم عن التفاحة التي اخترقت ظهره. كان يفكر بشـــــأن أسرته بحزن بالغ
قضى الليل كله وهو يفكر، وعندما انبلج عمود الصبح وأخذ الضوء يتسلل عبر النافـــذة إلى غرفتــه كان
قد قضى نحبه ومات.

عندما رأت الأسرة غرغور في صبيحة اليوم التالي ميتا شعرت بالراحة والسعادة، وعمـــــدت غريتا
إلى مكنسة، فضربته على ظهره فتناثر وتحـــول إلى قشور، ولم تلبث أن كنســـــــــته وألقته في المزبلة.
لأول مرة ــ وبعد كآبـــــة طويـــلة ــ شعرت الأسرة بنوع من الراحة، إذ صار بوسعها أن تخطط من جديد
لمستقبلها ، كما تمكنت بعد أمد طويل من ركوب القطار للذهاب إلى الريف و الخروج إلى النزهة ،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فرانز كافكا: 1883 ـــ 1924
كاتب نمساوي من مواليد تشيكوسلوفاكيا ، عانى من الاكتئاب واعتلال الصحة ( مات في سن الحادية والأربعين)، وبالرغم من أنه كتب كثيرا من الأعمال الأدبية فإن شــهرته ــ بشكل أساسي ــ تقوم على اثنتين من رواياته، هما ( المحاكمة) و ( القلعة )، وهما روايتان رمزيتان معقدتان ، ولم تنشرا في أثناء حياته بل بعد موته. كما أنهما مكتوبتان بأسلوب جليّ واضح وهذا يتعارض تماما مع غموض الحُبكة فيهما، حيث نجد الشخوص تصارع وتكافح ضد قدر غامض غير قابل للفهم.




Saturday, October 28, 2006

الحصــرم

الحصــرم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكاتب: أنطون تشيكوف ترجمة: د. عبد الرحمن دركزللي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كانت السماء كلها ــ منذ الصباح الباكر ــ ملبدة بالغيوم المطيرة، كان ذلك اليوم يوما وادعا ساكنا، صحيح أنه غير حار لكنه ممل ،كما هي الحال في أيام الدجن، عندما تكون الغيوم معلقة في سماء البلد لمدة طويلة. إذ يتوقع المرء أن تمطر، فلا يكون هنالك مطر. كان كل من إيفان إيفانوفيتش البيطار و بوركين الأســــتاذ في المدارس الثانوية مرهقين، من قبل ذلك، بسبب السير الطويل.كانت الحقول تتراءى لهما ممتدة بلا نهاية. كان بوســــــــــعهما أن يشاهدا إلى الأمام طواحين ميرونوسيتسكوي الهوائية من مسافة بعيدة جدا. على الطرف الأيمن امتدت سلسلة الروابي حتى اختفت في المدى البعيد الكائن خلف القرية، كلاهما عرف ان تلك البقعة ضفة النهر حيث المروج وأشجار الصفصاف الخضر ومساكن أهالي القرية ، كما كانا يعرفان أن المرء إذا وقف فوق إحدى تلك الروابي يستطيع أن يرى السهل الرحيب نفسه وأسلاك الهاتف والقطار القادم من مسافة بعيدة، كأنه دودة قز تزحف، وأنه يستطيع أن يرى ــ إذا كان الجو صافيا ــ البلدة. و الآن في هذا الجو الوديع بدت الطبيعة كلها لطيفة حالمة ، كان كل من إيفان إيفانوفيتش وبوركين مشتاقين لذلك الريف، كما كان كل منهما يقول في نفسه : ما أجمل بل ما أبدع تلك البقعة من الأرض؟

قال بوركين : " في المرة السابقة عندما ذهبنا إلى مزارع بروكوفي كنت ستروي لي قصة".
" أجل أردت أن أحدثك عن أخي "
زفر إيفان إيفانوفيتش زفرة طويلة ثم أشعل غليونه استعدادا لسرد قصته. ولئن توقف المطر في تلك اللحظة فإنه ــ وبعد خمس دقائق ــ هطل بغزارة ، فغطى السماء كلها ، حتى إنه كان من الصعب على المرء أن يتنبأ متى سوف ينقطع، توقف إيفان إيفانوفيتش وبوركين في حيرة ؛ أما الكلاب فقد تبللت هي أيضا بالماء،حتى إنها انتصبت على قوائمها وأذيالها بين أرجلها تنظر محدقة فيهما بانفعال.

قال بوركين لإيفان: " يجب أن نفتش عن مكان نحتمي فيه " " هيا بنا نذهب إلى بيت ألهين، فهو قريب"
" هيا بنا "

انعطفا ثم سارا في الحقول المحصودة، كانا أحيانا يمشيان باستقامة، وأحيانا يتجهان نحو اليمين، إلى أن
وجدا الطريق ، بعد هنيهة شاهدا أشجار صفصاف و حديقة ،و سقوف مستودعات حمراء، ثم ظهر لهما بعد ذلك النهر وهو يتلألأ ، بعد ذلك انفتح المشهد على بحيرة كبيرة مع طاحونة هواء و حمّام منزلي أبيض اللون: تلك كانت سوفينو حيث كان يسكن آلهين.

2 ــ كانت الناعورة تدور وقد طغى صوتها على صوت المطر، كما كان سد الماء يرتج، الخيول المبللة وقفت بجوار العربات ورؤوسها مسترخية، وكان هنالك رجال يتجولون متلفعين بالأكياس. الجو رطب موحل وموحش ،الماء شديد البرودة ، إيفان إيفانوفيتش و بوركين تبللا من قبل، كانت أقدامهما مثقلة بالطين، وعندما اجتازا السد صعدا باتجاه المخازن، كانا صامتين كما لو كان أحدهما قد انزعج من الآخر.
عند المدخل وقف ألهين نفسه، رجل في الأربعين، طويل القامة، ضخم البنية، طويل الشعر، منظره يشبه أستاذا جامعيا أو فنانا أكثر من مالك للأرض landowner ، يلبس قميصا أبيض متسخا / يحتاج إلى غسل ، وسراويل بدلا من البنطال، ويضع على خصره حبلا اتخذه حزاما، أما الجزمة التي يلبسها فقد تلطخت بالطين والقش. كانت عيناه ــ وأنفه ايضا ــ قد اسودتا من الغبار . وعندما وقع بصره على إيفان إيفانوفيتش وبوركين بدت عليه ملامح السعادة لرؤيتهما.

قال مبتسما :" تفضلوا إلى البيت أيها السادة " " سآتي بعد لحظة إليكما على الفور ".

كان البيت مكونا من طابقين. سكن ألهين في الطابق الأرضي منهما ، سقوفه مقوسة، نوافذه قليلة، كان وكلاء المزارع يسكنون فيه من قبل: هنا كل شيء بسيط: رائحة الخبز الأسمر، والفودكا الرخيصة، جهاز الفرس.
صعد ألهين الدرج متجها نحو أحسن غرف البيت ، كان لا يذهب إليها إلا في حالات نادرة أي عندما يأتيه زوار. قامت الخادم باستقبال كل من إيفان إيفانوفيتش و بوركين عند وصولهما، كانت امرأة شابة وقف الاثنان لشدة جمالها مبهوتين ، ينظر أحدهما نحو الآخر.

قال آلهين :" لا يمكنكما أن تتصورا كم أنا سعيد برؤيتكما يا صديقيّ العزيزين " قال ذلك وهو يسير أمامهما إلى القاعة " إنها مفاجأة ! يا بيلاجيا " قال ذلك وهو يخاطب الفتاة : " قدمي لضيوفنا شيئا من الملابس كي يغيرا، وبالمناسبة أنا أرغب في تغيير ملابسي أيضا، لكن يجب أن أغتسل أولا، لأنني لم أغتسل منذ الربيع تقريبا. ألا ترغبان في الدخول إلى الحمام ريثما تقوم بيلاجيا بتحضير الأشياء لكما ؟".

جلبت الحسناء بيلاجيا لهما المناشف والصابون وكانت في غاية اللطف والرقة، وذهب ألهين إلى الحمام مع ضيوفه.

قال ، وهو ينزع ملابسه: " أتى علي زمن طويل منذ أن تغسلت آخر مرة ، لدينا حمام بديع كان أبي قد أنشأه كما تعلمان، ولكني لا أعرف لماذا لم تتسن لي الفرصة كي أغتسل فيه "


جلس ألهين على الدرج وبدأ يغسل بالصابون شعره الطويل ورقبته، أما الماء فكان ينساب منه وقد استحال لونه بنيا.

3 ــ قال إيفان إيفانوفيتش ، وهو ينظر عمدا إلى رأسه " نعم يجب أن تعترف "

قال ألهين ــ مستشعرا الحرج ــ وقد شرع في غسل رأسه بالصابون للمرة الثانية" أتى علي زمن طويل منذ أن اغتسلت ... ". كان الماء المنساب منه هذه المرة أزرق قاتما كالحبر.


مضى إيفان إيفانوفيتش بعيدا، فألقى نفسه في الماء ، فصدر صوت قوي عند سقوطه ،راح يسبح في المطر مادا ذراعيه إلى أقصى حد ممكن، أثارالماء الساكن ، فتشكلت أمواج جعلت الليلك / الزنبق الأبيض يهتز صعودا ونزولا، سبح إلى منتصف البركة بالضبط ، ثم غطس فيها ، وبعد دقيقة برزمن مكان آخر ، واصل السباحة، وتابع الغطس محاولا أن يلمس قعر الحوض.

" كان يردد، وهو مستمتع إلى أقصى حد ، عبارة: " يا إلهي !" وظل يسبح حتى بلغ المطحنة، وهنالك تحدث إلى المزارعين ، ثم رجع مستلقيا على قفاه في الماء ، مستقبلا بوجهه المطر. في تلك الأثناء ارتدى كل من بوركين وألهين واستعدا للانطلاق ، إلا أن إيفان ظل يسبح ويغطس. قائلا : " يا إلهي !" " يا لطيف ! ".

عندئذ صرخ به بوركين : "هذا يكفي ! ".

رجعوا جميعا بعد ذلك إلى البيت، ما كان لإيفان إيفانوفيتش أن يبدأ بسرد قصته إلا بعد أن أضيء المصباح في غرفة الجلوس، وارتدى بوركين وإيفان إيفانوفيتش ملابس النوم الحريرية، والبوابيج الدافئة، وجلسا على الكنبايات، كان ألهين قد اغتسل ومشط شعره، وارتدى معطفا جديدا،وجعل يسير في أرجاء الغرفة، كان مسرورا بشكل واضح مستمتعا بالدفء والنظافة والثياب الجافة والحذاء الخفيف، ثم دخلت بيلاجيا بهدوء فمشت، وهي تبتسم ، على البساط، ثم قدمت ،بكل أدب ولطف، الشاي والمربى للضيوف على صينية، عندئذ فقط أنشأ إيفان إيفانوفيتش يروي قصته، والظاهر أنه لم يكن بوركين وألهين وحدهما يصغيان إلى القصة، بل كانت السيدات الشابات والعجائز أيضا فضلا عن الضباط ، ينظرن إليهم من خلال إطارات ( براويز) الصور الذهبية بكثير من الجدية والاهتمام.

بدأ إيفان قصته بقوله :" كنا أخوين ؛ " أنا إيفان إيفانوفيتش، وأخي ، نيكولاي إيفانوفيتش، وهو أصغر مني بسنتين. أما أنا فقد بحثت عن مهنة واصبحت بيطارا، على حين اشتغل أخي نيكولاي منذ أن بلغ التاسعة عشرة موظفا في دائرة حكومية ، كان والدنا جيمشا هيمالايسكي كانتونيا، ولكنه ترقى حتى صار ضابطا ، وخلف لنا أرضا ولقب نبيل. على أن الأرض ذهبت بعد وفاته في عملية تسديد الديون وأتعاب المحاماة . على كل حال قضينا طفولتنا في القرية بحرية تامة ، نفعل ما يحلو لنا. وعلى شاكلة أبناء الفلاحين كنا نقضي أيامنا وليالينا في الحقول والغابات، نستمتع بالخيول ،ونقشر لحاء الأشجار، ونصطاد السمك وهكذا.. وأنتم تعلمون أن من يصطد فرخ سمك ، او ير طيور السمانى thrushesفي الخريف حائمة ــ على شكل أسراب ــ فوق القرية في أيام الصحو الباردة، فإنه لا يمكن أن يكون أبدا من أهل المدن، وسيظل في شوق دائم إلى الحرية ،حتى يأتي يوم وفاته. كان أخي شقيا في عمله بالدائرة الحكومية.

4 ــ تتابعت السنون وهو يجلس في نفس المكان، لايكتب ولايفكر إلا في شيء واحد، وهو كيف أصل إلى الريف.
على أن هذا الشوق تحول بالتدريج إلى حلم بشراء مزرعة صغيرة في مكان ما على ضفاف نهر أو بحيرة.

كان لطيفا، طيب القلب، وكنت متعلقا به وإن كنت لا أتعاطف مع رغبته في حبس نفسه إلى آخر العمر في مزرعة صغيرة يمتلكها. وصدق من قال : إن الإنسان لا يحتاج إلى أكثر من رقعة أرض لا تتجاوز مساحتها ست أقدام.
ولكن الأقدام الست هي ما تتطلبه الجثة لا الإنسان. أيضا اليوم يقول الناس: إنه إذا مالت الطبقة المثقفة إلى الأرض ، وتشوقت إلى المزارع ، فذلك شيء جيد. ولكن هذه المزارع ليست سوى الشيء نفسه ، عبارة عن ست أقدام من الأرض. إن خروج الإنسان من المدينة، من عالم الكفاح ، من عالم الحياة الصاخبة، وانسحابه منها إلى إحدى المزارع ليدفن نفسه فيها، ليس حياة بل ضرب من الأنانية ونوع من الكسل أو نوع من التقوقع العقيم. إن الإنسان لا يحتاج إلى ست أقدام من الأرض أو إلى مزرعة، إنه يحتاج الدنيا بأسرها، الطبيعة كلها، كي يجد مجالا لإبراز مواهبه كلها والتعبير عن روحه الحر.

" كان أخي نيكولاي يتخيل ، وهو جالس في مكتبه الحكومي ، كيف سيأكل الملفوف الخاص به الذي يستطيع ان يملأ برائحته اللذيذة ساحة الدار كلها. وكيف سيتناول وجباته على العشب الأخضر، وكيف سينام في الشمس، وكيف سيجلس على المقعد لدى البوابة محدقا في الحقول والغابة. كانت سعادته، بل غذاؤه الروحي المفضل هو أن يطلع على كتب الزراعة والبستنة، وأن يقرأ ــ في المفكرة ــ الإرشادات الزراعية، كان يستمتع بقراءة الجرائد أيضا، لكن الشيءالوحيد الذي يقرؤه فيها إنما هو الإعلانات إعلانات عن الكثير من المناطق الزراعية وعن العزب الريفية المحوطة بالمروج أو الواقعة على ضفاف الأنهار والتي تشتمل على طاحونة أو بركة ، للبيع. وقد جمح به الخيال فصور له المسالك المؤدية إلى الحديقة والزهور والثمار وأعشاش العصافير والسرطانات في الحوض وكل ما يخطر على بالكم، تلك الصور الخيالية كانت تتبدل وتتنوع وفقا للإعلانات التي كان يعثر عليها، ولكن لسبب ما كان يرى دائما ، وفي كل إعلان ، الحصرم .لم يكن بوسعه أن يتخيل بيتا، ولا حتى ركنا منعزلا بلا كرز بري.

كان يردد على الدوام عبارة: " للحياة الريفية كثير من المزايا" . بوسعك أن تجلس على البراندا فتحتسي الشاي، بينما بطاتك تعوم في البركة، وهنالك دائما رائحة زكية تنبعث من كل جانب، و ... والكرز البري ينمو.

كان معتادا على رسم خريطة لما يملك ، وفي كل خريطة كان هنالك الشيء نفسه (أ) بيت العائلة (ب) غرف الخدم
(ج) مطبخ الحديقة (د) شجيرات الكرز البري ، لقد عاش مقترا على نفسه، وكان يقتصد في الطعام والشراب، أما ملابسه فكانت فوق الوصف، كان يبدو كالشحاذ، ولكنه حريص على ادخار النقود في المصرف، لقد تحول إلى جشع بخيل بصورة مخيفة، لم أكن أحب أن أنظر إليه، ، كنت أعطيه شيئا وأرسل إليه هدايا بمناسبة عيد الميلاد وعيد الفصح ، ولكنه كان يدخر ما أعطيه له أيضا. فمن تسيطر عليه فكرة لا يمكن لأحد أن يغير ما في نفسه.
(5) " تمر السنون: ويُنقل إلى محافظة أخرى، تجاوز الأربعين، لكنه لم يزل يقرأ الإعلانات في الجرائد ويواصل ادخار المال. سمعت بعد ذلك أنه تزوج. تزوج ــ وهو يحلم بشراء مزرعة فيها كرز بري ــ من أرملة قبيحة ومسنة دون أن يشعر نحوها بأية عاطفة. تزوجها بكل بساطة لأنها تملك ثروة طائلة filthy lucre وظل يعيش مقترا مقتصدا حتى بعد زواجه منها ، كان يتركها مقطوعة من الطعام، مع أنه أودع كل مالها باسمه في أحد المصارف.

كان زوجها الأول مديرا لمكتب البريد، وكانت هي معه معتادة على الفطائر وعلى تشراب الخمر المعتقة ، بينما في عهد زوجها الثاني أصبحت لا تجد من الخبز الأسمر ما يكفي ، فبدأت تهزل/ تنحل بسبب هذا النمط من العيش، وبعد مضي ثلاث سنوات أسلمت روحها إلى بارئها. لا بد لي هنا أن أقول لكم: إن أخي لم يشعر إطلاقا بأنه كان سبب موتها. ذلك أن المال ــ كالفودكا ــ يجعل الإنسان يتصرف بشكل غريب عجيب. كان في بلدتنا تاجر ــ وقبل أن يموت ــ أمر بإحضار صحن من العسل ، ثم إنه أكل ماله وأوراق اليانصيب مع العسل لئلا يستفيد منه أحد.و بينما كنت مرة أتأمل الغنم بالقرب من محطة القطار، إذا براعي مواش يسقط تحت القطار، لتنقطع رجله. فقمنا بنقله إلى غرفة الانتظار، كان دمه ينزف، كان ذلك شيئا فظيعا. ومع ذلك ظل يرجو الناس أن يبحثوا له عن ساقه ،وكان في غاية القلق عليها، لأنه كان في الجزمة التي قطعت منها الساق عشرون روبلا ، وكان يخشى أن يضيعوها.

قال بوركين : " هذه قصة من أوبرا مختلفة ".

قال إيفان إيفانوفيتش عبارة" بعد وفاة زوجته " ، ثم تفكر مدة نصف دقيقة ، لكنه تابع فقال: " بدأ أخي البحث عن أرض لنفسه. بالطبع يمكنك أن تبحث مدة خمس سنوات ومع ذلك فقد ترتكب خطأ، وتشتري شيئا مختلفا تماما عما كنت تحلم به. لقد اشترى أخي نيكولاي ــ بوساطة عميل ( دلال) ــ أرضا مرهونة تبلغ مساحتها ثلاثمئة وثلاثين هكتارا، ومعها بيت للعائلة، وفيها غرف للخدم، وحديقة، ولكن ليس معها بستان، ولا شجيرات كرز برّي، ولا حوض للبط، نعم كان هنالك نهر، إلا أن ماءه كان بنيا بلون القهوة، لأنه كان على أحد طرفي الأرض معمل قرميدbrickyard ، وعلى طرفها الآخر كان يقوم مصنع لحرق العظام. لكن نيكولاي لم يتأثر كثيرا ، لأنه أمر بشراء عشرين شجيرة كرز بري فزرعها، وبدأ يعيش كما يعيش السيد النبيل في الريف.

ذهبت ــ في العام الماضي ــ لكي أزوره، قلت في نفسي سأذهب لأطلع على الأرض. وكان أخي يطلق عليها ــ في رسائله ــ اسم" تشمبركولف ويست، ألياس هيماليسكوي " وعندما وصلت إلى " ألياس هيماليسكوي" عصرا كان الجو حارا. كانت هنالك في كل ناحية قنوات ماء، وأسيجة وصفوف من الشجر، ولكن لم يكن هنالك طريق معلومة للوصول إلى ساحة الدار ، ولا مكان يربط فيه المرء جواده. مضيت مباشرة إلى البيت، فبرز لي كلب أحمر سمين كالخنزير ، وعندما هم الكلب بالنباح ، تقاعس عن ذلك. ثم خرجت الطباخة البدينة ــ كالخنزيرة أيضا ــ حافية القدمين من المطبخ، فقالت : إن سيدها يستريح بعد الغداء. عندئذ دخلت لأرى أخي. كان مستلقيا على سريره مغطيا ساقيه بلحاف

6 ــ نظرت إلى أخي فرأيت أنه قد تقدم في العمر وسمن وتغضن وجهه، كما برز خداه ، بدا لي كما لو كان على وشك النوم: سيبدأ الشخير تحت اللحاف في أية لحظة.

" تعانقنا، ذرفنا دموع الفرح والحزن ،خصوصا عندما تذكرنا أننا كنا ذات يوم صغارا، وها نحن أولاء قد أصبحنا
رجلين أشيبين على حافة قبريهما" ارتدى ملابسه، ثم سار أمامي ليطلعني على الأرض.

سألته: " حسنا، كيف تسير الأمور معك هنا ؟ ".
" أوه ، كل شيء على مايرام، الحمد لله، أموري تسير على نحو جيد ".

" لم يكن أخي سوى موظف جبان ، ولكنه مالك أرض حقيقي، نبيل بكل معنى الكلمة" كان يحب الأرض والعمل ، ومع الأيام تعلق أكثر بالعمل في الأرض وعشقه. كان يأكل كثيرا، ويذهب إلى الحمام، لقد سمن ، وكان يخضع لقانون الكميونة الذي تخضع له القرية ، كان ينزعج كثيرا من أولئك الفلاحين الذين لا ينادونه بعبارة " سعادتك .. " كان حريصا جدا على أن يقدم نفسه بطريقة ملموسة واخلاق محمودة من خلال أعمال خيرة يمارسها ليس لوجه الله ولكن لغايات مستقبلية، أما تلك الأعمال الخيرة فهي معالجة الفلاحين ــ في كثير من الأحيان ــ بالصودا وزيت الخروع ، وفي أعياد ميلاده كان يحتفل في وسط القرية بصلاة الشكر ، ثم يدعو الفلاحين إلى غالون من الفودكا.. كان يرى أن ذلك واجب. أه... وا أسفا على تلك الغالونات من الفودكا الرهيبة! وفي أحد الأيام قام مالك الأرض السمين بسحب الفلاحين أمام ضابط المنطقة لأنهم دخلوا إلى أرضه دون موافقته، لكنه، وفي اليوم التالي ، وبمناسبة العطلة، دعاهم إلىغالون من الفودكا ، فشربوه وصاحوا " هورا " وعندما يسكرون كانوا يسجدون عند قدميه. إن تغير الحياة نحو الأحسن، والغذاء الجيد والكسل ، تولد في الإنسان الروسي أشد أنواع الغرور والغطرسة. فنيكولاي إيفانوفيتش الذي كان ــ في أثناء عمله بالدائرة الحكومية ــ يخشى أن يعبر عن أي من آرائه ، أخذ الآن لا ينطق إلا بالحقائق التي جاء بها الإنجيل. وكان يقولها بنبرة تشبه نبرة رئيس مجلس الوزراء :
" التعليم ضروري، ولكنه بالنسبة إلى الفلاح شيء سابق لأوانه. " العقاب البدني ضار بشكل عام، لكنه في بعض الأحيان ضروري، بل لا شيء يغني عنه". " أنا أعرف الفلاحين وأعلم كيف أتعامل معهم. كان يقول : " الفلاحون يحبونني، لا أحتاج ــ عندما أرغب في أمر ما ــ إلا أن أشير بإصبعي الصغرى "

كل هذه الأقوال ــ لاحظوا ــ كانت تقال مصحوبة بابتسامة لطيفة خيرة، لقد كرر أكثر من عشرين مرة عبارة : " نحن النبلاء" ، " أنا كنبيل " من الواضح أنه لم يتذكر أن جدنا كان فلاحا، وان أبانا كان جنديا. حتى إن لقبنا :
" جيمشا هيمالايسكي، و هو ـــ في الواقع ــ نشاز في حروفه، بدا له الآن متناغما، متميزا على سائر الأسماء، ومحبوبا جدا.

" لكن الموضوع الآن ليس هو، وإنما أنا نفسي، أردت أن أخبركم عن التغير الذي حدث في أعماقي خلال الساعات القليلة التي قضيتها في ذلك المكان الريفي. في المساء، عندما كنا نشرب
7 ــ الشاي، جاء الطباخ ، فوضع على المنضدة صحنا من الكرزالبري، لم تكن حبات الكرز مشتراة/ مجلوبة، ولكنها من أرضه ، جمعت أول مرة ، منذ أن تمت زراعتها. ضحك نيكولاي إيفانوفيتش، ونظر مدة دقيقة في الكرز البري صامتا، مع دموع في عينيه، لم يستطع ــ لشدة انفعاله ــ أن يقول شيئا، وضع واحدة من حبات الكرز البري في فمه ، ونظر إلي مزهوا بالنصر كما يزهى الطفل عندما يتسلم دميته المفضلة ، ثم قال : " ما ألذها ! " ثم إنه أكلها بنهم وهويردد عبارة : " كم هي لذيذة ؟ " .

" ثم اكلها بجشع، وهو يردد : أوه .. ما ألذها، تفضل ، ذق "

" كانت حبات الكرز حامضة و فجة، ولكن كما يقول بوشكين:
إن الكذب الذي يرفع من شأننا أحب إلينا من
الحقائق التي تحط من قدرنا ".

رايت رجلا سعيدا حقق، بلا شك ، حلمه الغالي، ووصل إلى هدفه في الحياة، رجلا حصل على كل ما كان يريد ، رجلا راضيا بقدره وراضيا عن نفسه. كان هنالك ــ على الدوام ــ و لسبب ما ، شيء من الحزن يشوب أفكاري عن السعادة الإنسانية، ، وبهذه المناسبة، وعندما وجدت رجلا سعيدا ، سيطر عليّ شعور رهيب ، شعوربالكراهية . وكان هذا الشعور يصبح عدوانيا فى الليل على وجه الخصوص، في الغرفة المجاورة لغرفة نوم أخي نُصب لي سرير ، كنت أستطيع سماعه وهو مستيقظ ، و كنت أشعر به وهو يمضي إلى صحن الكرز ليأخذ واحدة منه، تفكرت مليا في ذلك العدد الكبير من أولئك الناس السعداء من أعماقهم وهل لهم من وجود حقيقي ؟ " يا لها من قوة خانقـة ! تأمل الحياة، تجد غطرسة القوي وتقاعسه ، وجهالة الضعيف و وحشيتة ، الفقر المدقع المخيف الذي يحيط بنا ، تزايد عدد السكان، التفسخ والانحلال، تعاطي الخمرة، النفاق والكذب.. ومع ذلك فكل الناس هادئون صامتون في البيوت و في الشوارع ، ومن بين الخمسين ألفا الذين يعيشون في البلدة لا نكاد نجد شخصا يصرخ، فمن الذي سوف يعبر عن غضبه و نقمته بصوت عال؟إننا نرى الناس ذاهبين إلى السوق لشراء التموين ،نشاهدهم يأكلون في النهار وينامون في الليل ، يتحدثون في موضوعات سخيفة تافهة، يتزوجون، ويهرمون ويشيعون موتاهم إلى المقابر بكل هدوء، ولكننا لا نرى ولا نسمع أولئك الذين يعانون ويقاسون ،ومن الأمور المؤسفة أن الأمور المزعجة تجري عادة خلف الكواليس.

.. كل شيء هادىء ومسالم، ولا أحد يعترض، إنهم إحصاءات خرساء: كثير من البشر يصابون بالجنون ، مئات الغالونات من الفودكا تُشرب، كثير من الأطفال يموتون من سوء التغذية... الظاهر أن هذا النظام شيء ضروري لا مفرّ منه، من الواضح أن الرجل السعيد يشعر بالراحة لأن الشقي يتحمل الأعباء صامتا، وبدون ذلك الصمت فإن السعادة سوف تكون مستحيلة. إنها نوع من التنويم المغناطيسي بشكل عام. يجب أن يكون وراء باب بيت كل إنسان سعيد او راض عن حياته، شخص واقف ومعه مطرقة كي يذكره ، على الدوام وبإيقاع مستمر ، بأن هنالك أشخاصا متعسين ، وبأنه ــ مهما كان سعيدا ــ فإن الحياة سوف تريه قوانينها عاجلا أم آجلا، وبأن البلوى سوف تصيبه .. المرض الفقر الخسائر، و لكن لن يسمعه أو يراه أحد ،كما أنه الآن لا يرى ولا يسمع شكوى الآخرين. ولكن لأنه لا يوجد رجل بمطرقة ، فإن الرجل السعيد
8 ــ يعيش مرتاحا، كما أن الهموم اليومية لا تغضبه إلا ولا تؤثر فيه إلا بشكل خفيف كما تهز الريح شجرة الحور ، وبعد ذلك يسير كل شيء على مايرام.

تابع إيفان إيفانوفيتش وهو ينهض من مكانه :"في الليلة التي انتابني فيها هذا الشعور كنت أنا أيضا سعيدا وراضيا " " أنا أيضا كنت أحب ــ عند تناول الغداء وعند ممارسة الصيد ــ أن أضع ا ( اللوم ) على الحياة والدين، وعلى الطريقة التي نعامل بها الفلاحين" " أنا أيضا كنت أردد دائما أن العلم ضحل، وأن الثقافة أمر ضروري وأساسي، ولكن القراءة والكتابة ــ بالنسبة إلى البسطاء ــ كانتا كافيتين آنذاك. الحرية مباركة، كنت أردد على الدوام: نحن لم نعد قادرين على العيش بدونها كما أننا لا نستطيع العيش بلا هواء، ولكن ينبغي أن نتريث قليلا. نعم هكذا كنت أقول ، والآن أسأل " لماذا علينا أن ننتظر ؟ " قال إيفان إيفانوفتش ذلك وهو ينظر بغضب إلى بوركين :" علام ننتظر؟ " إنني أسألك ، ما الأسباب التي تدعونا إلى الانتظار ؟ سيترد عليّ لا يمكن أن يتم ذلك كله فورا، فكل فكرة تحتاج إلى وقت كي تأخذ طريقها إلى الحياة في الوقت المناسب و بالتدريج. ولكن من الذي قال ذلك ؟ وأين الدليل على أن هذا الكلام صحيح؟ إنك تريد أن تخرج على قوانين الطبيعة وعلى نظام الأشياء ، وعلى ظاهرة الاتساق والانسجام، ولكن هل هنالك نظام و انسجام في لحياة ، وأين الحقيقة التي أنا ــ ككائن حي عاقل ــ أقف على شفا حفرة منتظرا إياها ، هل أسعى إليها أم أنتظرها حتى تأتي وتدنو بنفسها ؟ أم علي أن أردم بالطين تلك الفجوة و أقفز من فوقها أو أبني جسرا فوقها ؟؟
مرة ثانية أقول : من أجل ماذا ننتظر ؟ أ نظل ننتظر حتى نفقد قدرتنا على العيش ؟ علما أننا نريد أن نحيا ، بل نحب أن نحيا!!

غادرت أخي مبكرا عند الصباح ، ومنذ ذلك الوقت لم أعد أطيق العيش في البلدة. أنا مغتاظ منها بسبب سكونها
وهدوئها، أخشى أن أن أنظر إلى النوافذ ، لأنه لا يوجد منظر أشد إيلاما لي من منظر أسرة سعيدة جالسة حول منضدة مستديرة لاحتساء الشاي. إنني رجل عجوز غير صالح للنضال، أنا عاجز حتى عن حمل الحقد، كل ما أستطيع القيام به هو أن أتألم من أعماقي، وان أشعر بالغضب والغيظ،ولكن في الليل يسخن رأسي من تزاحم الفكر فلا أستطيع أن أنام. آه ... ليتني شاب.

راح إيفان إيفانوفيتش يمشي إلى الخلف وإلى الأمام في حماسة وانفعال وهو يردد عبارة " لو أنني شابّ ".

ثم إنه وبشكل مفاجىء صعد إلى آلهين وأخذ يضغط على إحدى يديه ثم على الأخرى .

قال في صوت يدعو إلى الرثاء والإشفاق: يا باول كونستانتينوفيتش " إذا كنت شابا و واثقا بنفسك ولا تمل من عمل الخير فلا تكن هادئا وراضيا ، ولا تسمح لنفسك بالإخلاد إلى النوم . لا توجد سعادة في الدنيا و لاينبغي لها أن توجد، لكن إذا كان للحياة من معنى أو هدف ، فذلك الهدف وذاك المعنى ليس سعادتنا وإنما هو شيء أعظم وأكثر عقلانية/ منطقية ، إنه مبدأ : "اعمل صالحا"

قال إيفان إيفانوفيتش ذلك كله بضحكة متوسلة وكأنه كان يلتمس منه إسداء معروف .

ثم إن الثلاثة ــ بعد ذلك جلسوا على الكنبايات عند مختلف أطراف غرفة الجلوس وصمتوا, قصة إيفان إيفاتوفتش لم تمتع بوركين ولا آلهين. عندما تطلع الجنــــرالات والســــــــيدات من خلال إطــــــارات الصور الذهبية، كانوا ينظرون في الغسق وكأنهم أحياء ، كان من الممل أن تنصت إلى قصة عن موظف فقير يأكل الكرز البري. لقد شعروا بالميل ــ لسبب مجهول ــ إلى سماع قصة تتحدث عن الناس المتأنقين ، عن النساء ،إن جلوسهم في غرفة الجلوس ، حيث يتوافر كل شيء: القناديل في الكوى، الكنبايات والسجادة تحت أقدامهم ، ذكّرهم أن هؤلاء الناس أنفسهم ، وهم الذين ينظرون الآن إليهم من خلال البراويظ/ الإطارات ، كانوا ذات يوم يتجولون في هذه الغرفة بالذات ويجلسون ويحتسون الشاي وبحقيقة أن الحلوة بيلاجيا التي كانت تطوف عليهم هي أفضل من أية قصة.

كان آلهين قد مات من النعاس، فقد استيقظ عند الصباح الباكر قبل الساعة الثالثة صباحا. ليقوم برعاية عمله لذلك أخذت عيناه تغمضان ومع ذلك ظل يدافع النوم خشية أن يقوم صديقاه بسرد قصة في أثناء ذهابه، لم يحاول الدخول في مسألة : هل كان إيفان إيفانوفيتش محقا ومصيبا في الكلام الذي قاله قبل قليل. ضيوفه لم يتحدثوا عن الحبوب ولا عن التبن ولا عن الزفت، وإنما تحدثوا عن شيء لا علاقة له بحياته، ومع ذلك فقد كان سعيدا وراغبا في أن يتابعوا الحديث.

قال بوركين وهو ينهض : " حان وقت النوم مع أن .. " " اسمحا لي أن أن أقول لكما : " تصبحان على خير".
قال آلهين: " تصبحون على خير" ثم مضى نازلا إلى مجاله بينما كان صديقاه ما زالا على الدرج. أخذ الضيفان إلى غرفة كبيرة من أجل النوم، حيث كان فيها سريران قديمان خشبيان محفور عليهما نقوش ، وكان في أحد أركان الغرفةصليب عاجي . كانا السريران الكبيران الرطبان/ الباردان اللذان جهزتهما بيلاجيا \وي رائحة لطيفة تنبعث من الحرير النظيف.

خلع إيفان إيفانوفيتش ملابسه في صمت وأوى إلة فراشه، ثم قال : " أللهم اغفر لنا ذنوبنا " ثم وضع رأسه تحت اللحاف.
كان غليونه الموضوع على الطاولة ينشر رائحة قوية هي رائحة التبغ العفنأما بوركين فلم يستطع النوم لمد طويلة، وظل يتساءل : من أين تنبعث تلك الرائحة الكريهة oppressive smell.

كان المطر ــ طوال تلك الليلة ــ يطرق على ألواح النوافذ الزجاجية.



الدوقة والجوهري

الدوقة والجوهري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تأليف : فيرجينيا وولف ترجمة: د. عبد الرحمن دركزللي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان أوليفر بيكون يسكن في الطابق الأعلى من منزل يشرف على " غرين بارك " كانت لديه شقة تشتمل على كراسي مغطاة موضوعة بذكاء عند الزوايا المناسبة ، وديوانات تســـــد الفراغات القائمة بين النوافذ مغطاة بقماش مزدان بالرسوم. أما النوافذ فهي ثلاث نوافذ كبيرة ولها ستائر من الحرير المزدان بالرسوم. وكانت هنالك خزانة جانبية بارزة اصطفت فيها بعناية فائقة مشروبات من أنواع جيدة كالبراندي والويسكي وسواها . كان ينظر من النافذة الوسطى إلى سطوح السيارات الحديثة المصطفة في المسارب الضيقة من " بيكادلي " والتي كادت تملأ وسط الشارع. عند الثامنة صباحا كان يتناول الأفطار الذي يحضره له الخادم موضوعا على صينية، ثم لا يلبث هذا الخادم أن يبسط له ثوب نومه (روب دو شامبره) القرمزي ، ويفتح له رسائله بأظافره الطويلة المدببة، ثم يخرج منها بطاقات دعوات بخطوط نافرة وردت من الدوقات والكونتيسات والفايكونتسات وسيدات المجتمع الراقي. بعد ذلك كان يغسل يديه ويجلس ليأكل خبزه المقمر؛ ثم يقرأ صحيفته بالقرب من الموقد الكهربائي

كان يخاطب نفسه : " انظر يا أوليفر " " يا من بدأت الحياة في زقاق صغير قذر ، ويا من ... " ثم إنه ينظر إلى ساقيه الجميلتين في بنطاله الأنيق، وإلى جزمته عند الربطة. كانت كل هذه الأشـــــــــياء أنيقة بديعة ، وهي مفصلة من أفخر أنواع القماش ومشتراة من أفخر المحال التجارية في " سافيل رو " لكنه غالبا ما كان يجرد نفسه من هذه الأشياء فيغدو من جديد طفلا صغيرا في الزقاق المظلم. تذكركيف كان أقصى طموحه أن يبيع الكلاب المسروقة لللسيدات العصريات (المتموضات) في منطقة " وايت جابل " كما تذكر ما قالته له أمه وهي تبكي إذ فعل ذلك : " يا أوليفر متى ستنضج يا ولدي ؟ " على أنه اشتغل بعد ذلك وراء جام : حيث كان يبيع الساعات الرخيصة ، ثم صار يحمل حقيبة إلى أمستردام .. عندما كان يتذكر هذه الأمور كان يضحك في قرارة نفسه ــ أي أن أوليفر العجوز يتذكر أوليفر الصغير ــ نعم لقد حالفه الحظ بالماسات الثلاث؛ وكذلك يوم قام بمأمورية تتعلق بالزمرد. بعد ذلك اتخذ لنفسه غرفة خاصة تقع خلف محل" هاتون غاردن " وهي الغرفة التي وضع فيها الميزان والخزنة الحديدية والعدسات المكبرة السميكة. وبعد ذلك ... وبعد ذلك .. ثم راح يضحك بينه وبين نفسه .

تذكرعندما مر في مسـاء يوم حارخلال مراكز أصحاب المجوهرات ، وكانوا يتباحثون في الأسـعار ويتحدثون عن مناجم الذهب والماس، وعن التقارير الواردة من جنوب إفريقيا، يومها رأى واحدا يدنو منه و يضع إصبعه على طرف أنفه مهمهما: " هممممم " فعل ذلك عندما مر به، لم يقم إلا بوخزة في كتفه، وبوضع إصبع على أنفه ، وكانت تلك الهمهمة بين أصحاب المجوهرات في"هاتون غاردن" في ذلك المساء الحار ــ أوه... لقد مرت على تلك الحادثة سنوات كثيرة الآن، ولكن أوليفر لا يزال يذكرها ويشعر بها وكأنها وخزة تسري في عموده الفقري، إن الوخزة والهمهمة تعنيان : " انظروا إلى الصغير أوليفر،إنه الجوهري الصغير"
ثم يمضي.

كان صغيرا حينئذ. لكنه فيما بعد أخذ يلبس أحسن الثياب، صار عنده أولا عربه، ثم سيارة. في مبتدأ الأمر كان يصعد في المسرح إلى الشرفة، لكنه بعد ذلك صار يجلس في الصفوف الأمامية ، وقد اشترى فيلا في " ريتشموند " تشرف على النهر، ولها عرائش من الزهور الحمر: وآنسة شابة كان من عادنها أن تقطف له زهرة كل صباح لتعلقها في عروته.


قال أوليفر بيكون وقد مد ساقيه ورفعهما:" هكذا ... هكذا كانت الأمور" ، ثم إنه وقف تحت صورة السيدة العجوزالموضوعة على رف الموقد فقال : " لقد بررت بوعدي " ثم رفع يديه
و وضع واحدة على أخرى: كفا على كف كأنه يعقد صفقة، وقال :" لقد ربحت الرهان "

هذا ما حدث إذا ؛ لقد أصبح أغنى جوهري في إنجلترة، لكن أنفه الذي كان طويلا ومرنا مثل خرطوم الفيل ، ارتعش عند المنخرين (الأنف بأكمله ارتعش لا المنخران فقط ) وكأنه يعبر عن عدم رضاه التام، فهو لم يزل يشم رائحة شيء تحت الأرض، شيء بعيد نوعا ما. تخيل خنزيرا ضخما في أحد المروج الغنية بالفطر، وبعد الحفر واستخراج الفطر ، مازال هنالك فطر أكبر وأكثر سوادا تحت الأرض على مسافة قريبة. وهكذا كان أوليفر يشم دائما في الأرض الغنية لـ ــ " مايفير " رائحة فطر آخر، أكثر سوادا وأكبر حجما يكمن في بقعة أبعد.

عدل من وضعية اللؤلؤة في ربطة عنقه والتفع بمعطفه الأنيق ، وأخذ قفازه وعصاه، وجعل ينزل الدرج وهو يتمايل نصف متنفس ، نصف متأوه، من خلال أنفه، وعبر بيكادلي.
إذا لأنه كان لا يزال رجلا متفائلا ، ورجلا طموحا ، ورجلا ينشد شيئا خفيا، فقد كسب الرهان.

جعل يتمايل بشكل خفيف وهو يمشي كأنه الجمل في حديقة حيوان، كان يميل من جانب إلى آخر على امتداد الطريق المعبدة بالإسفلت والممتلئة بأصحاب الدكاكين وبزوجاتهن وهن يأكلن من أكياس ورقية ويرمين قطعا صغيرة من الورق المفضض المتغضن في الطريق. إن الجمل يكره أصحاب الدكاكين ، الجمل غير راض عن الثروة التي أحرزها: الجمل يرى البحيرة الزرقاء وأوراق أشجار النخيل أمامه.

كان الجوهري العظيم، أعظم جوهري في العالم كله، يتمايل وهو يسير في بيكادلي، يسير وقد ارتدى أفخم الملابس ، بقفازيه وبعصاه ، إلا أنه مازال غير راض عن نفسه، حتى وصل إلى المحل المعتم الصغير ، الذي غدا مشهورا في فرنسا وألمانيا والنمسا وإيطاليا وفي جميع أنحاء أمريكا ــ المحل الصغير المعتم في شارع بوند

كالعادة فشخ إلى المحل من غير أن يتكلم مع الرجال الأربعة : العجوزين مارشال وسبنسر والشابين : هاموند و ويكس ، لقد شدوا قاماتهم ونظروا إليه حاسدين إياه.أما هو فقد شكر لهم حضورهم بأن حرك إصبعا واحدا بقفازه العنبري اللون، ثم أنه دخل إلى غرفته الخاصة وأغلق الباب خلفه.

فتح الغطاء الذي كان يغطي النافذه، فبدأت الصيحات والأصوات تتسلل من شارع بيكادلي إلى داخل الغرفة: أصوات أبواق السيارات البعيدة. الأنوار المنبعثة من خلف المحل الموجهة نحو الأعلى. الشجرة التي تهتز بأوراقها الخضراء الست، لأن الشهر كان حزيران. لكن الآنسة تزوجت السيد بدر من مصنع الجعة ، لذلك لم يعد هنالك من تضع له الزهور في العروة الآن.

وتأوه نصف تأوهة كما زفر نصف زفرة ثم قال : " هكذا إذن ! "

ثم إنه لمس نابضا في الجدار ، فانزلق لوح الخشب المزخرف منفتحا وخلفه كانت الخزائن الفولاذية، خمس ، بل ست ، وكلها من الفولاذ المصقول ، أدار المفتاح ، وفتح واحدة ثم أخرى . كل واحدة من الخزائن كانت مبطنة بالمخمل الأحمر القرمزي الغامق، وفي كل منها وضعت مجوهرات : أساور ، عقود ، خواتم ، تيجان أكاليل للدوقات ، أحجار كريمة في صدفات زجاجية ، يواقيت ، زمردات ، لآلىء، ماسات . وكل الخزائن كانت لامعة وباردة وإن كانت تتوهج دائما بضوئها الخاص.
تأمل اللآلىء فقال: " دموع "
تأمل اليواقيت فقال: " دم القلب "
خشخش الماسات حتى أخذت تتلألأ وتلتمع ، ثم قال : " بارود " ألقى رأسه إلى الخلف وصهل كما يصهل الجواد، وقال إنها بارود يكفي لنسف " مايفير " إلى أعلى السماء بل أعلى وأعلى.

رن الهاتف رنينا لطيفا على منضدته، فأغلق الخزنة. و قال: " بعد عشر دقائق لا قبل ذلك "
جلس على مكتبه ونظر إلى رؤوس الأباطرة الرومان التي كانت محفورة على أزرار أكمامه. جرد نفسه مرة ثانية فأصبح مرة أخرى غلاما صغيرا يلعب بالدحل في الزقاق حيث كان يبيع الكلاب المسروقة في يوم الأحد. الصبي الصغيرا صار رجلا ذكيا بشفتين تشبهان الكرز الندي ، غمس أصابعه في حبال الكرشايات كما غمسهما في مقلايات السمك ، دخل في مشاكل مع الناس وخرج منها، كان نحيفا وضعيفا وذا عينين كالحجرين المشحوذين. الآن أخذت عقارب الساعة تدق : واحد أثنان ثلاثة أربعة... الدوقة دوقة لامبورن انتظرت سعادته : إنها دوقة لامبورن سليلة مئات الإيرلات. تننظر عشر دقائق على كرسي عند الكاونتر ( الجام ) إنها بانتظار سعادنه، تنتظر حتى يكون مستعدا لرؤيتها. راقب الساعة في بيتها الجلدي. تحرك العقرب، مع كل تكة كانت الساعة تمتعه كأنها تقدم له كأسا من الشمبانيا وأخرى من البراندي اللذيذ أو سيجارا ثمنه جنيه استرليني . تضعها على المنضدة بجانبه بينما كانت الدقائق العشر تمر. ثم إنه سمع وقع خطوت ناعما يقترب : حفيفا في الممرّ . انفتح الباب. شد هاموند قامته ملتصقا بالجدار، وأعلن قائلا : " سعادتها " ووقف منتصبا قبالة الجدار.

نهض أوليفر بحيث يسمع حفيف ثوب الدوقة بينما كانت تقترب عند المدخل. ثم إنها برزت فسدت الباب ، وملأت الغرفة برائحة العطر، بالسمعة، بالأناقة ، بالكبرياء، بالفخر، فخر جميع الدوقات كما لوأنهم جاؤوا معا في موجة واحدة. وكما تتكسر الموجة تكسرت وهي تجلس ناشرة وناثرة على أوليفر بيكون، الجوهري العظيم، طيفا من الألوان المتلألئة: الأخضر والزهري والبنفسجي وألوان قوس قزح ، ونفحات عطرة، و أشعة تنبعث من أأصابعها، وكان الريش يتمايل منحنيا، والحرير يلمع : كانت سمينة جدا وضخمة جدا وملفوفة جدا بالتفتا القرمزي ، تجاوزت مرحلة الشباب، لكنها كانت كالمظلة التي تدلت منها أهداب كثيفة ،أو كالطاووس ذي الريش الكثيف، على أنها طوت الأهداب وضمت الريش، وغارت في كنبة الجلد.

قالت الدوقة : " صباح الخير يا سيد بيكون " ثم سحبت يدها من فتحة قفازها الأبيض. انحنى أوليفر حين صافحها، وعندما تلامست اليدان تجددت العلاقة بينهما مرة أخرى. أصبحا صديقين وإن كانا عدوين: كان هو السيد الحاذق وكانت هي السيدة البارعة: كل منهما غش الآخروخدعه، ولكن كلا منهما كان بحاجة إلى الآخر، كلاهما كان يخاف الآخر ويخشاه، كلاهما يعرف الآخر ويفهمه، كلاهما شعر بذلك عند كل مصافحة حدثت في الغرفة الخلفية ذات الضوء الأبيض في الخارج والشجرة ذات الورقات الست وضجة الشارع البعيد ، ومن خلفهما الخزائن.

قال أوليفر بصوت في غاية اللطف : " واليوم ياسيدتي الدوقة ماذا أستطيع أن أقدم لك ؟ "

تفتح الدوقة قلبها، قلبها الخاص، تفغر فمها ، ترسل تنهدة، لكنها لا تقول شيئا، بل تخرج من حقيبتها كيسا صغيرا كأنه شريط حريري أصفر ، ومن فتحة في بطن الكيس ترسل اللآلىء ــ عشر لآلىء تدحرجت من فتحة الكيس : واحدة أثنتان ثلاث أربع كأنها بيضات طائر سماوي .
تنهدت ثم قالت : " هذا كل ما تبقى لديّ ياعزيزي السيد بيكون " خمس ست سبع وكانت اللآلىء تتدحرج على منحدرات جانبي الجبل الواسع الذي سقط بين ركبتيها في واد ضيق
الثامنة التاسعة العاشرة. هنالك توضعت في بريق التفتا التي تشبه في لونها زهر الخوخ

تأوهت وقالت : " من حزام أبلبي " " المجموعة الأخيرة منها "

تقدم أوليفر وأخذ لؤلؤة فوضعها بين إصبعه وإبهامه . كانت اللؤلؤة مستديرة متألقة. ولكن ترى أهي حقيقية أم زائفة ؟ لماذا تكذب علي مرة ثانية ؟ كيف لها أن تتجرأ ؟

وضعت إصبعها الثخينة المكتنزة بين شفتيها " وهمست : " لو علم الدوق ... " فسوف تقع ياسيد بيكون كارثة "

" ترى هل مازالت تمارس القمار ؟ "

قالت مهمهمة : ياله من سافل خبيث ! "
ذو الخدود المهشمة؟ اللئيم ؟ الدوق صاحب القوام المستقيم والشعرالجانبي ؛
سوف يذبحها ويحجر عليها، الله أعلم. تفكر أوليفر في كل هذه الأمور، ثم نظر إلى الخزنة.

أنشأت تنوح وتقول: " أرمينتا ودافني ودايانا " إنه من أجلهن.
كان يعرف السيدات أرمينتا و دافني و دايانا بناتها. كان يعرفهن : يعبدهن ، لكن دايانا هي التي أحب من دونهن.

نظرت إليه بأسى وقالت : " لقد كشفت لك عن كل أسراري " قالت ذلك والدموع تتحدر وتنهمر من عينيها، دموع كالماسات حملت معها ما كان من البودرة الموجودة في مجاري الدمع.

تمتمت : " أرجوك ياصديقي القديم"
راح أوليفر يكرر عبارة :" يا صديقي القديم " " يا صديقي القديم " عدة مرات ، كأنه كان يلحس الكلمات لحسا.

ثم إنه استفسر : " كم تريدين ؟ "
غطت اللآلىء بيدها.
همست : " عشرين ألفا "

ولكن هل هي حقيقية أم زائفة ، اللؤلؤة التي أمسكها بيده ؟ ثم بالنسبة إلى حزام آبلبي ــ ألم
تكن قد باعته من قبل ؟ كان سيدق الجرس لسبنسر أو هلموند ، وسيقول له : " خذ اللؤلؤة وافحصها " واقترب من الجرس.

قالت له : " أنت سوف تأتي غدا ؟ " ألحت عليه. ثم تدخلت قائلة : " رئيس الوزراء، سموه الملكي " توقفت ثم أضافت قائلة : " وديانا ... "

سحب أوليفر يده من على الجرس

نظر إليها ثم تطلع إلى سطوح البيوت في الشارع، لكنه لم ير البيوت في شارع بوند ، وإنما رأى النهر وهو يتموج هابطا صاعدا ورأى سمكة صاعدة ، وسمكة سالمون، كما رأى رئيس الوزراء ورأى نفسه أيضا في صدار أبيض، وفضلا عن هذا رأى ديانا.

نظر إلى اللؤلؤة في يده، ولكن كيف له أن يفحصها في ضوء النهر أم في ضوء عيني ديانا على أن عيني الدوقة كانتا متجهتين إليه

قالت وهي تنوح : " عشرين ألفا " " أفسم بشرفي "

إنه شرف أم ديانا ‍‍‍‍‍‍ ‍ ‍‍‍‍وسحب دفتر شيكاته وقدمه منها، ثم أخرج قلمه، كتب " عشرين "لكنه
توقف عن الكتابة ؛ ذ لك أن عيني العجوز في اللوحة كانتا متركزتين عليه، عيني العجوز والدته.

حذرته : " أوليفر " ، " كن عاقلا لا تكن أحمق "

توسلت الدوقة إليه : " يا أوليفر " . قالت هذه المرة أوليفر ولم تقل سيد بيكون
: " سوف تأتي لقضاء نهاية أسبوع طويلة ؟ "

وحده في الغابة مع ديانا ، راكبا وحده في الغابة مع ديانا‍
كتب " ألفا " ووقع

قال لها : " تفضلي ".
عندئذ نهضت من على كنبتها : نشرت كل أهداب المظلة ، كل ريش الطاووس ، موجة من التألق والإشراق ، سيوف و رماح أغينكورت، وانتصب العجوزان والشابان واقفين: سبنسر ومارشال ، ويكس وهاموند شدوا قاماتهم خلف الجام وهم يحسدونه؛ لأنه قادها خلال المحل إلى الباب. لوح بقفازه الأصفر في وجوههم وقبضت هي على شرفها ــ شيك بمبلغ عشرين ألفا من الجنيهات ممهور بتوقيعه ــ أمسكت به بشكل قوي بين يديها.

أغلق أوليفر بابه الخاص عليه ، وتساءل : " أهي لآلىء زائفة أم حقيقية؟"
تلك هي ، عشر لآلىء على ورقة النشاف فوق المنضدة. أخذها إلى النافذة. وضعها تحت العدسات والضوء .. هذا إذا هو الفطر العفن الذي أخرجه من تحت الأرض ! وهو نخر في اللب في الصميم.

تأوه قائلا : " سامحيني أرجوك يا أمي " ورفع يديه كمن يطلب العفو من العجوز المرسومة في اللوحة، ومرة ثانية ارتد غلاما صغيرا في الشارع الذي كانوا يبيعون فيه الكلاب يوم الأحد.

تمتم واضعا كفا على كف " هذا كله من أجل يوم نهاية الأسبوع الطويل "

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ







تعليق على قصة الدوقة والجوهـــري

" الدوق والجوهري " قصة قصيرة للكاتبة فيرجينيا وولف ، أما البيئـــــة التي جرت الأحداث فيها فهي مدينة لندن بإنجلترة. والجوهري هو الشخصية الرئيسة فيه ، ايتغلب على فقره ويغدو غنيا. وقد أخذ أفراد الأسرة المالكة يزورونه لمساعدتهم. إن القصة تصور بطريقة نقدية أصحاب الثروة المكتسبة وأصحاب الأرستقراطية الموروثة والرغبة في الزواج من الطبقة الأرستقراطية.

وعندما تبدأ القصة نرى أن الجوهري أوليفر يمثل أصحاب الثروة المكتسبة . كان أوليفر غلاما صغيرا فقيرا يبيع الكلاب المسروقة في أيام طفولته، لكنه فيما بعد أصبح جوهريا ثريا وطبعا بسبب اجتهاده وكفاحه حتى إن الزبائن المشهورين كانوا ينشدون مساعدته، كان أوليفر غير راض عما وصل إليه ، وليس مقتنعا بما حققه. أما الدوقة فهي تغش زوجها وتبيع اللآلىء الزائفة.

وعلى كل حال فالدوقة تصور وتمثل الأرستقراطية الموروثة ، وأما ديانا فقد استخدمت كعنصر إغواء لأوليفر كي يشتري اللآلىء الزائفة، وكيلا يفضح أمها ويسبب لها العار، إنه يرغب في قضاء عطلة نهاية الأسبوع مع ديانا.

تدخل الدوقة غرفته بعطرها ومقامها وأناقتها وأبهتها التي تصور لنا الأرستقراطية الموروثة. إن الدوقة تستمر في عادة ممارسة القمار وتخفي ذلك عن زوجها . وأوليفر واقع في حب ابنتها ديانا.

وبالتالي فالرغبة في الزواج من أرستقراطية ، أي زواج أوليفر من ديانا يظهر جليا . إن الدوقة تبيع أوليفر سرا عشر لآلىء بعشرين ألف جنيه ، وذلك كي تســـــدد ما ترتب عليها من ديون. إن مجرد النزهة في الغابة مع دبانا كاف لإغوائه كي يعطي الدوقة المال من غير أن يقوم بفحص اللآلىء ليرى ما إذا كانت زائفة أم حقيقية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ














فيرجينيا ستيفن وولف:

روائية وكاتبة إنجليزية عاشت بين 1882 ــ 1941 م ، وهي ابنة السير لزلي ستيفن .
فيرجينيا وولف كاتبة روائية ناجحة ، وقد أبدعت خصوصا في الشكل القصصي، وهي تعد من أبرز القوى المؤثرة في رواية القرن العشرين.

تعلمت فيرجينيا في البيت اعتمادا على الكتب والمراجع التي كانت في مكتبة أبيها الضخمة. في عام 1912 تزوجت اللورد وولف الناقد والكاتب في مجال الاقتصاد، ومعه أنشأت عام 1917 مطبعة هوغارث. أصبح بيتهما ملتقى لجماعة من الفنانين والنقاد والكتاب وهي جماعة تعرف بجماعة بلومسبيري .

كان اهتمام فيرجينيا وولف الرئيسي في الفن القصصي ينصب على تصوير التجربة العادية في حالة تدفقها . إن اهتمامها لم يكن ينصب على الحبكة ولا على رسم الشخصيات وإنما على إبراز وعي الشخصيات ونشاطها الذهني وأفكارها ومشاعرها، وهي الأمور التي تتجسد على نحو رائع في تكنيك تيار الوعي. على أن فيرجينيا وولف لم تقصر نفسها على إبراز تيار الوعي لدى شخصية واحدة، وإنما كانت تتسلل من وعي إلى وعي ومن عقل إلى عقل, ولا سيما في رواية " الأمواج " التي ربما تعد أعظم رواية تجريبية لها.

أما أسلوبها النثري فهو أسلوب شاعري ، رمزي إلى حد كبير ومملوء بالصور البصرية الحضرية.

إن روايات وولف الأولى " السفر خارجا " 1915 و " ليل ونهار" 1919 كانت تقليدية في منهجها، لكنها بدأت تجدد أكثر فأكثر في " غرفة جاكوب " 1922 ، وفي " السيدة دالواي " 1925، وفي " إلى المنار " 1927 ، و " الأمواج " 1931 .

ومن أعمالها الروائية التجريبية الأخرى : " أورلاندو " 1928 ، و " السنوات " 1937 ، و " بين الفصول " 1941.

كانت فيرجينيا وولف سيدة المقالة النقدية ، ولعل أفضل ما كتبته متضمن في كتاب " القارىء العام " 1925، و " القارىء العام الثاني " 1933، و " موت العث ومقالات أخرى " 1942 ، و " اللحظة ومقالات أخرى " 1948 ، و " غرفة خاصة " 1929 ، و " ثلاثة جنيهات" 1938 وهي جميعا تصب في مجال الحركة النسوية .

وتعد السيرة التي كتبتها بعنوان " روجر فراي " دراسة ممتازة عن حياة صديق لها .

كتبت بعض القصص القصيرة ، مثل:" الإثنين أو الثلاثاء " 1921، و " البيت المسكون " 1944. وسواهما

عانت فيرجينيا وولف من الانهيارات العقلية في 1915م وقد أغرقت نفسها في سنة 1941 لأنها خشيت من حدوث انهيار عقلي آخر قد لا تشفى منه.

معظم أعمالها نشرت بعد وفاتها ، وقد عني زوجها بتنقيحها












الورقة الأخيرة


الورقة الأخيرة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تأليف: أو. هنري 1862 ــ 1910م. ترجمة: د. عبد الرحمن دركزللي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في منطقة صغيرة بغرب واشنطن سكوير بمدينة نيوبورك حيث تفرعت الشوارع إلى دروب صغيرة سميت " الأماكن " . هذه الأماكن شكلت زوايا غريبة ومنعطفات. أحد الطرقات تقاطع مع نفسه مرة أو مرتين. الغريب يمكن أن يضيع بسهولة. أحد الفنانين الذين يعيشون هنالك لاحظ مرة مزايا هذا القسم من المدينة ، وهي أن جابي الفواتير يمكن أن يجد نفسه راجعا دون أن يقدر على جباية سنت واحد.

لذلك كي يتعرف أهل الفن على قرية غرينويتش القديمة راحوا يبحثون عن النوافذ الشمالية ( من أجل الإضاءة الجيدة ) والشقق القديمة والعليات الهولندية وبالطبع الإيجارات الرخيصة. وما لبثت أن نشأت هنالك مستعمرة لهم .

في أعلى بناء قرميد قبيح من ثلاث طوابق ، اتخذت كل من سو وجونسي الأستوديو الخاص بهما. واحدة كانت من ماين ، والأخرى من كاليفورنيا. كانت قد تقابلتا فيمطعم صغير، وراحت تتحدث ، وتكتشف ذوق الأخرى في مجال الفن والبطعام والأزياء، وكانتا متشابهتين إلى حد كبير بحيث قررتا أن تتشاركا على أستوديو. كان ذلك في شهر مايو. ولكن في شهر نوفمبر قدم غريب بارد غير مرئي ، سماه الدكاترة نيومونيا ( ذات الصدر ) وأنشأ يتجول داخل المستعمرة، يصيب واحدا هنا وآخر هناك بأصابعه الجليدية. هنالك عند الطرف الشرقي، مر المخرب الرهيب مسافرا بشجاعة وجرأة أخذا معه الكثير من ضحاياه، لكنه ذهب بطيئا خلال فوضى منطقة الأماكن في القرية.

لم يكن السيد نيومانيا ممن يسمى العجوز الجنتلمان المهذب. ولئن تمكنت الشابة الصغيرة من كاليفورنيا قوية من التخلص منه بسبب قوتها فإنه تمكن من ضرب جونسي.

اضطجعت غير قادرة على الحركة، على سريرها الحديدي المدهون، تنظر من خلال النوافذ الهولندية الصغيرة إلى الجانب الفارغ من البيت المبني بالقرميد. وفي أحد الأيام دعا الطبيب المشغول سو ، فخرجت إلى الممر / الدهليز وعلى وجهه مظاهر القلق.

قال لها وهو يخض الزئبق في مقياس الحرارة: " لديها ــ دعينا نقل ــ واحد من عشرة من الحظ لكي تبقى على قيد الحياة ، هذا إذا كنت ترغب في الحياة، أنا لا افهم كيف أن الناس ولا سيما الشباب من أمثال جانسي يقطعون الأمل ويستسلمون. لقد آمنت تلك السيدة الصغيرة بأنها لن تتحسن. أخبريني هل هنالك شيء يستولي على عقلها في الوقت الحالي؟ شيء يجعلها لا ترغب في الحياة؟

قالت سو: " نعم لقد أرادت أن ترسم لوحة لخليج نابلس يوما."
أن ترسم؟ ـ ـ سخف! هل هنالك شيء في عقلها يستوجب التفكير مرتين ـ رجل مثلا ؟
قالت سو وفي صوتها حشرجة: " رجل ؟ " " هل الرجل يستوجب التفكير ــ ولكن لا يا دكتور ؛ ليس هنالك شيء من هذا".

قال الدكتور : حسنا ، إذا إنه الضعف ، سأفعل كل ما ــ وكل ما بوسعي ــ توصل إليه العلم، ولكن عندما يبدأ المريض بالتخطيط ليوم جنازته أقوم بطرح خمسين في المئة من تأثير الدواء. لو استطعت أن تجعلينها تجيب عن سؤال واحد فقط : وهو ما آخر / أحدث أزياء الشتاء. إذا لقلت لك هنالك خمسة من عشرة من الحظ لها عوضا من واحد من عشرة.

بعد أن ذهب الطبيب، ذهبت سو إلى غرفة العمل ( الوركرووم ) وبكت حتى إنها حولت منديل الورق إلى لباب مبلل. ثم دخلت إلى غرفة جونسي ومعها لوحة الرسم، وهي تغني تترنم بلحن موسيقي صاخب.


كانت جونسي مضطجعة بالكاد تحدث موجة من الموجات في البطانيات و وجهها متجه إلى النافذة، توقفت سو عن الصفير معتقدة أن جونسي كانت نائمة.

ركبت سو لوحتها وبدات برسم منظر بالحبر المائي لتصور قصة من قصص المجلات؛ فالفنانون الشباب يجب أن يشقوا طريقهم إلى الفن من خلال رسم صور لقصص المجلات يكتبها الكتاب الشباب ليشقوا طريقهم إلى عالم الأدب.

وبينمكا كانت سو ترسم بنطالا انيقا من تلك التي يرتديها المشاركون في معرض لركوب الخيل لراعي بقر من ايداهو، سمعت صوتا خفيفا، تكرر الصوت عدة مرات، هرعت إلى جانب السرير الحديدي . كانت عينا جونسي مفتوحتين تماما. كانت تنظر من خلال النافذة وهي تعد ــ عدا رجعيا.. قالت " إثنا عشر" وبعد قليل " أحد عشر" وثم " عشرة" و " تسعة" وبعد ذلك " ثمانية" وسبعة تقريباً معاً.
نظرت سو من خلال النافذة. ولكن ماذا هنالك كي تقوم بعده ؟ ما كان هنالك سوى ساحة عارية موحشة يمكن أن ترى وجانب فارغ من بيت مبني بالقرميد يقع على مسافة عشرين قدماً. ودالية عنب قديمة التصقت بالجدار وأصابها عفن عند الجذور تسلقت نصف المسافة من الجدار المبني بالقرميد. النفس البارد للخريف كان قد نفح الأوراق أوراق الدالية حتى إن الأغصان الأساسية أصبحت عارية.
ماذا هنالك يا عزيزتي؟ هلا أخبرت سودي حبيبتك
" أوراق على دالية العنب وعندما تسقط الورقة الأخيرة فأنا أسقط أيضاً لقد علمت ذلك منذ ثلاثة أيام. ألم يخبرك الطبيب؟"
قالت سو بتذمر ..أوو .. لم أسمع إطلاقاً بمثل هذه السخافات. وما علاقة أوراق الدالية القديمة بتحسن صحتك؟ أنت كنت تحبين الدالية كثيراً فلا تكوني سخيفة إلى هذا الحد ولماذا يخبرني الطبيب هذا الصباح فقط بأن حظوظك هي واحد على عشرة , لماذا ذلك تقريباً حظ جيد كاللذي كان لنا عندما كنا في المدينة وعندما كنا نركب السيارات. حاولي أن تأخذي قليلاً من الحساء الأن ودعي سودي ترجع إلى ما رسمته لعلها تستطيع بيعه وشراء بعض خمرة بورت لمريضتها الصغيرة وبعض اللحم لنفسها.
قالت جونسي وهي تنظر إلى النافذة بعيون ثابته: " لا حاجة لك أن تشتري مزيداً من الخمر" " هنالك شيء أخر فأنا لا أريد أي حساء إن الأوراق أربع فقط وأنا أريد أن أرى الورقة الأخيرة تسقط قبل هبوط الليل ثم إنني أذهب أيضاً, قالت سو منحنية عليها " جونسي يا عزيزتي هل تعدينني بإبقاء عينيكي مغمضتين وبعدم النظر من النافذة حتى أكمل عملي ؟ فأنا يجب أن أسلم هذه الرسوم قبل غد . إنني بحاجة إلى الضوء أو فإنني سأسدل الستائر .
سألت جونسي ببرود: " ألا يمكنك أن تنسحبي إلى الغرفة الأخرى ؟"
قالت سو :" أفضل أن أظل هنا بقربك أنا لا أريد أن أتركك تنظرين إلى تلك الأوراق السخيفة أوراق الدالية.
قالت جونسي وهي تغمض عينيها وتتضجع شاحبة وساكنةً كالتمثال الواقع :" أخبريني بمجرد أن تنتهي لأنني أريد أن أرى الورقة الأخيرة تسقط فأنا مللت من الانتظار وضجرت من التفكير. أريد أن أرخي قبضتي عن كل شيء وأن أغوص نحو الأسفل تماماً مثل واحدة من تلك الأوراق البائسة المتعبة.
قالت سو : " حاولي أن تنامي . يجب أن أستدعي بهرمان ليكون موديلي لعامل منجم وحيد عجوز لن أذهب إلا دقيقة لا تحاولي أن تتحركي حتى أرجع إليك"
العجوز بهرمان كان رساماً وكان يسكن في الطابق الأرضي تحتهما. كان قد تجاوز الستين وله لحية تشبه لحية تمثال موسى الذي نحته مايكل أنجلو, كان بهرمان فاشلاً في الفن لقد حاول أن يرسم مدة أربعين سنة لكنه لم ينجز شيئاً مهماً ولعدة سنوات قام برسم لوحات إعلان وكان في بعض الأحيان يلعب دور الموديل بالنسبة للفنانين في المستعمرة وهو ما يزال يتحدث عن القطعة الفنية التي سوف يرسمها في يوم من الأيام. أما فيما تبقى من الوقت فقد كان حامياً للفنانتين الشابتين التين تسكنان في الأستوديو الواقع فوق شقته .
وجدت بهرمان في مقره المضاء بشكل باهت في إحدى الزوايا كان هنالك قنب فارغ موضوع على حامل/ سيبا ينتطر هنالك مدة خمس وعشرين سنة لكي تبداًالضربة الأولى من القطعة الفنية. أخبرته عن فكرة جونسي وكيف أنها خافت من أن صديقها سوف يعوم بعيداً عندما قبضتها الضعيفة على العالم تصبح أضعف إن العجوز بهرمان بعينيه الحمراوين الدامعتين بشكل واضح صرخ رداً على ذلك " ماذا! هل هنالك ناس في الدنيا بمثل هذه الحماقة يموتون لأن أوراق الدالية تتساقط ؟ أنا لم أسمع بحياتي يمثل هذا الشيء لا , أنا لن أقف لك. لماذا تدعين مثل هذه السخافات تعشش في رأسها اه مسكينة جونسي تلك الأنسة الصغيرة ! "
قالت سو : إنها مريضة جداً وضعيفة, كما أن الحمى جعلتها تتخيل أن الموت قادم . حسناً يا سيد بهرمان , إذا كنت لا تريد أن تقف" بوز" من أجلي فلا بأس عليك ولكن أعتقد أنك عجوز فظ ــ عجوزغبي.
صرخ بهرمان " أنت مثل امرأة تماما " ، " من قال إنني لن أقف لك ؟ تابعي، أنا جئت معك، لمدة نصف ساعة، أتى علي وأنا أحاول أن أقول لك إنني جاهز للوقوف. يا إلهي .. أي مكان هذا ؟ سوف أرسم في يوم من الأيام لوحة رائعة، ونحن كلنا سوف نمضي.

كانت جونسي نائمة عندما صعدا الدرج. جرت سو الستارة وأشارت إلى بهرمان كي يدخل إلى الغرفة الأخرى
وهناك نظرا من النافذة إلىبذعر إلى الدالية. ثم نظر كل منهما إلى الآخرلوهلة دون أن ينبسا ببنت شفة . كان مطر بارد يهطل، ممزوجا بالثلج. أخذ بهرمان مقعد كعامل منجم منفرد مع إبريق شاي مقلوب على صخرة.
عندما استيقظت سو في الصباح التالي بعد ساعة من النوم، وجدت جونسي مستيقظة،بعينين جامدتين ومفتوحتين تحدقان في الستارة الخضراء. أمرت هامسة: " اسحبيها ؛ أريد أن أرى " نفذت سو الأمر مرهقة.
ولكن ياللعجب ! فبعد المطر العنيف الذي ضرب وهبات الهواء العنيفة على جدار القرميد لم تزل هنالك ورقة دالية واحدة، ورقة دالية واحدكانت الأخيرة في الدالية، ماتزال بلون أخضر داكن بالقرب من الجذع، كانت تصفرعند حوافها.لكنها لم تزل متشبثة بشجاعة بغصن على ارتفاع عشرين قدما فوق الأرض.
قالت جونسي: " إنها الورقة الأخيرة " ، " خطر لي أنها سوف تسقط حتما خلال الليل، لقد سمعت الريح. إنني سوف أسقط اليوم. وسوف أموت في نفس الوقت"

قالت سو: " عزيزتي.. عزيزتي" وأمالت وجهها المرهق فوق المخدة، " فكري في إذا كنت لا تريدين أن تفكري بنفسك، ماذا سأفعل من بعدك؟ "

ولكن جونسي لم تجب. الشيء الكئيب جدا في جميع العالم هو روح مستعدة للذهاب في رحلة طويلة وأخيرة.
كانت فكرة الموت ــ على ما يبدو ـــ تسيطر عليها بقوة هائلة كما لو أن الروابط التي تربطها بالعالم قد اخذت
تتقطعز مر اليوم ببطء ومع أن النهار كان على وشك الانتهاء فإنهم كانوا لا يزالون قادرين على رؤية ورقة الدالية الوحيدة متشبثة بالجذع المستند إلى الجدار، بعدئذ ومع مجيء الليل، راحت الريح الشمالية تهب بلا رحمة من جديد. كما كان المطر لا يزال يضرب على النوافذ ويسيل من حواف السقوف الهولندية الواطئة.

وعندما كان هنالك قدر كاف من الضوء، أمرت جونسي سو ــ بلا رحمة نحوها ــ أن ترفع الستارة.
كانت ورقة الدالية لا تزال هنالك.
اضجعت جونسي تنظر إليها برهة من الزمن , ثم استدعت سو التي كانت تحرك مرقة الفروج على موقد الغاز وقالت " لقد كنت فتاةً سيئة يا سودي" " هنالك شيء ما جعل هذه الورقة الأخيرة تبقى هنالك لتريني كم كنت مخطئة إنه من الإثم أن يتمنى المرء الموت , هل تحضرين لي قليلاً من المرق الآن؟ وبعض الحليب مع قليل من خمرة بورت فيه؟ ولا , أحضري لي المرآة اليدوية أولاً وساعديني على وضع بعض المخدات خلفي لكي أتمكن من رؤيتك وأنت تطبخين" وبعد قليل قالت : " إنني أريد في يوم من الأيام أن أرسم خليج نابلس يا سودي"
حضر الطبيب بعد الظهر وكان لدى سو عذر في أن تذهب إلى الكوريدور عندما غادر. قال الطبيب وهو يصافح يد سو النحيلة : " حتى الحظوظ بالرعاية الجيدة سوف تربحين. والأن يجب علي أن أفحص حالة ثانية , رجل عجوز يسكن في الأسفل اسمه بهرمان إنه فنان من نوع معين على ما اعتقد. أصيب بالنيومونيا أيضاً, هو رجل عجوز ضعيف و الهجمة حادة جداً ولا يوجد أمل له ولكنني سأرسله اليوم إلى المستشفى لكي أجعله أكثر ارتياحاً.
في اليوم التالي قال الطبيب لسو: " لقد خرجت من مرحلة الخطر, لقد ربحتي فالتغذية والرعاية الأن هي كل شيء"
وبعد الظهر جائت سو إلى السرير حيث تضجع جونسي بسعادة تغزل وشاحاً صوفياً شديد الزرقة ولا فائدة منه, ووضعت احدى ذراعيها حولها والمخدات فقط.
قالت : " لدي شيء أقوله لك يا فأرتي البيضاء إن السيد بهرمان توفي اليوم بسبب النيومونيا في المستشفى , بقي مريضاً مدة يومين فقط وقد وجده الحاجب عند الصباح من اليوم الأول في غرفته تحت الدرج يعاني من الألم واليأس كان حذاؤه وملابسه مبللة رآه من خلال المصباح الذي كان لا يزال مضاءَ كمان رأى سلماً مجروراً من مكانه وبعض الفراشي المتناثرة كما رأى لوحة الألوان وعليها امتزج اللون الأخضر بالأصفر ونظر من الشباك إلى الورقة الأخيرة على الجدار. آلا تستغربين من أنها لم تخفق ولم تتحرك عندما هبت الريح؟ أه يا صديقتي العزيزة الصغيرة إنها لوحة بهرمان الرائعة لقد رسمها هناك في الليلة التي سقطت فيها الورقة الأخيرة".


طبيب المنطقة



طبيب المنطقة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكاتب: تورجينيف ترجمة: د. عبد الرحمن دركزللي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في أحد أيام الخريف لدى عودتي من مكان ناء من البلاد، أصابني برد فوقعت مريضا، لحسن الحظ أن الحمى داهمتني في المنطقة وأنا في الفندق. أرسلت خلف الطبيب، وبعد نصف ساعة وصل طبيب المنطقة، نحيف، غامق الشعر، متوسط الطول، وصف لي الدواء المنوم المعتاد، كما وصف لي لزقة خردل، وبمهارة فائقة سحب ورقة الخمسة روبلات ودسها في كمه، سحبها وهو يسعل سعالا جافا،وأخذ ينظر بعيدا كما كان يفعل، ثم إنه نهض ليغادرني ويرجع إلى بيته، ولكن ــ بطريقة ما ــ دخل معي في حديث، وبقي في الغرفة.

كنت مرهقا من الحمى،لذلك شعرت بأنني سأقضي ليلتي أرقا، فرحت قليلا بالحديث مع الزميل الممتع / السار، قــدم لنا الشاي، وأنشأ طبيبي يتحدث بعفوية وراحة تامة، كان رجلا رصينا، قدم نفسه وعرفني بحاله بكثير من الحيوية والمرح.

هنالك أمور غريبة عجيبة تحصل في هذه الدنيا، منها أنك قد تعاشر شخصـا ردحا من الزمن، وتكون على وفاق معه،لكنك مع ذلك لا تستطيع أن تتكلم معه بصراحة من أعماقك، و قد تصادف شخصا وليس عندك حتى الوقت اللازم للتعرف إليه ، لكنك تبوح له مباشرة وعلى الفور بكل أسرارك ويبوح لك بكل أسراره كأنه في حالة اعتراف.

لا أدري كيف تمكنت من كسب ثقة الزميل الجديد علما بأنه لا يوجد هنالك ما يستدعي ذلك . لقدأفضى إلي بحادثة غريبة، ولمعلومات القارئ فأنا أعتزم أن أسردها مستخدما الكلمات نفسها التي تفوه بها الطبيب.
بدأ الطبيب يتحدث بصوت خافت متهدج( وهذا بسبب اســـــــتخدام ســــــعوط بيرزوف النقي )، فقال " حتما لا تعرف من القاضي هنا، إنه ميلوف بافل لوكيتش؟ طبعا أنت لا تعرفه ؟ ولكن لا بأس" ( تنحنح ونظف حنجرته وفرك عينيه ) " حسنا حدث ما حدث، وسوف أروي لك الحادثة كما حصلت بأمانة، في ( لنت ) وفي وقت ذوبان الجليد بالذات، كنت جالسا في بيت قاضينا، وكنت ألعب لعبة الاختيار ( برفرنس )
إن قاضينا شخص طيب، وهو مولع بلعب لعبة الاختيار، وفجأة ( الطبيب يستخدم كثيرا هذه الكلمة، أي : فجأة ) قال لي : " هنالك خادم يسأل عنك"، قلت: " ترى ماذا يريد؟" قال: يقولون إنه يحمل كتابا معه،ولا بد أنه من أحد المرضى. قلت له " ناولني الكتاب" وبالفعل فقد كان من أحد المرضى، حسنا لا بأس فهذا مدار / سبب لقمة العيش، وهذا ما حدث بعد ذلك: سيدة أرملة كتبت إلي، تقول: : " إن ابنتي تكاد تموت، تعال أرجوك من أجل الله! أما الخيول فقد أرسلناها إليك"


طيب لا بأس. ولكن المريضة كانت على مسافة عشرين ميلا من البلدة، و الليل قد انتصف في الخارج، كما أن الطرقات في حالة سيئة . أقول بصدق " بما أن السيدة نفسها فقيرة، فإن المرء لا يتوقع أن يأخذ أكثر من روبلين فضيين، وأحيانا، وهذا ما يحرج يمكن أن يكون الأجر قطعة من الكتان وكيسا من الشوفان.
على كل حال الواجب ــ كما تعلم ــ يأتي قبل كل شيء، لذلك أعطيت بطاقتي مباشرة لـ ( كاليوبين ) عضو اللجنة الريفية، ورجعت إلى بيتي. نظرت فرأيت عربة بائسة صغيرة تقف على مسافة خطوات،ولها خيول كتلك التي في القرى، وسرج من اللباد الخشن،وكان الحوذي يجلس في قمرته وقد نزع قبعته عن رأسه من باب الاحترام.
ثم قلت لنفسي، إنه من الواضح ، وهنا لا بد لي من الاعتراف، يا صديقي، أن هؤلاء المرضى ليسوا من الأغنياء، طبعا أنت تضحك، فرجل مسكين مثلي يجب أن يلاحظ كل شيء ، فإذا كان الحوذي يجلس كالأمير، ، ولا يلمس قبعته ، ويسخر منك من وراء لحيته،ويخفق بسوطه خفقا فذلك يعني أنك ستأخذ ستة روبلات، ولكنني ــ هذه المرة ــ لم أجد ما يشبه ذلك، ولكن لا مفر لي من أداء الواجب. فالواجب يأتي قبل كل الأشياء.
أخذت معي بسرعة العقاقير الضرورية جدا، وانطلقت. هل تصدق ؟ حاولت أن أصل إلى هناك بكل ما اوتيت من قوة ، كان الطريق جحيما : سيول، ثلج ، مجار، أما القناة فقد انفجرت فجأة وهذا أسوأ ما في الأمر. على كل حال، وصلت أخيرا. كان البيت كوخا مسقوفا بالقش، كانت هناك أنوار تنبعث من النوافذ مما يدل على أنهم كانوا يتوقعون قدومي. استقبلتني سيدة عجوز في غاية الوقار تضع على رأسها قبعة، وهي تقول : " أنقذها ! " " إنها تكاد تموت "، فقلت لها : " أرجوك لا تجزعي .. أين المريضة ؟ " قالت : " تفضل معي من هنا "
دخلت، فشاهدت غرفة نظيفة، ومصباحا موضوعا في ركن الغرفة، وعلى السرير تمددت فتاة في العشرين من العمر، وهي فاقدة الوعي، كانت تتقد نارا، و تتنفس بصعوبة، إنها الحمى.
كانت هنالك فتاتان خائفتان تبكيان، إنهما شقيقتاها، قالتا لي : " البارحة كانت على خير ما يرام،وكانت شاهيتها جيدة، ولكنها عند الصباح من هذا اليوم اشتكت من رأسها ، وفي المساء فجأة حدث ما تراه الآن"، قلت لهما من جديد: " أرجوكما، لا تقلقا، هذا شغل الطبيب كما تعلمان" ، ثم إنني صعدت إلى المريضة لأفصدها، وطلبت إليهما أن تضعا لها لزقة خردل، ووصفت لها خلطة. في تلك الأثناء نظرت إليها ،وقسما بالله لم أر في حياتي قط وجها بمثل هذا الحسن! كانت رائعة الجمال بالفعل. لذلك استشعرت تجاهها الشفقة والعطف.
يا لتلك القسمات ! ويا لتلك العينين ! على كل حال ــ والحمد لله ــ أخذت تتصبب عرقا، وبدا واضحا أنها أخذت تسترد وعيها ، راحت تنقّــل بصرها في أرجاء الغرفة، ابتسمت ثم وضعت يدها على وجهها ... انحنت أختاها فوقها. وسألتاها: " كيف حالك ؟ " فقالت : " أنا بخير " ثم أشاحت بوجهها . نظرتُ إليها ؛ فرأيت أنها أخذت تغط في النوم فقلت : " حسنا ، ينبغي لنا الآن أن ندع المريضة وحدها" وهكذا أخذنا كلنا نمشي على رؤوس أصابعنا،ولم يبق عندها سوى خادمة لكي تكون في خدمتها إذا احتاجت شيئا.
كان في الردهة ( الصالون ) سماور شاي موضوع على المنضدة، وزجاجة روم ؛ في مهنتنا لا يمكن الاستمرار في العمل من دونه. قدموا لي شايا، وناشدوني أن أبقى عندهم تلك الليلة.. فوافقت: وأين يمكنني أن أذهب بالفعل في ذلك الوقت المتأخر من الليل؟
ظلت السيدة العجوز تئن وتتأوه قلت لها: " ما لك ؟ سوف تعيش لا تخافي ولا تقلقي، الأفضل لك أن ترتاحي فالساعة تقترب من الثانية، لكن ينبغي لك أن ترسلي خلفي إذا ما حدث شيء" قالت: نعم، نعم . ثم إنها ذهبت، كما ذهبت الفتاتان أيضا إلى غرفة النوم.
أعدوا لي فراشا في الصالون.
ثم إنني ذهبت لأنام، لكنني لم أستطع النوم وهذا عجيب لأنني كنت متعبا جدا . لم أستطع أن أنسى مريضتي وأن أبعدها من عقلي. وأخيرا لم أعد قادرا على الصبر أكثر من ذلك. نهضت فجأة, وقلت لنفسي: " سوف أذهب لأرى كيف حال المريضة وهل تتحسن " ، كانت غرفة نومها تجاور الصالون، وعلى كل ، نهضت، وبلطف فتحت الباب، ولكن لا يمكنك أن تتخيل كيف كان قلبي يخفق، نظرت إلى داخل الغرفة: فرأيت الخادمة البائسة نائمة وفمها مفتوح حتى إنها كانت تشخر، أما المريضة ، الفتاةالمسكينة، فقد اضطجعت ووجهها متجه إليّ، بينما ذراعاها ارتمتا بعيدا. دنوت منها..
عندما فتحت عينيها فجأة وحدقت فيّ ، قالت " من أنت؟، من أنت ؟ " اعترفت لها ، وقلت: " لا تجزعي ياسيدتي فأنا الطبيب، وقد أتيت لأرى كيف حالك".
قالت: " أأنت الطبيب؟ " قلت: " أجل أنا الطبيب، أمك أرسلت خلفي من البلدة، قمنا بفصدك يا سيدتي،أرجوك أن تنامي الآن ,وإن شاء الله، بعد يوم واحد، سوف نجعلك تقفين على قدميك من جديد" . قالت : " ياليت ياليت.. أرجوك أيها الطبيب، أرجوك لاتدعني أموت" قلت: " ولم تتكلمين بهذ الطريقة؟ " قلت في نفسي: لقد عاودتها الحمى من جديد، جسستُ نبضها ، أجل كانت في حالة حمى، نظرتْ إليّ ثم جرتني من يدي، وقالت: " سأقول لك لماذا لا أريد أن أموت: سأقول لك .. إننا الآن وحدنا، وليس هنالك أحد، أرجوك ألا .. لأي مخلوق .. اسمع "انحنيت، فقربت شفتيها جدا من أذني، فلامست خدي بشعرها ــ لا بد لي ههنا من أن أعترف بأن رأسي أخذ يدور ــ وراحت تهمس.. لكنني لم أستطع أن أفهم شيئا مما تهمس به ، آه .. لقد كانت في حالة هذيان!
ظلت تهمس وتهمس، ولكن بشكل سريع، وكأنها لا تتكلم باللغة الروسية:وأخيرا توقفت، وألقت رأسها ، وهي ترتجف، على المخدة، ثم حذرتني بإصبعها : " إياك يا دكتور أن تخبر أحدا" هدأت من روعها، وأعطيتها شيئا تشربه، ثم أيقظت الخادمة، و ذهبتُ.


عند تلك اللحظة، أخذ الطبيب يستنشق السعوط بقوة، وبدا لي ــ لوهلة ــ أنه أصبح بتأثيره كالمخبول. ومع ذلك فقد استمر الطبيب في الحديث، فقال: " في اليوم التالي، وخلافا لتوقعاتي، لم تحرز المريضة تقدما. فكرت وفكرت، ثم قررت فجأة أن أبقى هناك، مع أن مرضاي الآخرين كانوا يرتقبونني وينتظرونني.. و ــ كما تعلم ــ فأنت لا تستطيع أن تتجاهلهم ــ لأنك سوف تتألم إذا كان مريضك يتألم، إن ما دفعني إلى البقاء هو أولا أن مريضتي كانت فعلا في حالة خطر، وثانيا: وللحقيقة ، شعرت بالانجذاب إليها بقوة، فضلا عن أنني أحببت الأسرة كلها ، لأن أفرادها ــ بالرغم من ظروفهم الصعبة جدا ــ مثقفون بشكل واضح .. كان أبوهم رجلا متعلما، كان مؤلفا، مات، طبعا ، في حالة فقر، لكنه ــ على كل حال ــ حاول ــ قبل أن يموت ــ أن يعلم أبناءه ويربيهم تربية صالحة، وقد خلف لهم الكثير من الكتب، أيضا.
لا أبالغ إذا قلت لك: إن جميع أفراد البيت أحبوني كما لوكنت واحدا منهم، وذلك إما لأنني اعتنيت بالمريضة اعتناء كبيرا، وإما لسبب آخر... في تلك الأثناء أصبحت الطرقات في حالة سيئة أكثر من قبل؛ كما أن الاتصالات كلها انقطعت تماما إذا صح القول. وحتى الدواء أصبح الحصول عليه من البلدة عسيرا. أما المريضة فلم تكن حالتها تتحسن.. ويوما بعد يوم .. لكن .. ...(هنا توقف الطبيب لحظة قصيرة ) وبصراحة ولا أدري كيف أشرح لك ( أخذ الطبيب نشقة وسعل، وشرب قليلا من الشاي ).
سأخبرك بما جرى بشكل مباشر من غير لف ولا دوران. إن مريضتي ..لا أعرف كيف أعبر لك ... قد وقعت في غرامي ( هنا أطرق الطبيب برأسه واحمر خجلا ، لكنه استأنف الحديث بسرعة ) في الواقع يجب على الإنسان ألا يبالغ في تقدير ذاته/ مدحه نفسه ، كانت الفتاة متعلمة مثقفة جدا وذكية ، أما أنا ــ بصراحة ــ فقد نسيت لاتينيتي تماما.
وبالنسبة للمظهر ( هنا نظر الطبيب إلى نفسه مبتسما ) فأنا ليس لدي من كل تلك الأمور شيء أفخر به.لكن الله العلي القدير لم يحرمني نعمة العقل ولم يخلقني أبله، ، فأنا أميز بين الأبيض والأسود، وأعرف بشكل يقيني كيف أميز بين أمرين، على سبيل المثال فــ ( ألكسندرا آندرييفينا، وهذا اسمها ) لم تحببني، بل كان لديها ــ لنقل بصراحة ــ نوع من الود أو ميل نحوي، أو احترام لي لسبب ما. ربما كانت مخطئة في مشاعرها، لكن هكذا كان موقفها مني، لعلك أخذت فكرة عني ، ولكن ــ أضاف الطبيب الذي تفوه بكل هذه الجمل المفككة بنفس متصل وبحرج ظاهر ــ لست أدري ما إذا كنت قادرا على تفهم الحالة ،وإلا فسأقوم بربط هذه الأمور المتقطعة كلها ببعضها كي تتضح لك الأمور.
يشرب الطبيب قدحا من الشاي، ويبدأ حديثه بصوت أخفت/ أوطأ مما كان:
على كل، فإن حالة مريضتي أخذت تسوء وتسوء. طبعا أنت لست طبيبا يا سيدي الفاضل، وبالتالي لا تستطيع أن تتصور ماذا يحدث عندما يشعر الشخص المسكين أن المرض قد تمكن منه، كما لا تستطيع أن تتخيل كيف تصبح ثقته بنفسه ؟ إنك كطبيب ستشعر بأنك أصبحت فجأة جبانا،إنها حالة لا يمكن وصفها، وبعد ذلك تحس بأنك نسيت كل شيء تعرفه، وأن المريض لم يعد يثق بك، كما أن الآخرين ينتبهون إليك، ويلاحظون أنك تكثر من الشرود فلا يخبرونك عن الأعراض إلا بعد تردد، وربما نظروا إليك بشك وارتياب، وتهامسوا: أوه هذا فظيع!
وقد تقول في نفسك: لا بد أن هنالك دواء لهذا المرض؛ ياليتني أعثر عليه! أليس كذلك ؟ ثم إنك تحاول أن تجده .... لكنك تكتشف أنه ليس هو الدواء المناسب، لأنك تكون متعجلا فلا تعطي الدواء الوقت اللازم كي يأخذ مفعوله.. ثم تتعلق بدواء آخر، ثم بدواء ثالث. وفي بعض الأحيان تعمد إلى مرجع طبي بحثا عن وصفة مناسبة .. تقول جازما : ها هي ذي الوصفة المناسبة .. وأحيانا ــ قسما بسيدنا أيوب ــ تعثر على دواء بالمصادفة، بعد أن تكون قد يئست و استسلمت للقدر.. وربما أشرف مريضك على الموت، ثم جاء طبيب آخر وأنقذه، وربما تقول لأهل المريض: " يجب علينا أن نقوم بعمل استشارة/ كونسلتو، فأنا لا أستطيع تحمل المسؤولية وحدي، وكم ستبدو غبيا في عيونهم في مثل تلك الحالات! وفي بعض الأحيان تصبر على ما حدث وتتحمل الحرج، وتقول في قرارة نفسك: إنه ليس خطئي؛ لقد اتبعت ونفذت كل التعليمات لكن دون جدوى.
لكن الذي يعذبك إلى أقصى حد هو أن ترى الناس يثقون بك ثقة عمياء بينما أنت تحس أنك غير قادر على عمل أي شيء نافع. وهكذا كان الأمر مع أسرة ألكسندرا أندريفينا فلقد وثقوا بي أشد الوثوق وعلقوا علي كل الأمل، لقد نسوا أن ابنتهم أصبحت في حالة خطرة، وأنا أيضا كنت أؤكد لهم أن الأمر بسيط وإن كنت ـــ في الوقت نفسه ـــ أحس بأن قلبي قد غار حتى وصل إلى جزمتي/ حذائي. ومما زاد الطين بلة أن الطرقات كانت في حالة سيئة جدا حتى إن الحوذي ــ إذا ذهب لإحضار الدواء ــ كان يحتاج إلى أيام كاملة. كما أني لم أستطع أن أغادر غرفة المريضة قط، كنت أحكي لها قصصا مسلية، وألعب الشدة معها، وأسهر ليلا بجانبها لأراقب حالتها.

كانت الأم العجوز تشكرني وعيناها مغرورقتان بالدموع، فأقول في نفسي : " أنا لا أستحق شكرك" ولا بد لي ههنا من أن أعترف لك بصراحة ، فلم يعد هنالك الآن ما يدعو إلى الكتمان ، بأنني أحببت مريضتي، كما أن ألكسندرا أندرييفينا ازددات تعلقا بي، حتى إنها كانت أحيانا لا تسمح لأحد غيري بالدخول إلى غرفتها، بدأت تتحدث معي، تسألني أسئلة : أين درست، كيف عشت، ومن هم أهلك، ومن الذين عاشرتهم ؟؟. كنت أعلم أنه يجب ألا تتكلم لكنني لم أستطع أن أثنيها عن عزمها ،ولم أفلح في منعها من الكلام.
وفي بعض الأحيان كنت أضع رأسي بين يدي، وأقول لنفسي: " ما الذي تفعله أيها السافل؟ " لكنها لا تلبث أن تمسك بيدي ، وتلقي علي نظرة طويلة، طويلة جدا، ثم تستدير فتتأوه وتقول: " كم أنت طيب ! " كانت تقول لي ويداها حارتان ساخنتان جدا من الحمى، وعيناها كبيرتان وذابلتان: " أجل، أنت إنسان طيب لطيف، أنت لست كجيراننا.. لا أنت لست مثلهم .. لم لم أتعرف عليك إلا الآن ؟. فأرد عليها قائلا : " هدئي من روعك يا ألكسندرا آندرييفينا !إأشعر ــ صدقيني ــ أنني أحرزت تقدما ولكن لا أعلم ما مقداره .. لكن اهدئي ؛ فكل شيء سيكون على ما يرام، ولسوف تستعيدين عافيتك وصحتك من جديد.
تابع الطبيب حديثه، فقال وهو ينحني إلى الأمام ويرفع حاجبيه : ينبغي لي ههنا أن أخبرك بأنهم كانوا يعاشرون الناس ولكن على نطاق ضيق جدا؛ لأنهم قوم بسطاء وليسوا من مستواهم، كما أن عفة أنفسهم كانت تمنعهم من معاشرة الأغنياء، كاتوا كما قلت لك أسرة مثقفة بشكل منقطع النظير، و هذا ــ كما تعلم ــ ما سرني وأعجبني منهم.

كانت لا تأخذ دواءها إلا من يدي .. وكانت ــ المسكينة ــ لا ترفع نفسها لتجلس إلا إذا ساعدتها أنا على الجلوس، كانت تقول لي : خذ بيدي وهي تحدق في ... أما أنا فكنت أحس بأن قلبي يوشك أن ينفطر.
بعد ذلك اشتدت حالتها الصحية سوءا، وتدهورت إلى حد بعيد ، فقلت في نفسي ستموت ، ستموت حتما، وصدق أنني وددت لو أموت وأدفن في المقبرة بدلا منها. كانت في تلك اللحظة أمها وأختاها ينظرن إلي ويراقبن عيوني ... أخذت ثقتهم في تتزعزع. و"الآن ، كيف حالتها؟" ، "إنها في حالة جيدة ، جيدة ، حالة جيدة بالفعل!" لقد خذلني تفكيري.
مرة كنت جالسا في الليل أسهر وحدي مع مريضتي، وكانت الخادمة جالسة هناك أيضا ولكنها كانت تشخر في المرجوحة: إنني لا أجد أي عيب في سلوك الفتاة المسكينة، لأنها كانت مرهقة ايضا، لم تذق ألكسندرا آندرييفنا طعم الراحة طوال الليل، ذلك أن الحمى أخذت مأخذها منها، وحتى منتصف الليل كانت تحرك رأسها، ولكنها أخيرا غطت في النوم، أو على الأقل اضطجعت بلا حراك، كان المصياح يتقد ويتوهج في ركن الغرفة قبالة صورة السيد المسيح.
جلست أنا أيضا، ورأسي منحن؛ فأنا أيضا غفوت قليلا، وفجأة شعرت كأن أحدا لامسني الداخل،التفت.. يا إلهي! كانت ألكسندرا آندرييفينا تحدق في بنظرة ذات مغزى.. انفرجت شفتاها، وخداها يلتهبان من الحرارة: " ما الأمر ؟ أيها الطبيب ، هل سأموت؟ أرجوك يا رب السموات الرحيم، لا، أيها الطبيب، لا، أرجوك، لا تقل لي إنني سأموت،لاتقل لي ذلك .. إذا كنت تعلم ... اسمع! أرجو من أجل الله ألا تكتم عني حقيقة الأمر" وهنا بدأ نفسها يتسارع، قلت لها: " لو كنت متأكدة من أنني سأموت فلسوف أخبرك بكل .. كل شيء".


" أرجوك يا ألكسندرا آندرييفينا! أن تصغي ، فأنا لم أنم مطلقا .. كنت بجوارك أراقب وضعك لمدة طويلة ... من أجل الله!"
" إنني أثق بك، أنت إنسان طيب، ورجل شريف، أتوسل إليك وأستحلفك بكل مقدس في العالم .. أن تخبرني بالحقيقة، ياليتك تعلم كم هذا مهم بالنسبة إليّ أيها الطبيب، أرجوك من أجل الله أن تخبرني، هل أنا في حالة خطر؟ " ، قلت لها : " إن كل ما أستطيع أن أخبرك به ، يا ألكسندرا أندرييفينا!، هو أنني لن أخفي عنك شيئا، أنت بالتأكيد في حالة خطر، لكن الله رحيم. " سأموت، سأموت" والظاهر أنها سرت، فتألق وجهها،أما أنا فقد شعرت بالخوف " لا تخف ، لا تخف فأنا لا أخشى الموت على الإطلاق" ثم إنها ــ فجأة ــ جلست واستندت إلى مرفقها.
" الآن ..أجل، الآن فقط أستطيع أن أقول لك إنني ممتنة لك من أعماق قلبي.. فأنت إنسان لطيف ونبيل، وأنا أحبك" حدقت فيها كمن أصابه خبل أو مس، كان الموقف محرجا وصعبا بالنسبة إلي. كما تعلم. " هل سمعت ؟ إنني أحبك ! " " ولكن يا ألكسندرا آندرييفينا إنني لا أستحق هذا" ... وفجأة مدت ذراعيها، وقبلتني، ثم أخذت رأسي بين يديها، وقبلته.. صدقني، كدت تقريبا أصرخ .. لكنني جثوت على ركبتيّ، ودفنت رأسي في المخدة،أما هي فلم تنبس ببنت شفة، تحركت أصابعها المرتجفة خلال شعري،ثم انتبهت :فإذا هي تبكي.
أخذت أهدئ من روعها، وأطمئنها ... في الواقع لا أعلم ماذا قلت لها؛ قلت لها: " سوف تشفين أيتها الفتاة " " أشكرك يا ألكسندرا آندريفينا... صدقيني .. اطمئني ..."
قالت بإصرار: " كفى كفى، لا شيء يهم ، دع الأمور تجري كما تشاء، فلست أبالي لأنني سأموت كما تعلم... ولكن مم أنت خائف؟ لم أنت خائف؟ هيا ارفع رأسك .. أم أنك لا تحبني؟؟، ربما كنت أنا مخطئة... لكنني أرجو في هذه الحالة أن تغفر لي و تصفح عني" " ماذا تقولين يا ألكسندرا آندريفينا.. إنني أحبك " عند ذلك نظرت مباشرة إلى عيني، وفتحت ذراعيها، وقالت:" إذا خذني بين ذراعيك" .

أقول لك بصراحة لم أدر كيف لم أجن تلك الليلة، شعرت أن مريضتي تقتل نفسها، إذ لم تكن على الإطلاق هي هي، إنني أعرف أيضا أنه لو لم تعتبر نفسها على حافة الموت، لما فكرت فيّ على الإطلاق. كان من الصعب عليها في الواقع أن تموت في العشرين دون أن تذوق طعم الحب؛ هذا ما كان يعذبها، وهذا هو السبب الذي دفعها ــ بيأس ــ إلى التشبث والتعلق بي،أ فهمت الآن لماذا ضمتني بين ذراعيها ولم تسمح لي بالذهاب.
قلت لها: " ارحميني با ألكسندرا آندريفينا، وارحمي نفسك"، قالت " لماذا؟ وهل هنالك شيء آخر نفكر فيه ؟ أنت تعلم أنني سأموت ... كررت هذا عدة مرات بشكل متواصل... " لوكنت واثقة أنني سأعود إلى الحياة، وأنني سأكون صبية معافاة لكنت خجلت .. بالطبع .. خجلت .. ولكن ما الداعي إلى الخجل الآن؟ "
ولكن من قال لك : إنك ستموتين؟" ..... أوه ، لا ، اخرج من هذا،فأنت لن تستطيع أن تخدعني، أنت لا تعرف كيف تكذب ؛ انظر إلى وجهك! .. "
سوف تعيشين يا ألكسندرا آندريفينا، أنا سأعالجك وأشفيك، ، وسوف نطلب من والدتك أن تباركنا.. سوف نتزوج ونكون سعداء"
" لا، لا ، لقد سمعت ما قلت ، سأموت .. لقد وعدتني... لقد أخبرتني".


كان ذلك قاسيا علي.. قاسيا لعدة أسباب. وتأمل كيف تسير الأمور أحيانا، في الظاهر ليس هنالك شيء، لكنه أمر مؤلم. خطر لها أن تسألني عن اسمي، لا عن كنيتي، بل عن اسمي الأول، ولو أنهم نادوني به لشعرت بالتعاسة:( تريفون )، نعم بالفعل: ( تريفون إيفانفيتش)، ولكن كل من في المنزل كان يناديني : يا دكتور. وبالرغم من أنه لا فائدة فيه، فقد قلت لها : "تريفون يا سيدتي، فعبست. ثم هزت رأسها، وتمتمت بالفرنسية، بشيء غير سار، بالطبع! ثم مالبثت أن ضحكت بشكل مزعج أيضا.
المهم، أنني قضيت الليلة كلها معها بهذه الطريقة / على هذا النحو. قبل الصباح ذهبت وأنا أشعر كأنني مجنون، عندما دخلت مرة ثانية إلى غرفتها كان الوقت ضحى، أي بعد وقت تناول شاي الصباح، ولكن ــ والعياذ بالله ــ بالكاد استطعت أن أتعرف عليها،فالناس ، وهم مضطجعون في قبورهم يمكن أن يكونوا أفضل منها حالة، أقسم لك بشرفي، فأنا الآن لا أفهم ، لا أفهم مطلقا ــ كيف خضت تلك التجربة. ثلاثة أيام وليال كانت مريضتي تترنح،ويالها من ليال! ويا لتلك الأمور التي حدثتني بها! تخيــل في الليلة الأخيرة ، جلست بجوارها وظللت أدعو الله من أجل شيء واحد : " خذها يا رب بسرعة وخذني معها !"
تدخل الأم العجوز بشكل غير متوقع إلى الغرفة، وكنت قد أخبرتها ( أخبرت الأم ) من قبل في الليلة الفائتة،أن هنالك أملا ضعيفا، ولذلك فمن المستحسن استدعاء أحد القسس. وعندما رأت الفتاة المريضة أمها قالت: " حسنا فعلت إذ أتيت، انظري إلينا، إننا نحب بعضنا بعضا، لقد تعاهدنا على الحب" قالت الأم : " ما الذي تقوله الفتاة أيها الطبيب؟ ما الذي تقوله ؟ التفت إليها قائلا: " إنها تهلوس" " إنها الحمى " ولكن الفتاة قالت : " صه صه لقد كنت الآن فقط تقول شيئا مختلفا تماما عما تقوله الآن، كما أنك أخذت خاتمي، فلم تغير كلامك؟ إن أمي امرأة طيبة ، سوف تصفح، وسوف تتفهم الأمر، ثم إنني سأموت.. فلا حاجة لي إلى الكذب؛ هيا هات يدك" هنا قفزت وخرجت من الغرفة. السيدة العجوز ، بالطبع ، أدركت كيف حصل ذلك.


أضاف الطبيب قائلا بسرعة وهو يتأوه : " لن أرهقك أكثر من هذا بحديثي ، ولن أرهق نفسي أيضا، لأن تذكر كل هذه الأشياء أمر يؤلمني .
توفيت مريضتي في اليوم التالي، " اللهم أدخل الراحة على روحها " .و قبل وفاتها طلبتْ من أفراد أسرتها أن يخرجوا و يتركوني وحدي معها. قالت لي: " سامحني، فربما كنت جديرة بلومك..إنه المرض ... ولكن صدقني لقد أحببتك كما لم أحبب أحدا من قبل.. لا تنسني.. وحافظ على خاتمي".

هنا أراد الطبيب أن يغادر، فأخذت يده.
قال: " آه .. دعنا نتحدث في موضــــــوع آخر، ما رأيك في أن نلعب لعبة التفضيل ، على مبلغ بسيط؟ فليس لواحد من أمثالي أن يفتح المجـــــل أمام نفسه للعواطف الراقية. ليس أمامي إلا شيء واحد فقط ينبغي لي أن أفكر فيه وأنشغل به ؛ وهو كيف أســــــــتطيع أن أحول دون بكاء الأطفال وشتائم الزوجة.
بعد تلك الحادثة سنحت لي الفرصة، فدخلت في علاقة زواج شرعي كما يقولون ، ... أوه .. لقد تزوجت ابنة تاجر، مهرها ( دوطتها ) سبعة آلاف ، تدعى( أكـوليـــنا )؛ وهو اسم يناسب اسم (تريفون) . ولا بد لي هاهنا من أن أعترف لك بأنها امرأة سيئة الطبع شريرة إلا أنها ــ لحسن الحظ ــ تنام طوال النهار. ولكن ــ ليت شعري ــ أتصلح أن تكون تفضيلا؟
جلسنا بعد ذلك لنلعب لعبة التفضيل على نصف بنس، فربح تريفون إيفانتش مني روبلين ونصفا، ثم ذهب إلى بيته متأخرا. أجـل ذهب وهو مسرور بفوزه.

نمط من العيش

A Lifestyle
Fernando Sorrentino
نمط من العيش
فرناندو سـورنتينو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ترجمة د. عبد الرحمن دركزللي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في شبابي، وقبل أن أصبح مزارعا ومربي مواش، كنت موظفا في أحد المصارف، وإليكم لمحة عما حدث:
كنت يومها في الرابعة والعشرين من العمر، ولم يكن لي أقارب بالمعنى الدقيق. كنت أسكن في تلك الشقة الصغيرة نفسها بمنطقة ( سانتا في ) الواقعة بين ( كاننغ) و ( آراؤز).

من المعروف أن الحوادث تقع في كل مكان ، حتى في ذلك المكان الصغير، وأما بالنسبة إليّ فإن الحادثة كانت بسيطة، فبينما كنت أفتح الباب لأذهب إلى عملي، انكسر المفتاح في القفل.
بعد اللجوء عبثا إلى مفكات البراغي والكماشات، قررت أن أتصل بمحل لصنع الأقفال، وبينما كنت أنتظر حضور صانع الأقفال اتصلت بالمصرف لأعلمهم أني سأتأخرقليلا.


لحسن الحظ ، وصل صانع الأقفال بسرعة فائقة، وبالنسبة إلى هذا الرجل فأنا لا أتذكر منه الآن سوى أن شعره كان شائبا بالكامل مع أنه شابّ. ومن خلال ثقب الباب قلت له: " إن مفتاحي انكسر في القفل".


قام بحركة سريعة في الهواء تعبر عن الأسف والانزعاج ،ثم قال: " أعلق في داخل القفل ؟ إذا في هذه الحالة، سيكون إخراجه صعبا، وسوف يستغرق معي ثلاث ساعات على الأقل، وسوف أتقاضى منك أتعابي لقاء ذلك..."

طلب مني مبلغا كبيرا جدا، فقلت له: " ليس معي ذلك المبلغ حاليا، ولكن بمجرد أن أخرج، سأذهب إلى المصرف وأدفع لك."
نظر إلي شزرا، كأنني شتمته أو سببته، ثم قال لي بنوع من اللباقة والمجاملة التي يستخدمها المثقفون : " آسف جدا ياسيدي ، فأنا لست عضوا مؤسسا في نقابة " صاتعي الأقفال الإرجنتنيين" فحسب، بل واحد ممن قاموا بصياغة الوثيقة الأساسية ( الماغنا كارتا ) لنقابتنا،وإذا فلا مجال هنا للعب، ولو تفضلت واطلعت على هذه الوثيقة لكنتُ لك من الشاكرين. لأنك سوف تجد في القسم المخصص لـ " الشروط الأساسية" أن صاتع الأقفال النموذجي، لا يجوز له أن يأخذ مالا على شيء يقوم به بعد انتهاء ساعات العمل.
"ابتسمت، وقلت له أيها الرجل الموسوس : " لابد أنك تمزح!".
" عزيزي.. إن الوثيقة الأساسية لنقابة صانعي الأقفال الإرجنتيين" الماغنا كارتا" ليست موضوعا للضحك والسخرية، كما أنها لا تهمل شيئا من التفاصيل ، وقد بنيت موادها كلها على القواعد الأخلاقية، واستغرقت كتابتها سنوات طويلة من الدراسة الجادة. وبالطبع فليس كل الناس قادرين على فهمها؛ لأننا استخدمنا في جانب كبير منها لغة رمزية لايفهمها إلا الراسخون في العلم، على كل حال، أنا أعتقد أنك ستفهم الفقرة 7 منها، والتي تقول: " الذهب يفتح الأبواب، والأبواب تطيعه "؛ لدلك فأنا لا يمكن أن أقبل بمثل هده السخافات
. قلت له: " أرجوك، تعقّل ، وافتح لي الباب، ولسوف أدفع لك على الفور.
" آسف، ياسيدي. هنالك أخلاقيات في كل مهنة، وأخلاقيات مهنة صانعي الأقفال لا تتسامح ولا تتساهل على الإطلاق في هذا المجال. طاب يومك"، قال هذا وانصرف.


وقفت لحظات في مكاني حائرا، ثم اتصلت بالمصرف ثانية ، وأعلمتهم أني قد لا أتمكن من الدوام في ذلك اليوم. بعد ذلك فكرت بصانع الأقفال الشائب وقلت لنفسي، " ذلك رجل خرف . سأقوم بالاتصال بمحل آخر لصنع الأقفال، لكنني ــ هذه المرة ــ لن أقول لصاحبه ــ إلا بعد أن يفتح الباب لي ــ : إنني لا أملك نقودا .





فتشت في دليل الهاتف واتصلت .. سمعت صوتا نسويا من النوع الكتوم المتحفظ قالت لي : " ما العنوان؟ "
قلت: " 3653 سانتا في، الشقة رقم 10ــ آ "
ترددتْ لحظة، وطلبتْ مني أن أكرر العنوان، ثم قالت: " مستحيل ، ياسيدي ، إن الماغنا كارتا لنقابة صانعي الأقفال الإرجنتينيين تمنعنا من القيام بأي عمل في تلك المنطقة."

قلت لها، وأنا أحتدم غضبا: " اسمعي الآن ! لا تتساخفي ... "
أغلقت الهاتف في وجهي ولم تتركني أنهي كلامي.
لذلك رجعت إلى دليل الهاتف، واستخرجت منه حوالي عشرين رقما ،أي أنني استخرجت منه كل أرقام محلات صانعي الأقفال تقريبا. لكنهم بمجرد أن سمعوا بالعنوان، رفضوا وبكل صفاقة القيام بالعمل. قلت لنفسي: " حسنا، لابد أن أجد حلا لمشكلتي في مكان ما ."


استدعيت البواب/ حارس البناية، وحدثته عن المشكلة. فرد علي بقوله:" أولا أنا لا أعرف كيف تُفتح الأقفال، والشيء الثاني، هو أنني ــ حتى لوكنت أعرف كيف تفتح ــ لن أقوم بفتحه، لأن عملي هو تنظيف المكان، لا إطلاق سراح الطيور المحبوسة من أقفاصها. وعلاوة على ذلك فأنت لم تكن في يوم من الأيام كريما معي في البقشيش."
هنا كدت أتميز من الغيظ، فقمت بعدة تصرفات حمقاء عديمة الجدوى وبعصبية شديدة: أخذت فنجان قهوة، دخنت سيجارة، جلست، نهضت، سرت بضع خطوات، غسلت يديّ، وشربت كأسا من الماء.

ثم إنني تذكرت ( مونيكا دي تشافيه )، فأدرت قرص الهاتف على رقمها،و انتظرت، ثم سمعت صوتها، فقلت لها بلطف مصطنع وثقـــــة بالنفس: " مونيكا! كيف حالك ياحبيبتي؟ ، كيف تسير الأمور معك ؟ أرجو أن يكون كل شيء على ما يرام ! " . ولكن جوابها كان: " أخيرا تذكرت أن تتصل بي؟؟، إنني أشك أنك تحبني ، فأنا لم أرك، ولم أسمع صوتك، منذ أسبوعين تقريبا ! "
ليس الجدل مع النساء من شيمي وليس في مقدوري، لاسيما وأنا في تلك الحالة النفسية السيئة، حالة الشعور بالنقص التي انتهيت إليها. ومع ذلك ، فقد حاولت أن أوضح لها بسرعة ما الذي جرى لي، ولست أدري هل أخطأت في فهم كلامي، أم أنها رفضت الاستماع إليه ؟. لكن آخر ما قالته لي قبل أن تضع سماعة الهاتف هو " أنا لست لعبة في يد أحد !"

بعد ذلك، اضطررت أن أقوم بسلسلة من التصرفات الخرقاء التي لا تجدي نفعا: اتصلت بالمصرف على أمل أن يأتي واحد من زملائي الموظفين ويفتح الباب. ولكن لسوء الحظ، طلع لي ( إنزو باريدز) الساخر البليد الذي أكرهه، فقال لي بطريقة سخيفة: " إذا أنت لا تستطيع الآن أن تخرج من بيتك ! ... الظاهر أن حججك وأعذارك للتهرب من العمل كثيرة جدا لا أول لها ولا آخر ! "
عند هذا اعترتني نوبة كتلك النوبات التي تسبق الانتحار، لكنني تماسكت، أخذت الهاتف ورحت أتصل من جديد، بحثت عن ( مايكل آنجلو لا بورتا ) الذي كان حتما أذكى من الشخص الدي قبله بقليل ، بدا لي كأنه متحمس لحل مشكلتي.

ــ قل لي هل الذي انكسر هو القفل أم المفتاح ؟؟
ــ المفتاح.
ــ هل علق داخل القفل؟
ــ نصفه علق داخل القفل.
ضقت ذرعا بهذا النوع من الاستجواب، فقلت:
ــ و النصف الآخر خارج القفل؟
ــ طيب ! ألم تحاول إخراج القطعة الصغيرة التي علقت بمفك براغي؟
ــ طبعا حاولت، ولكن إخراجها من رابع المستحيلات.
ــ أوه ! عليك إذا أن تتصل بصانع أقفال.
ــ لقد فعلت ذلك من قبل.
هنا حاولت أن أكبح غضبي الذي كاد يخنقني، فقلت :
ــ يريد قبض المبلغ سلفا.
ــ إذا ادفع له وحُلّ المشكلة.
ــ ألا ترى أنني لا أملك أية نقود ؟
شعر بالملل والضجر، فقال لي:
ــ أيها الرجل الشحيح، مشاكلك ــ على ما يبدوــ لن تنتهي أبدا !
لم أوفق إلى جواب سريع أرد به عليه. كنت أنوي أن أقترض منه بعض المال ولكن عبارته التي قالها تركتني في حيرة من أمري، فلم أعد أقوى على التفكير في شيء. وهكذا انتهى ذلك اليوم.



في اليوم التالي، نهضت من فراشي مبكرا لأقوم بإجراء مكالمات هاتفية أخرى، ولكن حدث لي أمر عادي ، أمر يتكرر حدوثه مع الناس ، وهو أنني وجدت الهاتف معطلا، وهذه مشكلة ليس في وسعي حلها؛ إذ كيف لي أن أتصل بقسم تصليح الهواتف دون أن يكون لدي هاتف أجري به الاتصال ؟.


خرجت إلى الشرفة ( البلكون ) ورحت أصرخ بالناس الذين يسيرون في منطقة سانتا في، كانت ضجة الشارع تصم الآذان، فمنذا الذي سيسمع شخصا ينادي من الطابق العاشر؟ كان الناس لا يسمعون، نعم رفع بعضهم عن غير قصد رأسه بشكل عفوي، لكنهم ما لبثوا بعد ذلك أن واصلوا سيرهم.

بعد ذلك، وضعت خمس ورقات وأربع نسخ من الكربون في آلتي الكاتبة، كتبت الرسالة التالية : " سيدتي / سيدي ... إن مفتاحي انكسر وعاق في القفل، وقد أتى علي، وأنا محبوس في البيت، يومان، أرجوك افعل شيئا كي تخلصني وتحررني، عنواني هو 3653 سانتا في، شقة رقم 10 ـ آ .
ألقيت الورقات الخمس من الشرفة، ولما كانت الاحتمالات ــ احتمالات سقوط الأوراق بشكل عمودي قليلة ـــ فقد تناثرت وأخدت ترفرف مع بعضها بسبب الريح المتقلبة. بعد ذلك سقطت ثلاث منها في الشارع، ولكن ما لبثت أن داستها السيارات المتتابعة ولطختها بالسواد. كما أن واحدة حطت على مظلة أحد المخازن، أما الخامسة منها فقد وقعت على الرصيف.

وعلى الفور التقطها شاب محترم ، قرأها. ثم نظر إلى الأعلى مظللا عينيه بيده اليسرى. أعطيته وجها بشوشا، لكنه مزق الورقة إلى وريقات ، وبحركة غاضبة ألقاها.
باختصار، ظللت لعدة أسابيع أقوم بشتى المحاولات وأبذل كل الجهود، رميت مئات الرسائل من الشرفة، لكن إما أنه لم يقرأها أحد أو أنها قرئت و لم يحفل بها الناس ولم يحملوها على محمل الجد.

بعد عدة أيام وجدت ظرفا ملقى من تحت باب شقتي، كان مرسلا من شركة الهواتف، جاء فيه أن الشركة اضطرت إلى قطع الخط لعدم قيامي بدفع المبالغ المستحقة، ثم ــ على التوالي ــ قطعوا عني الغاز، والكهرباء، والماء.
في البداية، استهلكت كل المؤونة التي كانت في حوزتي بطريقة غير معقولة، لكنني انتبهت بعد ذلك إلى الخطأ الذي ارتكبته ، فأخذت أتدارك الأمور.مثلا وضعت أوعية وأواني على الشرفة لجمع ماء المطر. قلعت الورود والزهور من أصص الزرع، وزرعت محلها البندورة،والعدس، والخضراوات، ثم رحت أتعهدها بالرعاية والعناية والصبر الجميل، ولما كنت بحاجة إلى البروتين الحيواني تعلمت كيف أربي الحشرات والعناكب والقوارض وأستولدها، أي جعلتها تتكاثروهي محبوسة؛ كما أني ــ في بعض الأحيان ــ كنت اصطاد عصفورا أو حمامة لهداا الغرض.
في الأيام المشمسة، كنت أشعل النار بوساطة المكبرة والورق، كما كنت ــ عوضا عن البترول ــ أحرق الكتب والأثاث والسجاجيد الصغيرة . اكتشفت أن البيت يشتمل على أشياء كثيرة، لا لزوم لها ولا حاجة إليها.

وهكذا عشت مرتاحا تماما، مع أنه كانت تنقصني بعض الأمور، فعلى سبيل المثال، لم أكن أعلم بما يجري أو يحدث في العالم، إذ لم يكن بوسعي قراءة الصحف والجرائد، كما لم يكن بوسعي تشغيل التلفاز أو المذياع. وعندما كنت أرغب في التسلية كنت أطلق العنان لأفكاري فأشرد طويلا وأذهل . لم يعد عندي مخاوف كما لم يعد لدي طموحات. إنني ـــ باختصارــ أعيش في حالة من السعادة لا نظير لها.

كنت ــ من شرفتي ــ أراقب العالم الخارجي، وألاحظ ما يطرأ عليه من التغيرات. لا أدري كم أتى عليّ وأنا في هذه الحالة ، لقد فقدت إحساسي بالزمن، ولكن المرآة، والصلع الذي ألم يرأسي ، ولحيتي الطويلة البيضاء، والألم الذي حل في مفاصلي، كل تلك الأشياء كانت تخبرني وتقول لي : لقد هرمت وبلغت من الكبر عتيا.